بسم الاب و الابن و الروح القدس الاله الواحد .امين.:
#ابائيات
#تاريخ_كنسي
======================================
أعمال شهداء سكيليام
======================================
الاعمال ديه لهولاء الشهداء مش مجرد قصة قديسين عادية. إحنا قدام كنز تاريخي. ليه ؟ لأن أعمال شهداء سكيليام
Acts of the Scillitan Martyrs (Passio Sanctorum Scillitanorum)
دي بتعتبر أقدم وثيقة مؤرخة للكنيسة في شمال أفريقيا وتكتبت باللاتينية.
تخيل إن قبل التاريخ ده، مكنش عندنا وثيقة رسمية طالعة من المنطقة دي بتاريخ محدد تقولنا المسيحية كانت ايه وضعها في شمال افريقيا هناك هناك في بلاد الامازيغ. الوثيقة دي هي محضر جلسة المحكمة الحقيقي، مش قصة متألفة، وده اللي بيخليها للمؤرخين كنز لا يقدر بثمن
======================================
عشان نفهم القصة، لازم نرسم المسرح الاول :
17 يوليو سنة 180 ميلادية. (التاريخ ده محفور بدقة).
مكان المحاكمة في مدينة قرطاج او قرطاجنة (تونس حاليا)، وتحديدا في قاعة المحكمة الخاصة بالحاكم الروماني. الشهداء نفسهم جايين من بلدة صغيرة اسمها سكيليام (Scillium)
، ودي مكانها بالظبط عليه خلاف، بس الأكيد إنها في مقاطعة أفريقيا البروقنصلية (شمال تونس/شرق الجزائر).
في الوقت ده كان الامبراطور هو كومودوس (Commodus)
، وده ابن الامبراطور ماركوس أوريليوس. كومودوس كان شخصية غريبة ومضطربة وكمان دموي، بس الاضطهاد ده حصل في بداية حكمه
البروقنصل فيجيليوس ساتورنينوس (Vigellius Saturninus)
. الراجل ده مهم جدا وهنعرف ليه ترتليان (العلامة المسيحي) جاب سيرته و ذكره بأيه
==================================
الشهداء كانوا مجموعة من الناس البسطاء، مش لاهوتيين كبار ولا أساقفة، وده سر عظمتهم. عددهم 12 (7 رجالة و 5 ستات)، وأسمائهم في الوثيقة كالتالي :
دول الرجال :
سبيـراتوس (Speratus): ده كان المتحدث الرسمي وقائدهم.
نارتزالوس (Nartzalus): اسم بربري محلي.
شيتينوس (Cittinus): اسم بربري برضو.
فيتوريوس (Veturius)
فيليكس (Felix)
أكويلينوس (Aquilinus)
لايتانتيوس (Laetantius)
و دول السيدات :
جانواريا (Januaria)
جينيروسا (Generosa
فيستيا (Vestia)
دوناتا (Donata)
سيكوندا (Secunda)
الأسماء دي بتوريك ان المجتمع الكنسي وقتها كان فيه أسماء لاتينية رومانية صريحة، وأسماء محلية (أمازيغية) زي نارتزالوس، وده معناه إن الكنيسة كانت ضامة الكل تطبيق لوصية يسوع المسيح بالكرازة لكل الامم :
"وَقَالَ لَهُمُ: «اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا." (مر 16: 15).
و ان مفيش فرق بين المسيحين كهم واحد في المسيح يسوع :
"لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلاَ يُونَانِيٌّ. لَيْسَ عَبْدٌ وَلاَ حُرٌّ. لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، لأَنَّكُمْ جَمِيعًا وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ." (غل 3: 28).
======================================
إيه اللي حصل في المحكمة ؟
نيجي بقى لدرة الموضوع. الوثيقة اللي وصلت لنا عبارة عن محضر تحقيق. مفيش فيها مقدمات درامية، هي (سؤال وجواب) زي ما كاتب المحكمة سجله
الوالي ساتورنينوس قاعد على كرسي القضاء، والمتهيمين الـ 12 واقفين قدامه و ده نص المحاكمة العظيم :
1. في قنصلية برايسنس (للمرة الثانية) وكونديانوس، في اليوم الرابع عشر قبل كالندس أغسطس، في قرطاج، أُدخل إلى قاعة الوالي القنصلي كلٌّ من: سبيراتوس، نرتزالوس، كيتينوس، دوناتا، سيكوندا، وفستيا.
قال ساتورنِينُس الوالي القنصلي: «يمكنكم أن تنالوا عفو سيّدنا الإمبراطور إن رجعتم إلى رشدكم».
2. قال سبيراتوس: «نحن لم نفعل شرًّا قط، ولم نسعَ إلى الإثم؛ لم نسبّ أحدًا، بل عندما لاقينا سوء معاملة كنّا نشكر، لأننا نوقّر إمبراطورنا».
3. قال ساتورنِينُس الوالي القنصلي: «ونحن أيضًا متديّنون، وديانتنا بسيطة؛ نحن نحلف بعبقرية (روح) سيّدنا الإمبراطور، ونقدّم الابتهالات من أجل صحته، وهو ما ينبغي لكم أن تفعلوه أنتم أيضًا».
4. قال سبيراتوس: «إن أصغيتَ إليّ بهدوء، أخبرتك بسرّ البساطة».
5. قال ساتورنِينُس: «لن أُصغي إليك وأنت تسيء إلى شعائرنا المقدّسة، بل احلف بعبقرية سيّدنا الإمبراطور».
6. قال سبيراتوس: «لا أعترف بسلطان هذا العالم، بل أخدم ذلك الإله الذي لم يره إنسان قط ولا يستطيع أن يراه بهذه العيون. لم أرتكب سرقة قط؛ وكلما اشتريت شيئًا دفعتُ الضريبة، لأني أعترف بسيّدي، ملك الملوك وإمبراطور جميع الأمم».
7. قال ساتورنِينُس الوالي القنصلي للآخرين: «كُفّوا عن هذا الاعتقاد».
قال سبيراتوس: «إنه لاعتقاد فاسد أن يُرتكب القتل، وأن يُنطق بشهادة زور».
8. قال ساتورنِينُس الوالي القنصلي: «لا تشتركوا في هذا الجنون».
قال كيتينوس: «ليس لنا أحد نخشاه سوى ربّنا الله الذي في السماء».
9. قالت دوناتا: «أُكرم قيصر بصفته قيصر، أمّا الله فأخافه».
وقالت فستيا: «أنا مسيحية».
وقالت سيكوندا: «أنا بالضبط ما أريد أن أكون».
10. قال ساتورنِينُس الوالي القنصلي لسبيراتوس: «هل تصرّ على أن تكون مسيحيًا؟»
قال سبيراتوس: «أنا مسيحي»، ووافقه الجميع.
11. قال ساتورنِينُس الوالي القنصلي: «هل ترغبون في مهلة للتفكير؟»
قال سبيراتوس: «في أمرٍ عادل كهذا لا مجال للتفكير».
12. قال ساتورنِينُس الوالي القنصلي: «ما الأشياء الموجودة في حوزتكم؟»
قال سبيراتوس: «كتب، ورسائل بولس، الرجل البار».
13. قال ساتورنِينُس الوالي القنصلي: «خذوا مهلة ثلاثين يومًا، وتفكّروا في الأمر».
فقال سبيراتوس ثانيةً: «أنا مسيحي»، ووافقه الجميع.
14. فتلا ساتورنِينُس الوالي القنصلي قرارًا من لوحٍ مكتوب:
«بما أنّ سبيراتوس، ونرتزالوس، وكيتينوس، ودوناتا، وفستيا، وسيكوندا، وغيرهم، قد اعترفوا بأنهم يعيشون بحسب الطقس المسيحي، وبما أنهم أصرّوا بعناد رغم منحهم فرصة للرجوع إلى نهج الرومان، فقد تقرّر أن يُعاقَبوا بالسيف».
15. قال سبيراتوس: «نشكر الله».
وقال نرتزالوس: «اليوم صرنا شهداء في السماء. الشكر لله».
16. وأمر ساتورنِينُس الوالي القنصلي أن يُنادى بواسطة منادٍ:
«يُقاد إلى الموت كلٌّ من: سبيراتوس، ونرتزالوس، وكيتينوس، وفِتوريوس، وفيلكس، وأكيلينوس، وليتانتيوس، ويانُواريا، وجينيروسا، وفستيا، ودوناتا، وسيكوندا».
17. فقالوا جميعًا: «الشكر لله».
وفي الحال قُطعت رؤوسهم من أجل اسم المسيح.
======================================
إيه اللي بيميز القصة دي ؟
تعال نفصص الموضوع بعين باحث، لأن في تفاصيل هنا توزن دهب :
ذكر رسائل بولس الرسول :
لما الوالي سأل عن اللي في الصندوق، وسبيراتوس قال "الكتب ورسائل بولس"، ده بيأكد حاجات مهمة :
إن الكتاب المقدس كان متداول ومقدس عندهم.
إن رسائل بولس كانت بتتعامل معاملة خاصة ومقدسة (قانونية الأسفار).
إنهم كانوا ناس مثقفين أو على الأقل عندهم اهتمام بالقراءة والتعلم، مش مجرد ناس بسطاء
اللاهوت السياسي (الكنيسة والدولة) : ردودهم كانت بتعكس لاهوت ناضج جدا. هم مش ثوار ضد الدولة، هما مواطنين صالحين بيدفعوا الضرايب (زي ما سبيراتوس قال)، لكن عندهم خط أحمر : العبادة. ده بيوضح إن المسيحية في الوقت ده مكنتش حركة سياسية، بل حركة روحية بتفصل بين ما لقيصر و ما لله زي مقال المسيح :
"فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: «أَعْطُوا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا للهِ للهِ». فَتَعَجَّبُوا مِنْهُ." (مر 12: 17).
اللغة : الوثيقة دي هي أول وثيقة لاتينية كنسية. قبل كده، كانت اللغة اليونانية هي المسيطرة على الكنيسة حتى في روما. ظهور الوثيقة دي بيعلن بداية عصر اللاتينية الكنسية اللي هتزدهر بعد كده على إيد القديسين ترتليان و ماركوس مينوكيوس و أغسطينوس.
دور المرأة : وجود 5 ستات بيتحاكموا وبيردوا بنفس القوة (دوناتا وفيستيا وسيكوندا) بيوضح مكانة المرأة في الكنيسة الأولى، وإن الاستشهاد مكنش حكر على الرجال فقط
================================
اباء كتير من الاباء خاصتا اباء شمال افريقيا مدحوا قوة و شجاعة هولاء الشهداء و عرضوا العقاب الالهي لمضطهدينهم .
مثلا العلامة ترتليان تكلم عن الحاكم الي عذب المسيحين انه مات متألم كدليل دامغ هو و امثاله الوالي سكابولا عارفه كويس في رسالته الي سكابولا الفصل التالت :
يمكننا أيضًا أن نشير إلى وفاة بعض حكام الأقاليم، الذين كانت لديهم في ساعاتهم الأخيرة ذكريات مؤلمة عن خطيئتهم في اضطهاد أتباع المسيح. فيجيليوس ساتورنينوس، الذي كان أول من استخدم السيف ضدنا هنا، فقد بصره. غضب كلوديوس لوسيوس هيرمينيانوس في كابادوكيا غضبًا شديدًا لاعتناق زوجته المسيحية، فعامل المسيحيين بقسوة بالغة. وبعد أن تُرك وحيدًا في قصره، يُعاني من مرض مُعدٍ، لفظ أنفاسه الأخيرة وهو يغلي في الديدان الحية، وسُمع وهو يصيح: "لا يعلم أحدٌ بذلك، لئلا يفرح المسيحيون، وتتشجع زوجاتهم!". ثم أدرك خطأه في إغواء الكثيرين على التخلي عن ثباتهم بالتعذيب الذي أنزله بهم، ومات وهو على وشك اعتناق المسيحية. وفي ذلك المصير الذي حلّ ببيزنطة، لم يسعَ سيسيليوس كابيلا إلا أن يصيح: "أيها المسيحيون، افرحوا!". نعم، ولن يفلت المضطهدون الذين ظنوا أنهم أفلتوا من العقاب من يوم القيامة. نتمنى من صميم قلوبنا أن يكون ما حدث لك مجرد تحذير، فبعد أن حكمت على مافيلوس الأدروميتومي بالموتى للوحوش الضارية، حلت بك تلك المصائب، وأنك الآن، وللسبب نفسه، مدعوٌّ إلى حسابٍ دموي. ولكن لا تنسَ المستقبل.
==================
و بردو القديس اغسطينوس مدحهم جدا في العظة 299D عظة علي ذكري شهداء سيكيليام
On the birthday of the Scillitan martyrs
قال :
نحن مدعوّون أن نحتقر لا الفضلات وحدها، بل حتى ضروريّات الحياة أيضًا من أجل المسيح:
نحن مدعوّون أن نحتقر لا الفضلات وحدها بل حتى ضروريّات الحياة أيضًا من أجل المسيح: الرفاهية والأصدقاء؛ الحكمة تأتي، كزائر، لتجتمع مع هاتين الضرورتين، الرفاهية والأصدقاء؛ ما يُعدّ رفاهيةً لك يجب أن يكون رفاهيةً لقريبك أيضًا؛ كيف احتقر الشهداء الفضلات؛ وكيف احتقروا حتى ضروريّات الحياة نفسها؛ لا شيء ولا أحد هو أكثر ضرورة لنا من المسيح؛ شجاعة هؤلاء الشهداء، رجالًا ونساءً؛ وماذا سنخسر إن أنكرنا المسيح.
=================
بردو المؤرخ المسيحي الشمال افريقي فيكتور الفيتبوني قال في كتابه تاريخ اضطهاد المقاطعة الافريقية في الكتاب الاول-الفقرة الخامسة الكلام الاتي :
«وحتى إن تكلّمتُ عن الضروريات، فالبازيليكا الكبرى، حيث دُفنت أجساد القديستين الشهيدتين بيربتوا وفليستاس، وبازيليكا كيليرينا أو الشهداء السكيليتانيين، وغيرها ممّا لم يدمّروه، قد أُلحقَت بدينهم.»
فيكتور يذكر أن هذه الكنيسة كانت تسمى كنيسة سيليريا (Basilica Celerina)
أو كنيسة السيليين، ويشير إلى أن الوندال (الآريوسيين) استولوا عليها. و ده بيؤكد صحة كلام أغسطينوس عن وجود كنيسة ضخمة مخصصة لهم وتكريم شعبي كبير.
=================
و القديس جيروم في السنكسار المنسوب ليه اسمه
Martyrologium Hieronymianum
في يوم 17 يوليو بيتكلم عن سيرتهم و بيقول :
في أفريقيا، في قرطاج، ميلاد [أي ذكرى استشهاد] القديسين السيليين...
و بيكمل باقي اسمائهم بتكريم شديد
================================
النص فضل محفوظ في المخطوطات اللاتينية القديمة.
اكتشفه الكاردينال سيزار بارونيوس (Caesar Baronius) في القرن الـ 16 ونشره.
في عام 1881، الباحث أرميتاج روبنسون لقى نسخة يونانية للنص، وده أكد إن القصة كانت مشهورة لدرجة إنها اترجمت لليوناني عشان الكنائس الشرقية تقراها.
أقدم مخطوطة موجودة دلوقتي في المتحف البريطاني وبترجع للقرن التاسع الميلادي (Cod. Add. 11880).
لحد النهاردة، علماء الآثار دايخين عشان يحددوا مكان سكيليام (Scillium) بالظبط.
البعض بيقول إنها (القصرين) في تونس (Cillium).
البعض بيقول إنها مكان تاني قريب من قرطاج.
بغض النظر عن المكان، الأكيد إن رفات (أجساد) الشهداء اتنقلت لقرطاج واتعملت كاتدرائية باسمهم، وبعدين يقال إن الرفات اتنقلت لفرنسا في العصور الوسطى، ومنها لروما (كنيسة القديسين يوحنا وبولس).
الثبات على المبدأ : الناس دي ماتت عشان كلمة أنا مسيحي
البساطة والعمق : إيمانهم كان بسيط بس ردودهم كانت عميقة هزت الوالي.
قيمة الكتاب المقدس : تمسكهم بـالصندوق اللي فيه الكتب بيعلمنا قد إيه الكلمة كانت غالية عندهم.
الوثيقة دي (Passio Sanctorum Scillitanorum)
هي حجر الزاوية اللي اتبنى عليه تاريخ الكنيسة في شمال افريقيا الامازيغية كلها. هي الشهادة اللي خلت ترتليان يقول جملته الشهيرة : دماء الشهداء هي بذار الكنيسة في كتاب (الدفاع) (هو قالها في سياق عام، بس شهداء سكيليام كانوا التطبيق العملي ليها).
بس و سلام المسيح مع الجميع
====================================
مراجع المقالة :
الوثيقة :
-Passio Sanctorum Scillitanorum
كلام المؤرخ فيكتور :
Victor Vitensis, Historia persecutionis Africanae provinciae.Book 1 Section 9 to Book 1 Section 12
كلام العلامة ترتليان :
-To Scapula. Chapter 3. Translated by S. Thelwall. From Ante-Nicene Fathers, Vol. 3. Edited by Alexander Roberts, James Donaldson, and A. Cleveland Coxe. (Buffalo, NY: Christian Literature Publishing Co., 1885.)
-Apologeticus, Chapter 50
كلام القديس جيروم :
-Martyrologium Hieronymianum.XVII Kalendas Augusti
كلام القديس اغسطينوس :
-Augustine of Hippo, Sermon 299D.On the birthday of the Scillitan martyrs

اكتب رأيك في هذه المقالة