القديسة فيرينا

بسم الاب و الابن و الروح القديس الاله الواحد. امين.:
#ابائيات
#تاريخ_كنسي
==============================
القديسة فيرينا
==============================
الفصل الاول : التمهيد و البداية
فيرينا (Verena)
، وهو اسم لاتيني معناه الفتاة الصادقة أو الحقيقية. وفي في المصري القديم (القبطي) كان ليه علاقة بالزهرة أو الثمرة الطيبة
اتولدت في النص الثاني من القرن الثالث الميلادي سنة 260 ميلادية في قرية جراجوس تابعة لقوص في قنا حاليا (بالقرب من الأقصر الي هي طيبة قديما). نشأت في عيلة مسيحية تقية جدا وغنية بالإيمان. في الوقت ده كانت مصر منارة للمسيحية، وكان الإيمان فيها قوي ومستعد للشهادة. كانت من عيلة نبيلة ومرموقة و لها جذور من طيبة، وتربطها صلة قرابة بقائد عظيم هنتكلم عنه كمان شوية، وهو القديس موريس و كانت علي معرفة كويسة بالقديس فيكتور السولوتورني (احد ضباط الكتيبة الطيبية).
فيرينا وهي صغيرة كانت مميزة :
الهدوء : كانت بتحب الصلاة والخلوة.
الخدمة : كانت بتساعد الفقراء والمرضى في قريتها.
التعليم : اتعلمت أسس الإيمان المسيحي وحفظت المزامير، واتعلمت كمان مبادئ التمريض والعلاج بالأعشاب اللي كان المصريين القدماء بارعين فيه، وده اللي نفعها بعدين واللي علمها الإيمان وعمدها قبل ما تسافر مع الكتيبة هو أسقف مدينة نيلوبوليس (بني سويف حاليا)، الأسقف التقي شيريمون.
(وهنا لازم نوضح دقة تاريخية مهمة و تعتبر ملحوظة المؤرخ يوسابيوس القيصري ذكر اسم (شيريمون) مرتين؛ مرة لأسقف عجوز اختفى وقت اضطهاد ديسيوس سنة 250 م (في الكتاب السادس الفصل 42 في عرضه لما قاله البابا ديونيسيوس عن الاساقفة الي عانوا في الاضطهاد)، ومرة تانية لشماس شاب كان مرافق للبابا ديونيسيوس وقت اضطهاد فالريان سنة 257 م (الكتاب السابع - الفصل 11).
وبما إن فيرينا اتولدت سنة 260 م، فمن المستحيل يكون الأسقف العجوز هو اللي عمدها، والتحليل التاريخي الدقيق بيؤكد إن (الشماس الشاب) اللي كان مرافق للبابا شخصياً، هو اللي نجى من الاضطهاد واترسيم بعد كده أسقف على نيلوبوليس خلفا للأسقف العجوز، وهو ده اللي تتلمذت فيرينا على إيده واتعمدت منه. وده دليل قوي جدا إنها شربت الإيمان من شخصية كنسية قوية تمسكت بالعقيدة ورافقت البابا ديونيسيوس في أصعب عصور الاضطهاد.)
=============================
دلوقتي عشان نفهم قصة فيرينا، لازم نفهم السياق التاريخي. الإمبراطور الروماني دقلديانوس وشريكه مكسيميانوس كانوا محتاجين جيوش قوية عشان تأمن حدود الإمبراطورية في أوروبا ضد القبائل المتمردة الجرمانية بالتحديد في وسط القارة (سويسرا حاليا)
أقوى الجنود وقتها كانوا الكتيبة الطيبية (Theban Legion).
الكتيبة دي كان قوامها حوالي 6600 جندي قبطي كلهم مسيحيين بقيادة القديس موريس كانوا من طيبة اغلبهم و الباقي من بلاد قريبة من طيبة.
فيرينا ماكنتش عسكرية، لكن التقاليد وقتها كانت بتسمح بوجود فرق طبية وتمريضية وخدمية بترافق الجيش عشان تعالج المصابين وتطبخ و تخدم الجنود. فيرينا، بدافع الغيرة المقدسة والقرابة مع القديس موريس، قررت تسيب أهلها وبلدها وتسافر معاهم.
وصلت الكتيبة لمنطقة اسمها أجون (Agaunum) اللي هي دلوقتي سان موريس في سويسرا. الإمبراطور مكسيميانوس أمر الجيش إنه يقدم ذبائح للأوثان الرومانية كنوع من الولاء قبل المعركة.
القديس موريس وجنوده رفضوا. قالوا للإمبراطور خطاب و رسالة وقعوا عليها كلهم للتاريخ :
أيها القيصر العظيم نحن جنودك، لكننا في نفس الوقت عبيد الله.
نحن ندين لك بالخدمة العسكرية أما الله فندين له بولاء قلوبنا.
نحن نأخذ منك الأجر اليومي أما الله فسننال منه الجزاء الأبدي.
لا يمكننا بحال من الأحوال أن نطيع الأوامر المخالفة للّه.
إذا اتفقت أحكامك مع أحكامه فنحن ننفذها، أما إذا تعارضت فلن نقبلها إذ ينبغي أن يطاع الله أكثر من الناس.
لسنا ثوّارًا فالأسلحة لدينا وبها نستطيع أن ندافع عن أنفسنا ونعصاك، لكننا نُفضل أن نموت أبرياء على أن نعيش ملوّثين.
ونحن على أتم استعداد لتحمل كل ما تصبّه علينا من أنواع التعذيب لأننا مسيحيون ونعلن مسيحيتنا جهارًا

الإمبراطور اتجنن. أمر بـ العشور (قتل واحد من كل عشرة). وبرضه صمدوا. كرر الأمر تاني. وفي الآخر، أمر بإبادة الكتيبة بالكامل. 6600 بطل قبطي استشهدوا ودمهم روى أرض سويسرا (يعتبروا اوائل الشهداء القبط في عصر اضطهاد دقلديانوس العظيم الي استشهد فيه 850 الف من شعبنا).
==============================
الفصل التاني : حال القديسة و تبشيرها للشعوب الوثنية
فيرينا كانت مع مجموعة العذارى والنساء بعيد شوية عن موقع المعسكر الرئيسي. لما سمعت اللي حصل، قلبها انفطر، لكن إيمانها ما اتهزش. هي فقدت أهلها وناسها وحمايتها، وبقت وحيدة غريبة في أرض غريبة
بدل ما تهرب وترجع مصر، قررت تكمل الرسالة
قامت راحت لاجون للتبارُك من أجساد الشهداء وتبحث عن رفات القديس فيكتور و رفات القديس موريس و بعدين استقرت في بلد اسمها سولوثورن Solothurn
(ملحوظة بسيطة : في خلط تاريخي هنا عند البعض بين القديس فيكتور المرتبط بالكتيبة الطيبية والمدفون في سويسرا و بين الشهيد ماربقطر ابن الوزير رومانيوس الضابط فيكتور اسمه القديس فيكتور السولوتورني(Victor of Solothurn)، وهو جندي قبطي من الكتيبة. أما ماربقطر ابن رومانوس فهو شهيد تاني استشهد في مصر و مسافرش مع الكتيبة الطيبية و الي ذكر سيرة القديس فيكتور السولوتورني تفصيليا من القصص عنه الشفوية او المتناقلة او المدونة في بعض المناطق هو الاسقف الالماني أوتو فون فرايزنغ في القرن ال11)

هناك لقت كهف ضيق في مضيق جبلي، وقررت تعيش فيه حياة نسك وصلاة و بعدين و هنا بقى الحتة اللي بتميز فيرينا عن أي قديسة تانية.
أهل المنطقة دي (السويسريين والقبائل الجرمانية وقتها) كانوا وثنيين، وكانوا عايشين حياة بدائية جدا. ماكانوش يعرفوا النظافة الشخصية، وكانوا بيعانوا من الأمراض الجلدية والقمل والأوبئة.
فيرينا نزلتلهم من الكهف، مش بس بآيات الإنجيل، لكن بمشط (فلاية) وإبريق مية
بدأت تجمع بنات وسيدات المنطقة، وتعلمهم إزاي يغسلوا شعرهن، إزاي ينضفوا جسمهم، إزاي يلبسوا نضيف. كانت بتسرح شعورهم بنفسها، وتعالج جروحهم بالأعشاب اللي اتعلمتها في مصر.
فيرينا مألفتتش كتب ولا عملت محاضرات فلسفية. تعاليمها كانت انجيل معاش و تطبيق حرفي للانجيل :
إن الجسد هيكل الله، ولازم يكون نضيف تطبيقا لما قال الكتاب :
"إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُفْسِدُ هَيْكَلَ اللهِ فَسَيُفْسِدُهُ اللهُ، لأَنَّ هَيْكَلَ اللهِ مُقَدَّسٌ الَّذِي أَنْتُمْ هُوَ." (1 كو 3: 17).
"أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ جَسَدَكُمْ هُوَ هَيْكَلٌ لِلرُّوحِ الْقُدُسِ الَّذِي فِيكُمُ، الَّذِي لَكُمْ مِنَ اللهِ، وَأَنَّكُمْ لَسْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ؟" (1 كو 6: 19).
كانت بتطبق المحبة العملية و بتأكل الجيعان وتعالج المريض من غير ما تطلب مقابل :
"وَنَحْنُ قَدْ عَرَفْنَا وَصَدَّقْنَا الْمَحَبَّةَ الَّتِي للهِ فِينَا. اَللهُ مَحَبَّةٌ، وَمَنْ يَثْبُتْ فِي الْمَحَبَّةِ، يَثْبُتْ فِي اللهِ وَاللهُ فِيهِ." (1 يو 4: 16).
كانت قدوة حسنة للشعوب هناك و لما بتتسأل عن مصدر الطيبة و الرحمة كانت بتبشرهم بالمسيح :
"فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هَكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ." (مت 5: 16).
و مكنش لها تلاميذ مباشرين بل ابناء كل شعوب البلاد الي كانت فيها هم ابنائها الروحيين الي علمتهم كل ما هو حسن و تقي.

الحاكم الروماني للمنطقة دي سمع عنها. وعرف إنها بتبشر بالمسيحية وإن الناس ملمومة حواليها. فقبض عليها وسجنها.
في السجن ما خافتش. حولت الزنزانة لصومعة صلاة. ويقال إن القديس موريس ظهرلها وعزاها وشجعها تكمل.

بعدين الحاكم اللي سجنها أصيب بمرض شديد (حمى غريبة أو طاعون)، والدكاترة احتاروا فيه. فيرينا لما عرفت، طلبت إنها تشوفه.
تخيل المشهد المسجونة رايحة تعالج السجان. صلتله، وعالجته بأعشابها وشفي تماما.
الحاكم ذهل من محبتها وتسامحها، وأمر بالإفراج عنها فورا، وكمان إداها حرية الحركة والخدمة. ده كان انتصار ساحق للمحبة على السيف

بعد فترة، انتقلت لمنطقة اسمها تورتساخ (Bad Zurzach) على نهر الراين. وهناك كملت خدمتها لحد آخر يوم في عمرها. المنطقة دي مشهورة لغاية النهاردة بالمياه الكبريتية والعلاجية.
============================
تأريخها : فيرينا مش شخصية أسطورية خيالية، دي شخصية تاريخية ثابتة :
أهم مصدر لقصة الكتيبة الطيبية وفيرينا هو القديس الأسقف أوخيريوس (Eucherius of Lyon)
أسقف ليون، اللي كتب في القرن الخامس الميلادي (تنيح حوالي سنة 450-449 م) تفاصيل استشهاد الكتيبة الطيبية في مخطوطة اسمها Passio Acaunensium Martyrum (آلام شهداء أجون)

و الكنيسة السويسرية والألمانية بتحتفظ بسجلاتها (Hagiography)
اللي بتأكد وجودها وتأثيرها في تحويل السكان للمسيحية كلهم جمعهم في كتاب واحد الأسقف ورئيس الدير هاتّو من رايخيناو (Abbot Hatto of Reichenau)
، واللي بقى بعدين رئيس أساقفة ماينتس (Archbishop of Mainz) في ألمانيا.
كتب مخطوطة باللاتينية اسمها Vita Sanctae Verenae (سيرة القديسة فيرينا)، وتحديدا النسخة اللي بيسميها المؤرخين (Vita prior) أو السيرة الأولى
المخطوطة دي اتكتبت سنة 888 ميلادية (في القرن التاسع).
الأسقف هاتّو جمع في المخطوطة دي كل التراث الشفهي والقصص المتوارثة عن البنت القبطية اللي عاشت في جبال الألب وعلمت الناس النظافة، والمخطوطة دي لسه موجودة وتعتبر هي الوثيقة الأم اللي اعتمدت عليها الكنيسة السويسرية وكل المؤرخين بعد كده في معرفة تفاصيل حياة القديسة فيرينا و ذكر فيها الاسقف شيريمون الي ذكره يوسابيوس القيصري.
============================
تنيحت القديسة فيرينا بشيخوخة صالحة في مدينة تورتساخ، سنة 344 ميلادية تقريبا. ماتت وهي وسط الناس اللي حبتهم وخدمتهم، ودفنت هناك.
في سويسرا : تعتبر قديسة عظيمة جدا. مدينة باد تورتساخ بتعتبرها الشفيعة بتاعتها. شعار المدينة عليه صورة القديسة فيرينا. فيه هناك كنيسة أثرية باسمها مبنية فوق قبرها، وفيها سرداب بيزوره الآلاف كل سنة.
في مصر : الكنيسة القبطية الأرثوذكسية اعترفت بقداستها وبتعيد لها (يوم 4 توت من كل سنة قبطية). وبقى فيه كنائس كتير باسمها في مصر.
الجسر التاريخي انه في سنة 1986، حصل حدث تاريخي لما وفد من كنيسة سويسرا جه مصر وأحضر جزء من رفات القديسة فيرينا للبابا شنودة الثالث، عشان ترجع زهرة الصعيد لبلدها بعد 1700 سنة.

القديسة فيرينا مش مجرد قصة تاريخية، دي مدرسة :
القوة الناعمة : فيرينا ما حاربتش بالسيف، حاربت بالمحبة والنظافة. ده بيعلمنا إن التأثير مش لازم يكون بالعنف ولا بالصوت العالي.
الأصل الطيب : مهما بعدت ومهما تغربت، أصلك القبطي بيبان في معدنك وخدمتك وجدعنتك.
دور المرأة : فيرينا سبقت عصرها بقرون. كانت رائدة في مجال الصحة العامة والتمريض والخدمة الاجتماعية، وأثبتت إن المرأة تقدر تغير مجتمع كامل لوحدها.
النظافة والقداسة : ربطت بين طهارة القلب ونظافة الجسد، وده مبدأ راقي جدا.
بس و سلام المسيح
============================
مراجع المقالة :
تأريخ هاتّو :
-Sancta Verena Vita Prior. 888. Hatto I :
https://la.wikisource.org/wiki/Vita_Prior_Verena
مخطوطة أوخيريوس :
-Eucherius von Lyon gegen 450. Passiones Acaunensium martyrum .6A* Paris, B.N.F., lat. 9550, VIe s., Lyon / Condat, O.S.B.; manuscrit d'auteur ─ f. 81v─86 :
https://passiones.textandbytes.com/
عن القديس القديس فيكتور السولوتورني من تأريخ الاسقف أوتو فون فرايزنغ :
-Holweck, Frederick George. A Biographical Dictionary of the Saints, B. Herder Book Company, 1924, p. 1001
- Ottonis episcopi frisingensis Chronica; sive, Historia de duabus civitatibus. Ed. Adolf Hofmeister, Hannoverae Impensis Bibliopolii Hahniani Hanover (1912). Bk. III, Chapter XLIII, pp. 176-177.
تأريخ يوسابيوس القيصري :
-Eusebius.Church History (Book VI/VII-Chapter 42/11).Translated by Arthur Cushman McGiffert. From Nicene and Post-Nicene Fathers, Second Series, Vol. 1. Edited by Philip Schaff and Henry Wace. (Buffalo, NY: Christian Literature Publishing Co., 1890.)
-Butler, September 1.
-إيريس حبيب المصري، قصة الكنيسة القبطية، الكتاب الأول صفحة 140.
-الأنبا يوأنس، الاستشهاد في المسيحية، صفحة 188.
- كتاب قاموس آباء الكنيسة وقديسيها مع بعض شخصيات كنسية للقمص تادرس يعقوب ملطي
- Adolf Reinle, Die heilige Verena von Zurzach: Legende, Kult, Denkmنler (1948), p. 129.
 

Siervo De Jehová
بواسطة : Siervo De Jehová
"لكي تجثو باسم يسوع كل رُكْبَةٍ" (في 2: 10)
Comments