الامبراطور ذو الوجهين - عندما تحول الفلسفة الجامدة الفيلسوف إلى سفاح
===================================
الفصل الاول : البداية و التمهيد
واحد من أكبر وأعقد التناقضات في التاريخ الإنساني المسجل بخصوص العصور القديمة و الموضوع ده فعلا بيعمل صدمة في دماغ أي حد يقرا فلسفة وتاريخ مع بعض. إزاي امبراطور كتب كتاب دسم و مهم زي كتاب (التأملات) (Meditations)
اللي كله كلام عن الإنسانية، والتسامح، وضبط النفس، وحب البشر، هو نفسه الإمبراطور اللي في عهده حصلت مجازر وحشية وقتل جماعي للمسيحيين زي مذبحة ليون في فرنسا (كان اسمها لوغدونوم وقتها) وفي شمال إفريقيا ؟
عشان نفكك اللغز ده وميبقاش مجرد كلام سطحي، إحنا محتاجين نعمل رحلة عبر الزمن نرجع فيها لروما في القرن الثاني الميلادي. هحلل الموضوع من 3 زوايا أساسية : التحليل التاريخي والسياسي، والتحليل النفسي لشخصية الامبراطور صاحب الموضوع (ماركوس اوريليوس أنطونينوس)، وأخيرا التحليل المنطقي اللي هيجاوبك على سؤالك هو ليه لسه بيتمجد لحد النهاردة من ناس كتير .
======================
الفصل التاني : التحليل التاريخي و السياسي
عشان نفهم العقلية الرومانية، لازم ننسى مفهوم الدين في عصرنا الحالي. الدين في روما القديمة مكنش علاقة روحية خاصة بين الانسان و الهه وبس، الدين كان أمن قومي وواجب وطني و ده تفسيرهم وقتها هو اه غلط لكن عشان نفهم ليه عملوا كده.
في مفهوم روماني اسمه سلام الآلهة (Pax Deorum) :
الرومان كان عندهم عقيدة راسخة اسمها سلام الآلهة. معناها إيه ؟ إن استقرار الإمبراطورية، وانتصار جيوشها، ورخاء اقتصادها، وحمايتها من الأوبئة، كله مرهون بإن الآلهة التقليدية لروما تكون راضية. وعشان الآلهة ترضى، لازم كل مواطن في الإمبراطورية يقدم ذبائح وقرابين لآلهة روما ولـروح الإمبراطور كنوع من إعلان الولاء السياسي والروحي للدولة.
ليه المسيحيين بالذات كانوا أزمة للدولة ؟
روما مكنتش ضد تعدد الآلهة، بالعكس، لما كانوا بيحتلوا بلد، كانوا بياخدوا آلهة البلد دي ويحطوها في معابدهم عادي. الأزمة مع المسيحيين كانت في نقطتين قفلوا كل أبواب التفاهم مع العقلية الرومانية :
الرفض المطلق لتقديم القرابين : لان المسيحي كان بيرفض تماما يقدم قربان للآلهة الوثنية أو لتمثال الإمبراطور، لأن ده في عقيدته عبادة أوثان و سجود لغير المسيح يسوع الله المتجسد. بالنسبة للرومان، الرفض ده مكنش مجرد حرية عقيدة، ده كان بيترجم فورا على إنه خيانة عظمى وتمرد سياسي ضد الدولة.
اتهامهم بالالحاد : آه، الرومان كانوا بيسموا المسيحيين ملحدين لأنهم مش بيعترفوا بآلهة الدولة المنظورة والمألوفة،وتخيلوا إن رفض المسيحيين ده هيغضب الآلهة وهيجيب اللعنة على روما و ده رد عليه ابائنا الفلاسفة اولهم و اشهرهم القديس الشهيد يوستينوس قال نصا في دفاعه الاول الفصل السادس الاتي :
وهكذا يدَّعون أننا ملحدون، وفي الواقع نحن نعلن أننا ملحدون من جهة من تسمونهم آلهة وليس من جهة الإله الحق البعيد عن كل شر، الذي هو أبو العدالة والعفة والفضائل الأخرى. نحن نبجله ونتعبد له مع الإبن الذي وُلِد منه، وهو الذي علمنا عن هذه الأشياء و[علَّم] طغمات الملائكة الصالحين الذين يخدمونه وتظهر فيهم فضائله، كما أننا نعبد روح النبوة ونحن نعبده بالذهن والحق وننقل تعاليمه كما هى لكل من يريد أن يتعلمها
ملحوظة : (يوستينوس هنا قصده التوقير والمعية في السماء للملائكة مش عبادة الألوهية الخاصة بالله وحده)
و بردو الفيلسوف العلامة اثيناغورس في رسالته (التماس من اجل المسيحين) في الفصل الرابع قال نصا :
أما بخصوص الادعاء بأننا ملحدون - وسأرد على هذه الاتهامات واحدة تلو الأخرى حتى لا نتعرض للسخرية لعدم قدرتنا على الرد على من يوجهونها - فقد حكم الأثينيون بحق على دياغوراس بالإلحاد، لأنه لم يكتفِ بنشر المذهب الأورفي، ونشر أسرار إليوسيس وكابيري، وتقطيع تمثال هرقل الخشبي لسلق اللفت، بل أعلن جهارًا أنه لا وجود لله أصلًا. ولكن بالنسبة لنا، نحن الذين نميز بين الله والمادة، ونعلم أن المادة شيء والله شيء آخر، وأن بينهما فارقًا شاسعًا (فالإله غير مخلوق وأزلي، لا يُدرك إلا بالعقل والفهم، بينما المادة مخلوقة وفانية)، أليس من السخف أن نُطلق عليه اسم الإلحاد؟ لو كانت مشاعرنا كمشاعر دياغوراس، فمع وجود هذه الدوافع للتقوى - في النظام القائم، والانسجام الكوني، والعظمة، واللون، والشكل، وترتيب العالم - لكان من المنطقي أن تُنسب إلينا سمعة الكفر، فضلاً عن كوننا سببًا لمضايقتنا. ولكن، بما أن عقيدتنا تُقرّ بإله واحد، خالق هذا الكون، وهو نفسه غير مخلوق (لأن ما هو كائن لا يأتي إلى الوجود، بل ما هو غير موجود) ولكنه خلق كل شيء بالكلمة المنبثقة منه، فإننا نُعامل بظلم في كلا الجانبين، إذ نُشوه سمعتنا ونُضطهد.
ملحوظة : (دياغوراس كان ملحد فعلا لانه انكر كل الالهة لكن المسيحين مش كده بل مؤمنين بالله الواحد الثالوث في طبيعته و ده الي عرضه اثيناغورس)
======================
عهد ماركوس أوريليوس كان الي حصل بسبب حظ سيء وكوارث متتالية
ماركوس أوريليوس مسك الحكم سنة 161 ميلادية، وفترة حكمه كانت عبارة عن سلسلة من الكوارث الطبيعية والعسكرية اللي ورا بعض :
الطاعون الأنطوني (Antonine Plague) : وباء مدمر (غالباً كان الجدري) ضرب الإمبراطورية وقتل ملايين البشر، وفيه أيام كان بيموت فيها آلاف الأشخاص في روما لوحدها، والجيش الروماني اتدمر بسببه.
الحروب الماركومانية : قبائل الجيرمان المتوحشة هجمت على الحدود الشمالية، وماركوس قضى معظم حياته عايش في خيمة حربية على الجبهة بيحارب عشان روما متقعش.
المجاعات والفيضانات : نهر التيبر فاض ودمر مخازن الغلال وحصلت مجاعة.
في وسط الأجواء المرعبة دي، الشعب الروماني والقرى والمدن دخلوا في حالة رعب وهيستريا. الآلهة غضبانة علينا والطاعون بياكلنا بسبب الناس اللي رافضة تقدم قرابين و هنا تحول المسيحيين لـكبش الفداء المثالي. الحشود الغاضبة في الشوارع هي اللي كانت بتبدأ بمطاردة المسيحيين وتقديمهم للحكام المحليين.
مجازر ليون (Lyon) سنة 177 ميلادية :
في فرنسا في مدينة لوجدونوم و فيينا (مدينة جنبها) الموضوع بدأ بهيستريا شعبية. الغوغاء هاجموا المسيحيين في الشوارع، طاردوهم من الأسواق والحمامات العامة، ورجموهم بالحجارة. الحاكم المحلي في ليون عشان يهدي الشعب القبلي، قبض على قادة الكنيسة والمسيحيين (زي القديسة بلاندينا والأسقف بوثينوس) و الأسقف القديس بوثينوس (كان عمره 90 سنة يعني كهل عجوز) وضربوه لحد ما استشهد في السجن و استشهد معاه معظم قادة الكنيسة في ليون،
التعذيب كان وحشي جدا وفي العلن في المسارح الرومانية (الأمفيتياتر)؛ اتسابوا للحيوانات المفترسة، واتحطوا على كراسي حديد سخنة مولعة نار ورموا مسيحيين كتير للوحوش (الاسود) و حصل عمليات دبح و اعدام في الشوارع و الازقة و البيوت.
المجزرة دي ارخها يوسابيوس القيصري في تاريخه الكنسي الكتاب الخامس الفصول الاول و الخامس و السابع
موقف ماركوس أوريليوس هنا كان إيه ؟
قانونيا، الحاكم المحلي بعت لماركوس أوريليوس يسأله : نعمل إيه مع الناس دي ؟ خصوصاً إن فيهم ناس معاهم الجنسية الرومانية ؟. رد ماركوس كان متمشي مع القانون الروماني السائد اللي حطه الإمبراطور تراجان قبله : اللي يعترف إنه مسيحي ويرفض يتراجع ويقدم القرابين، اعدموه. واللي يتراجع ويقدم القرابين، سيبوه يعيش. وبناء عليه، المواطنين الرومان اتقطعت رؤوسهم بالطلب، وغير الرومان اترموا للوحوش.
القانون ده ان لو مسيحي اتمسك و يتم عرضه للمحاكمة بلا ذنب سوا انه مسيحي الي بدأه تراجان تم إرساؤه عبر المراسلات الشهيرة بين تراجان وحاكم بيثينيا بليني الأصغر (Pliny the Younger) حوالي عام 112م. الرسائل ديه هي المرجع الأساسي الذي اعتمد عليه الحكام بعد كده، وماركوس أوريليوس سار على نفس النهج التشريعي : لا تبحثوا عنهم، ولكن إن أُحضروا أمامكم ورفضوا التبخير للآلهة، أعدموهم.
===============
الفصل التالت : التحليل النفسي : إزاي فيلسوف يتعايش مع الدم ده ؟
هنا بندخل جوة عقل ماركوس أوريليوس. إزاي الراجل اللي بيكتب عن العقل الكوني والجسد الواحد للبشرية يوقع على قرار إعدام ناس بتصلي لربها ؟
سيكولوجية الواجب المقدس (Duty Over Feeling)
ماركوس أوريليوس مكنش سادي، مكنش بيتلذذ بالتعذيب زي نيرون أو كومودوس ابنه. هو كان بيبص لنفسه على إنه خادم الإمبراطورية الأول. الفلسفة الرواقية اللي كان بيعتنقها بتقول إن أهم حاجة في الوجود هي أداء الواجب مهما كان مؤلم أو قاسي و ماصدرش قرارات و فرمانات عامة بقتل جماعي زي معمل ديسيوس و دقلديانوس و تراجان لكنه ممنعش بل وافق و لو ضمنيا.
في عقليته النفسية، الإمبراطورية الرومانية هي جسد واحد، والمسيحيين دول بيمثلوا خلايا متمردة أو مرض بيهدد أمن واستقرار الجسد ده في وقت حرب وطاعون. هو كان بيشوف إعدامهم مش ظلم، بل عملية جراحية بترية ضرورية للحفاظ على النظام العام ومنع الفوضى. الرواقية بتعلم صاحبها إنه يموت مشاعره وعواطفه الشفوقة لو كانت هتتعارض مع مصلحة الجماعة والنظام الكوني (اللي هو روما في نظره) و ده من اكتر الامور المؤذية في الفلسفة الرواقية الي تعتبر جامدة حتي لو بانت مثالية لأول مرة من برة.
هو كان شايف المسيحيين إزاي ؟
في كتابه التأملات (الكتاب 11، الفقرة 3)، ماركوس ذكر المسيحيين مرة واحدة بس في الكتاب كله بشكل مباشر. والفقرة دي بتفتح لنا نافذة مهمة جدا على بروده النفسي ناحيتهم.
هو بيتكلم عن الاستعداد للموت، وبيقول إن الإنسان لازم يستقبل الموت بعقل ونضج، ومش عناد أعمى مثل المسيحيين اللي بيعملوا كده كنوع من العرض المسرحي (Theatrical Obstancy) قال بالنص :
III. الموت والاستعداد العقلاني
تلك النفس المستعدة دوماً، بل وفي هذه اللحظة بالذات (إن لزم الأمر)، للانفصال عن الجسد، سواء عن طريق الفناء والعدم، أو التشتت، أو البقاء والاستمرار في مكان وحال آخرين، كم هي مباركة وسعيدة! ولكن هذا الاستعداد يجب أن ينبع من حكم عقلي وبصيرة خاصة، لا عن عناد وتصلب مطلق في الرأي، يندفع بعنف وانفعال نحو المعارضة والمواجهة كما اعتاد المسيحيون؛ بل يجب أن يصدر عن رزانة، ووقار، وحكمة، حتى يقتنع الآخرون أيضاً ويسيروا على هذا المثال، دون صخب جلل أو صراخ وعويل انفعالي.
ماركوس كفيلسوف رواقي كان بيقدس العقل الهادئ الرصين. لما كان بيشوف المسيحيين رايحين للموت وهم بيترنموا ومبسوطين بالشهادة، مكنش بيفهم ده على إنه إيمان حقيقي وعميق؛ كان بيترجمه نفسياً على إنه جنون، وهوس، وعناد غير عقلاني، ورغبة في لفت الانتباه والشو المسرحي. الفيلسوف هنا حس بالفوقية العقلية على الضحية، وده خلاه ميتعاطفش معاهم نفسيا.
===================
نيجي بقي لفقرات اخري كان بيتكلم فيها لكن هنا بشكل غير مباشر عن المسيحين بدون ما يذكر اسمهم :
في الكتاب ال12 الفقرة 27 عن الموت من غير دراما أو مسرحية قال بالنص و هنا مفسرين كتير قالوا انه هنا بيقصد المسيحين :
أيها الإنسان! لقد عشت حياتك كمواطن في هذه المدينة العظمى التي هي الكون. فما الذي يضيرك إن كانت سنوات مواطنتك قد بلغت عدداً معيناً أو دون ذلك؟ إنك قد عشت (ويمكنك أن توقن بذلك تماماً) للمدة التي اقتضتها قوانين هذه المدينة وأنظمتها، وفي هذا المبدأ عزاء وسكينة مشتركة للجميع بلا استثناء.
فما الذي يبعث على الأسى والغم في نفسك إذن، إن كان من يخرجك الآن ويرسل بك خارج هذا العالم ليس طاغية باطشاً ولا قاضياً جائراً، بل هي ذاتها الطبيعة الكلية التي أدخلتك إليه أول مرة ؟ إن الأمر في جوهره أشبه بـ البريتور (القاضي أو الحاكم الروماني المسؤول عن تنظيم الألعاب والمسارح) الذي يُسرح الممثل من على خشبة المسرح بإنصاف واحترام، بعد أن كان قد استأجره ليمثل دوراً لبرهة من الوقت.
التعبير اليوناني المستخدم هنا هو (οὐχὶ τραγῳδὸς)
و معناه ليس كممثل تراجيدي الرومان كانوا شايفين في المحاكمات المسيحية حسا درامي (زي التمسك بالشهادة أمام الجماهير في المدرجات)، وكان ماركوس بيشوف أن الفيلسوف يرحل في صمت ورضا دون الحاجة لإثارة حزن أو صخب الحشود.
================
و بردو في الكتاب العاشر الفقرة 27-28 في الفقرة ديه بينتقد بشدة الي بيصرخو أو بيدوا مقاومة عنيفة وعاطفية للأقدار أو الأحكام الصادرة بحقهم قال :
XXVII. التكرار الكوني والتاريخي للأحداث
تذكّر وتأمّل دائماً في ذاتك؛ كيف أن كل الأشياء القائمة والجارية الآن في حاضرنا، قد حدثت من قبل في غابر الأزمان على ذات النحو وبذات الشاكلة والنسق؛ وفكّر على المنوال نفسه في تلك الأشياء التي ستأتي في المستقبل أيضاً.
وعلاوة على ذلك، ضع نصب عينيك تلك الدراما بأكملها، والمشاهد المتطابقة، أو الفصول التي تختزل حيوات وأفعال رجال جمعتهم رتبة واحدة أو مهنة وحرفة ذاتها، سواء تلك التي عرفتها وعاصرتها في خبرتك وتجربتك الخاصة، أو تلك التي علمتها عبر مطالعة التاريخ القديم؛ (مثال ذلك: بلاط الإمبراطور هادريان بأكمله، وبلاط أنطونينوس بيوس بأكمله، وبلاط فيليب المقدوني، وبلاط الإسكندر الأكبر، وبلاط الملك كرويسوس)؛ استحضرهم جميعاً أمام ناظريك. فإنك ستجد أنهم جميعاً لم يكونوا إلا على نسق واحد وشاكلة واحدة؛ ولم يتغير في المشهد سوى أن الممثلين كانوا أشخاصاً آخرين.
XXVIII. الامتثال الطوعي للأقدار ونبذ الجزع
تخيّل أن كل من يحزن وينتحب لأي أمر دنيوي، أو يستسلم للتذمر والسخط، إنما يشبه خنزيراً يرفس ويصرخ عاجزاً عندما يُنحر وتُقطع رقابه في طقس قرباني. وهو حال ذاك الذي ينعزل على سريره وحيداً، يندب وينحب شقاء ومآسي حياتنا الفانية هذه وتذكر هذا دائماً: أن المخلوقات العاقلة وحدهـا هي التي مُنحت فضيلة وميزة الانقياد والامتثال الطوعي والحر للتدبير والعناية الإلهية. أما الامتثال المطلق والرضوخ الحتمي، فهو ضرورة مفروضة بقوة الطبيعة على سائر المخلوقات والموجودات على حد سواء.
الكلمة اليونانية للصراخ هنا هي (κεκραγός).
كان المسيحين في السجون والمدرجات الرومانية بيرتلوا ويهتفوا بأسماء مقدسة للمسيح أو يعلنوا بصوت عالٍ تحديهم للآلهة الوثنية. بالنسبة لـرواقي زي ماركوس، هذا السلوك يفتقر للوقار والهدوء العقلي ويدخل في باب الهستيريا والرفس الاعتراضي.
===============
و بردو في الكتاب التاسع الفقرة التالتة كان بيتكلم بمنطق ان الموت عملية طبيعية روتينية مهما كانت الطريقة مش بطولة بيوريك ازاي بيبص الفيلسوف الرواقي للموت؛ الي هو مش لحظة استعراضية لنيل المجد، بل عملية بيولوجية بسيطة قال نصا :
III. الموت كعملية طبيعية وعلاج مفارقة طباع البشر
لا ينبغي لك في مسألة الموت أن تسلك مسلك التصلف والازدراء، بل أن تتقبله برضا تام وبصدر رحب، بوصفه واحداً من تلك الأمور التي رتبتها وقررتها الطبيعة الكلية. فكما تتأمل هذه التحولات الطبيعية وتستوعبها: كأن يتحول الصبي إلى شاب، ثم يشيخ ويهرم، وكالنمو والنضج، وتنبيت الأسنان، وظهور اللحية، ووخط الشيب في الرأس، وكالإنجاب، والحمل، ووضع الوليد؛ أو أي فعل وحال آخر يأتيه الإنسان بموجب الطبيعة ووفقاً لفصول وأطوار حياته المتعاقبة؛ كذلك هو الأمر تماماً في ما يخص انحلال الجسد وفناءه.
لذا، فإن من شيم الرجل الحكيم، في أمر الموت، ألا يحمل نفسه بأي حال من الأحوال على العنف والجزع، ولا على الصلف والغطرسة؛ بل أن ينتظره بصبر وأناة كإحدى عمليات الطبيعة الراتبة. وبذات العقلية والهدوء اللذين تنتظر بهما الآن خروج الجنين الكامن في بطن زوجتك إلى النور، ينبغي لك أن تنتظر الساعة التي تسقط فيها روحك وتتحرر من هذا الغلاف أو المنزع الجسدي الخارجي، الذي تقبع بداخلها حبيسة ومطوقة كالجنين في الرحم.
ولكن، إن كنت تبغي وصفة أو علاجاً أكثر ذيوعاً وقرباً للأفهام العامة وإن لم تكن مباشرة أو فلسفية محضةبيد أنها بالغة القوة والنفاذ في طرد الخوف من الموت؛ فلن يجعلك شيء أكثر طواعية وترحيباً بمفارقة هذه الحياة من تأملك في أمرين: طبيعة الذوات والموضوعات الدنيوية التي ستتركها وراءك، ونمط الخصال والطباع البشرية الفاسدة التي لن تضطر للتعامل معها بعد الآن.
وحقّاً، لا يجوز لك بأي حال من الأحوال أن تضمر لهؤلاء البشر غيظاً أو سخطاً، بل يتعين عليك أن تشملهم برعايتك وتتحمل جفاءهم بلين ووداعة. ومع ذلك، لك أن تتذكر دائماً أن رحيلك متى حانلن يكون عن رجال يشاطرونك ذات الآراء والمبادئ الأخلاقية. إذ إن هذا الأمر (لو أنه تحقق في واقعك) لكان الشيء الوحيد الذي قد يثنيك عن الموت ويجعلك راغباً في التشبث بالبقاء هنا: أن يكون قد كُتب لك العيش مع رجال اهتدوا إلى ذات العقيدة الفكرية والأخلاقية التي تهتدي بها.
أما الآن، فأنت ترى بنفسك كم هو مضنٍ وشاق، وكم ينطوي على عناء بالغ، عيشك وسط رجال يتبنون آراءً وأهواءً مغايرة ومخالفة؛ لدرجة تجعلك تملك مسوغاً كافياً لأن تبتهل قائلاً: "عجّل بالقدوم، أضرع إليك يا موت؛ خشية أن يطول بي العهد معهم، فأنسى مع الوقت نفسي وحقيقتي".
هو بينتقد هنا الموت النابع من الصلف والعناد أو الحماس الزايد، وهي ثنائية ببتكمل جدا مع ما وصفه الي عرضته في الاول في الفصل ال11 الفقرة 3 لما قال (يندفع بعنف وانفعال نحو المعارضة والمواجهة كما اعتاد المسيحيون)
=================================
بعد ما عرضنا افكاره نيجي بقي لموضوع مهم ليه في ناس لسه بتقراله و بالملايين كمان و بتمجد فيه ؟
انفصال الكاتب عن الحاكم (The Dissociation)
ماركوس أوريليوس كان بيكتب كتاب التأملات لنفسه، كنوع من العلاج النفسي الذاتي وجلد الذات وهو في خيمته العسكرية بالليل وسط البرد والحروب. كان بيكتب عشان يستحمل صعوبة كونه إمبراطور. هو كان عايش في حالة انفصال
ماركوس الإنسان الفيلسوف : يتأمل في الكون ويزهد في الدنيا.
ماركوس الإمبراطور والقاضي الأعلى : يطبق قانون الدولة الصارم عشان المركب تمشي وسط الأمواج، حتى لو القانون ده معناه رمي بشر للأسود في ثقافة روما الوثنية.
هنا انا ممكن ادي تحليل منطقي اخر : ل ليه العالم بيمجده لحد النهاردة ؟
هتستغرب ازاي الراجل ده مسؤول سياسيا وأدبيا عن دماء ناس بريئة، ليه لسه كتبه بتباع بالملايين، وليه طالع في الأفلام (زي Gladiator) على إنه الرمز المثالي للحاكم الصالح والعادل ؟
يعني الي لقيتهم انا من وجهة نظري لما بحثت هم سببين :
الفصل بين النص وصاحب النص
العالم بيمجد ماركوس أوريليوس كـ فيلسوف وكاتب مش كـ إداري روماني. كتاب التأملات مش كتاب سياسي، ده كتاب في علم النفس الذاتي. لما تقرا كلامه عن إزاي تتعامل مع الناس المؤذية، وإزاي متخليش الغضب يسيطر عليك، وإزاي تتقبل الموت وخيبات الأمل، بتلاقي كلام بيلمس روحك كإنسان عايش في القرن الـ 21 بصرف النظر عن تاريخ الراجل.
الناس بتنبهر بالفكرة نفسها وبأنبل ما أنتجه عقله، وبتتغاضى عن أسوأ ما فعلته يداه كإمبراطور.
و البقع العمياء عند العباقرة (Cognitive Blind Spots)
منطقيا البشر مش أبيض وإسود. التاريخ مليان بعباقرة وفلاسفة كان عندهم بقع عمياء مرعبة في إنسانيتهم :
أرسطو مثلا الفيلسوف العظيم، كان شايف إن في بشر عبيد بالطبيعة وإن الستات كائنات ناقصة قانونا و ده عرضه في كتاباته ابسطهم كتاب الميتافيزيقيا.
في النهاية، تمجيد ماركوس أوريليوس النهاردة مش تمجيد لقراراته السياسية العنيفة، هو تمجيد لـ الأفكار الرواقية اللي سابها، والتي تمثل محاولة إنسانية (لكنها غير كاملة وشابها الدم البرئ) للعيش بحكمة في عالم مليان كوارث. هو بيفضل عبرة للتاريخ إن حتى أذكى الفلاسفة وأكثرهم حكمة ممكن يقعوا في فخ الظلم الممنهج لو استسلموا لعقلية مصلحة الدولة فوق كل شيء ولو حجبهم سياق زمانهم عن رؤية الحقيقة الإنسانية الكاملة.
=================================
مراجع المقالة :
كلام يوستينوس :
Justin Martyr. The First Apology.Chapter 6 Translated by Marcus Dods and George Reith. In Ante-Nicene Fathers, Vol. 1. Edited by Alexander Roberts and James Donaldson. Buffalo, NY: Christian Literature Publishing Co., 1885.
مقالة شاملة عن القديس يوستينوس :
https://siervodejehova1.blogspot.com/2025/12/blog-post_31.html
كلام اثيناغورس :
-Athenagoras.A Plea for the Christians.Chapter 4 Translated by B.P. Pratten. From Ante-Nicene Fathers, Vol. 2. Edited by Alexander Roberts, James Donaldson, and A. Cleveland Coxe. (Buffalo, NY: Christian Literature Publishing Co., 1885.)
مقالة شاملة عن العلامة اثيناغورس :
https://siervodejehova1.blogspot.com/2026/01/blog-post_39.html
تأريخ يوسابيوس القيصري :
-Eusebius of Caesarea.Church History (Book V) Chapter 1/5/7
شرحت بالتفصيل الي حصل في مجزرة ليون في مقالة عن القديس ايرينئوس :
https://siervodejehova1.blogspot.com/2026/03/blog-post_5.html
كلام ماركوس :
-MEDITATIONS By Marcus Aurelius )MARCUS AURELIUS ANTONINUS THE ROMAN EMPEROR( .
THE NINTH BOOK.Section 3
THE TENTH BOOK.Section 27-28
THE ELEVENTH BOOK.Section 3
THE TWELFTH BOOK.Section 27
كلام بيليني الصغير و تراجان :
Pliny, Letters 10.96-97

اكتب رأيك في هذه المقالة