#تاريخ_كنسي
=================================
الكنيسة و الدولة عبر التاريخ - حماة الايمان
=================================
تخيل معايا صديقي القارئ مشهد كأنه طالع من فيلم قديم : قصور مظلمة، وشبابيك عالية بيعدي منها الضوء على خرائط إمبراطوريات بتترسم وتتمسح بسيف السلطة. وفي قلب الصراعات دي، كانت الكنيسة الارثوذكسية واقفة بقوة الرب و الاله يسوع المسيح ، مش بس بتصلي، لكن بتبص في عين الحاكم وبتصرخ بالحق من غير خوف. الحكاية مش مجرد خلاف لاهوتي أو صراع سياسي عادي، دي ملحمة بقاء حقيقية بين دولة عايزة تفرش نفوذها وتطوع الأرواح، وبين كنيسة اتعمدت بالنار والإيمان النقي واختارت تمشي في طريق الشوك بقلب ثابت. من قلب الإسكندرية وصحاري مصر ، لغاية جبال السريان وبلاد الحبشة و كل بلاد الي دخلت فيها المسيحية، وقفت الكنيسة تدافع عن عقيدتها بصلابة قدام جبابرة الشرق والغرب. حماة الإيمان هنا مكنوش مجرد رهبان قاعدين في قلاياتهم بعيد عن الدنيا، دول كانوا فرسان كلمة شايلين روحهم على كفهم في وش رياح السياسة العاتية، عشان يحافظوا على جوهرة العقيدة بكل امانة و كمال ويوصلوهالنا بتول عذراء بلا شيب او عيب او دنس.و من هذه القوة و هذا التأثير حصلت المعجزات ان ناس من جوة السلطة نفسها من بدايات المسيحية تساعد الكنيسة و المؤمنين و يحموهم بل و يستشهدوا لاجل اسم الرب يسوع.
=================================
الفصل الأول : البدايات المبكرة وحماة الكنيسة الأولى (القرون الأول والثاني والثالث الميلادي)
في القرن الأول الميلادي، بنلاقي الملك أبجر الخامس (ملك الرها) و (هنا القصة من المؤرخ الكنسي يوسابيوس القيصري و الكلام هنا بحسبه هو لانه قال ان ابجر لقاه في وثائق قديمة من القرن الاول في مكتبة الرها و ترجمها بنفسه) نرجع للملك ابجر الملقب بـ أوكاما يعني الأسود، وهو حاكم مملكة الرها (إديسا) في بلاد ما بين النهرين. الراجل ده كان مريض بمرض شديد بيتقال انه البرص، وسمع عن معجزات السيد المسيح في ارض يهوذا، فبعت له رسالة شهيرة يطلب منه ييجي يشفيه ويعيش معاه في مملكته الآمنة، وجاله الرد ووعد بإرسال أحد التلاميذ بعد الصعود. وفعلاً، جاله القديس تداوس او ادي (أحد السبعين رسولاً) وشفى الملك وعمّده هو وأهل بيته، لتكون الرها أول مملكة تقبل المسيحية كجماعة، وتعتبرها الكنيسة السريانية والميافيزية فجر الإيمان في بلاد المشرق وأساس الليتورجيا السريانية العريقة.
وفي القرن الثاني الميلادي، تحت حكم الإمبراطور الروماني تراجان، بيظهر لنا القديس أوساطاثيوس (بلاسيدوس)، القائد العام الشجاع للجيوش الرومانية، اللي كان وثني بس قلبه مليان رحمة وعطف على الفقراء. أثناء رحلة صيد، شاف رؤية عجيبة لوعل او غزال بين قرونه صليب من نور، وسمع صوت المسيح بيكلمه، فآمن فورا واتعمد هو وعيلته وتسمى أوساطاثيوس، ومر بتجارب قاسية فقد فيها ثروته ومنصبه وتشتت عيلته زي أيوب الصديق. لما روما اتعرضت لخطر عسكري، الإمبراطور استدعاه تاني عشان يقود الجيش وفعلا حقق النصر، لكن لما رفض يقدم ذبائح الشكر للأوثان في معبد جوبيتر، أمر الإمبراطور بإعدامه هو وزوجته وأولاده حرقا جوه ثور نحاسي مخيف، فبقى رمز وفاء مطلق للإيمان ومثال للقائد الشجاع المكرّم عالمياً.
وفي أواخر القرن الثاني الميلادي، وتحديدا في البلاط الإمبراطوري الروماني المرعب، بتظهر مارشيا زوجة الإمبراطور كومودوس (Marcia) كواحدة من أكتر الشخصيات النسائية تأثيرا في حماية الكنيسة المبكرة. رغم إنها مكانتش زوجة رسمية بالمعنى التقليدي بل كانت المحظية المفضلة وصاحبة النفوذ الطاغي على الإمبراطور الدموي كومودوس ابن ماركوس أوريليوس، إلا إنها كانت مسيحية مخلصة في السر وبتستغل مكانتها السياسية لخدمة المؤمنين. مارشيا قدرت بذكائها الدبلوماسي تقنع كومودوس بإصدار عفو عن المسيحيين المحكوم عليهم بالأشغال الشاقة المؤبدة في مناجم الملح القاتلة في سردينيا و ده بنصح و تعاون بينها و بين اسقف روما البابا فيكتور الاول، وكان من ضمن اللي أنقذتهم البابا كاليكستوس الأول قبل ما يبقى بابا روما، وعلشان كده الكنيسة بتشوفها أداة إلهية وضعت في قلب القصر الإمبراطوري لوقف نزيف دم الشهداء في فترة حرجـة.
ومع بدايات القرن الثالث الميلادي (222-235م)، حكم الإمبراطور ألكسندر سيفيروس (Alexander Severus) الإمبراطورية الرومانية بنزعة إصلاحية متسامحة جدا ومختلفة تماما عن سلفه. الراجل ده نشأ تحت تأثير والدته المفكرة جوليا مامينا اللي كانت على صلة بالفيلسوف المسيحي العظيم أوريجانس السكندري، فطلع منفتح على المسيحية لدرجة إنه حط تمثال للسيد المسيح في معبده الخاص (البانثيون الشخصي) جنب تماثيل الفلاسفة والآلهة الرومانية. في عهده انتعشت الكنيسة وخرجت للعلن، ورفض يضطهد المسيحيين بل وأصدر حكم قضائي لصالح الكنيسة في نزاع على قطعة أرض ضد نقابة الطباخين الرومان قائلا إن عبادة الله في هذا المكان أفضل من أي استخدام آخر، وعلشان كده التاريخ الكنسي بيبجله كحاكم عادل مهد الطريق للاعتراف بالمسيحية.
وفي منتصف القرن الثالث الميلادي (244-249م)، اعتلى عرش روما الإمبراطور ماركوس يوليوس فيلبس (فيليب العربي)، المشهور في التاريخ باسم فيليب العربي لأنه اتولد في ولاية سوريا الرومانية (شهبا حاليا). فيليب كان متعاطف جدا مع المسيحيين لدرجة إن مؤرخين كبار زي يوسايبيوس القيصري و القديس جيروم ذكروا إنه كان أول إمبراطور مسيحي في السر، وحضر صلوات ليلة عيد القيامة في الكنيسة، والأسقف بابيلاس الأنطاكي رفض يدخله إلا لما يقف في صف الخطاة التائبين وامتثل الإمبراطور للأمر بتواضع جم. عهده كان فترة سلام وأمان نادرة لولاية مصر والمشرق، وسمح للكنيسة تنظم أمورها بحرية، والكنيسة الميافيزية بتفتكره بالخير كحاكم من أصول مشرقية كسر حدة العداء الروماني التقليدي ضد الإيمان قبل ما ييجي عهد الاضطهاد الديكتاتوري اللي بعده.
وفي نفس الفترة دي من منتصف القرن الثالث الميلادي، وتحديدا تحت حكم الإمبراطور ديسيوس (دقيوس)، بيبرز نجم القديس فيلوباتير مرقوريوس (أبو سيفين)، اللي اتولد في عائلة نبيلة وانخرط في الجيش الروماني لحد ما بقى قائد عسكري وفارس فذ بيلقبوه أبو سيفين. القصة بتبدأ لما برابرة هاجموا الإمبراطورية، وظهر له ملاك الرب وأعطاه سيف نوراني جنب سيفه العسكري، فحقق نصر ساحق على الأعداء، ولما الإمبراطور حب يكرمه ويخليه يبخر للأوثان، رمى مرقوريوس رتبه العسكرية وأعلن مسيحيته بكل شجاعة. اتعرض لعذابات فوق الوصف ونقلوه لمدينة قيصرية كبادوكيا واستشهد هناك بقطع الرأس، والكنيسة القبطية بتقدسه كبطل روحي خارق للعادة وصاحب شفاعة قوية جدا ممتدة عبر الأجيال.
وفي النصف الثاني من القرن الثالث الميلادي (253-268م)، تولى الإمبراطور جاليانوس (Gallienus) حكم روما في فترة كانت الإمبراطورية بتنهار سياسياً وعسكرياً، لكنه أخذ قرار تاريخي غير مجرى العلاقات الكنسية. جاليانوس ألغى فوراً المراسيم الدموية اللي أصدرها والده الإمبراطور فاليريان (اللي اضطهد المسيحيين جدا)، وأصدر أول مرسوم تسامح رسمي في التاريخ الروماني يعيد فيه للمسيحيين كنائسهم وأملاكهم المصادرة ويديهم حرية العبادة كاملة. المرسوم ده وقى الكنيسة من الاضطهاد لحوالي 40 سنة، وعاش الأقباط والمشرقيين في سلام وبنوا كنائسهم بحرية، و لكده بتبجله الكنيسة كحاكم حكيم وصاحب فضل في منح الكنيسة أول اعتراف قانوني بوجودها قبل مرسوم ميلان بعقود طويلة.
وفي أواخر القرن الثالث الميلادي، بنتعرف على القديس سيباستيان (St. Sebastian)، اللي اتولد في ناربون (فرنسا الحالية) واتعلم في ميلانو، وبفضل شجاعته وذكائه بقى ضابط رفيع وقائد للحرس الإمبراطوري البريتوري الخاص بالإمبراطور دقلديانوس نفسه في روما. سيباستيان استغل منصبه الحساس ده بطريقة روحية عبقرية، فكان بيدخل السجون سرا، بيشجع المسيحيين المسجونين، ويثبت الشهداء في إيمانهم، ويستخدم نفوذ القصر لحمايتهم لحد ما أمره اتكشف للإمبراطور اللي اعتبر ده خيانة عظمى. دقلديانوس أمر بربطه في شجرة وضربه بالسهام لحد ما ظنوا إنه مات، لكن زوجة شهيد داوته وعاش، ورجع واجه الإمبراطور علنا بجرائمه ضد المسيحيين، فأمر بجلده حتى الموت، وبقى في وجدان الكنيسة رمزا للصمود العسكري والروحي اللي مش بيموت بالسهام.
وفي نفس الحقبة الزمنية المرعبة في أواخر القرن الثالث (حوالي 287م)، بتظهر أروع ملحمة عسكرية قبطية في أوروبا بقيادة القديس موريس، قائد الكتيبة الطيبية المكونة من حوالي 6600 جندي مسيحي قبطي من صعيد مصر (طيبة/الأقصر)، اللي بعتهم الإمبراطور مكسيميانوس لأوروبا عشان يخمدوا ثورة في بلاد الغال. لما وصلوا هناك في سويسرا الحالية، الإمبراطور أمر الجيش بتقديم ذبائح للأوثان وحلف قسم الولاء وإبادة المسيحيين المحليين، فرفض موريس وجنوده الأقباط الأمر العسكري قائلين : نحن جنودك أيها الإمبراطور، ولكننا أولاً عبيد الله. الإمبراطور غضب جدا وأمر بقتل جنود الكتيبة بالكامل تتابعا (عشر القوات ثم إبادة جماعية)، واستشهدوا كلهم في وسط اوروبا بالتحديد في سويسرا و المانيا و شمال ايطاليا علي طول نهر الراين مكان توزيعهم و سويسرا تحديدا اللي بتقدس موريس لحد النهاردة كشفيها الوطني، والكنيسة القبطية بتفخر بيهم كأعظم سفراء للإيمان والدم القبطي في قلب أوروبا.
=================================
الفصل الثاني : مطلع القرن الرابع وعصر الاستشهاد العظيم (عصر دقلديانوس والتحول الشامل)
في مطلع القرن الرابع الميلادي، بنلاقي الملك تيريداتس الثالث (ملك أرمينيا)، الراجل اللي كان شجاع جدا وتربى في روما، وبدأ حكمه باضطهاد عنيف للمسيحيين وحبس القديس غريغوريوس المنور في جب مظلم مليان تعابين لسنوات طويلة. بسبب قسوته وقتله للراهبات الهاربات من روما، أصيب بمرض عقلي وجسدي غريب خلاه يتصرف زي الخنازير البرية، ومحدش قدر يشفيه لحد ما أخته شافت رؤية تطلب استدعاء غريغوريوس من الجب. بمعجزة إلهية، القديس شفى الملك، فآمن تيريداتس واعتمد هو وشعبه بالكامل عام 301م، ليعلن أرمينيا أول دولة مسيحية رسمية في التاريخ، والكنيسة الأرمنية الميافيزية كملك رسولي نقل أمته من الوثنية للنور الكنسي بعد توبة نصوحة.
وفي قلب الأحداث الدرامية لمملكة أرمينيا في نفس التوقيت، بتظهر الملكة أشخين والأميرة خوسروفيدوخت، والسيدتين دول كانوا بيعشقوا المسيحية في السر وبيقاسوا من جنون الملك ووثنيته الطاغية قبل تحوله. الأميرة خوسروفيدوخت كانت صاحبة الرؤية الإلهية المتكررة اللي أنقذت المملكة، لما صممت إن القديس غريغوريوس المنور هو الوحيد اللي هيشفي أخوها الملك من مسّه الشيطاني، وفعلاً أقنعت الحاشية بطلوعه من الجب. بعد معجزة الشفاء، أعلنت الملكة والأميرة إيمانهم علنا، وساعدوا غريغوريوس في هدم المعابد الوثنية وبناء الكنائس والأديرة، وعاشوا حياة نسكية مقدسة، وبتكرمهم الكنيسة الأرمنية الشقيقة كأمهات روحيات ومؤسسات للإيمان الأرثوذكسي المشرقي هناك.
ومن أرمينيا برضه في بداية القرن الرابع (حوالي 301م)، بنشوف قصة الشهادتين العظيمتين القديسة هيربسيمانية والقديسة غايانا، ودول كانوا راهبات هربوا مع مجموعة من العذارى من بطش الإمبراطور دقلديانوس في روما اللي كان عايز يتجوز هيربسيمانية غصب عنها لجمالها. لجأوا لأرمينيا، لكن دقلديانوس بعت للملك تيريداتس الثالث يبلغه، فلما تيريداتس شاف جمال هيربسيمانية أرادها لنفسه هي كمان، ولما رفضت بصلابة وتمسكت بعفتها ومسيحيتها، جن جنونه وأمر بتعذيبهم وقطع أجسادهم بوحشية واستشهادهم جميعاً مع بقية العذارى. الاستشهاد الدموي ده كان هو الشرارة الزلزالية اللي هزت ضمير المملكة ومهدت لشفاء الملك وتوبته بعدين، وبتعتبرهم الكنيسة الأرمنية حجر الزاوية الروحي والدم الطاهر اللي روّى أرض أرمينيا قبل العماد العام.
وفي قلب الجيش الإمبراطوري الروماني في بداية القرن الرابع (استشهد عام 303م)، بيلمع اسم مارجرجس الروماني او سانت جورج، اللي مكنش مجرد جندي عادي بل كان تربون يعني قائد عسكري رفيع المستوى في الحرس الإمبراطوري الخاص بدقلديانوس و كمل معاه طيلت حقبة الاضطهاد الدقلدياني من دقلديانوس نفسه او من عاونوه زي مكسيميانوس و مكسمينوس دايا، مارجرجس من عائلة كابادوكية نبيلة وغنية . لما دقلديانوس أصدر منشوره الشيطاني بهدم الكنائس وحرق الكتب المقدسة واضطهاد المسيحيين، مارجرجس مزّق المنشور علنا في ديوان الملك وتخلى عن رتبه وأمواله وواجه الطاغية بجرائمه. قاسى مارجرجس عذابات رهيبة استمرت سبع سنوات من تقطيع وتسميم وجلد، وفي كل مرة كان الرب بيقيمه ويصنع بيه معجزات أذهلت الجموع وجمعت آلاف الوثنيين للإيمان، لحد ما نال إكليل الشهادة بقطع الرأس، وبقى بيلقب كنسيا بـأمير الشهداء والشهيد العظيم وصاحب الشهرة العالمية الطاغية في الكنيسة القبطية و كل كنايس العالم .
وفي شمال مصر، وتحديدا في إقليم البرلس والزعفران في نفس التوقيت (بداية القرن الرابع)، بنلتقي بـ القديسة دميانة، ابنة الوالي القبطي مرقس، وهي الفتاة اللي رفضت الجواز وعاشت حياة رهبانية مبكرة، وأقنعت والدها يبنيلها قصرا تعيش فيه مع 40 عذراء للعبادة والزهد. لما دقلديانوس ضغط على والدها وبخر للأوثان خوفا على منصبه، راحت له دميانة ووبخته بقسوة قائلة : إن فضّلت منصبك على المسيح، فلا أعرفك بعد الآن، فرجع الوالي لاعترافه واستشهد. الإمبراطور بعت قائد عسكريا لدميانة يغريها ثم يعذبها، فرفضت بصلابة واستشهدت مع الأربعين عذراء بعد رحلة تعذيب مريرة، وبقت في التاريخ القبطي مؤسسة أول تجمع رهباني نسائي غير رسمي وأيقونة الطهارة والشجاعة والدفاع عن العقيدة.
وفي واحدة من أعجب المفارقات التاريخية في قصر الحكم الروماني بإنطاكية (حوالي 303م)، بتظهر الإمبراطورة ألكسندرا، اللي هي حرفيا زوجة الطاغية دقلديانوس، احد أكبر السفاحين ضد المسيحية في التاريخ. ألكسندرا كانت عايشة في قلب القصر وبتراقب بصمت وثبات عذابات القديس مارجرجس الروماني، وشافت بنفسها المعجزات اللي بتحصل معاه وصموده الأسطوري اللي ملوش تفسير بشري، فدخل الإيمان قلبها فجأة ومقدرتش تخبيه. وقفت قدام زوجها الإمبراطور في قاعة المحاكمة وأعلنت مسيحيتها ووبخته على وحشيته، فما كان من دقلديانوس من كتر صدمته وجنونه إلا إنه أصدر قرار فوري بإعدام زوجته الإمبراطورة، فنالت إكليل الشهادة قبل مارجرجس نفسه، وبتكرمها الكنيسة القبطية كقديسة عظيمة أثبتت إن النور يقدر يخترق أظلم قصور الوثنية.
وفي بلاد الشام (الرصافة بسوريا الحالية) في مطلع القرن الرابع، بنشوف قصة القديسان سرجيوس وباخوس، ودول كانوا من كبار ضباط الحرس الإمبراطوري النبلاء المقربين جدا للإمبراطور مكسيميانوس (شريك دقلديانوس)، وكانوا بيتمتعوا بمكانة سياسية وعسكرية مرموقة. أزمتهم بدأت لما رفضوا يدخلوا معبد الوثان مع الإمبراطور لتقديم الذبائح للإله جوبيتر، وأعلنوا إن ولائهم الأول للملك المسيح، فجردوا من رتبهم وألبسوهم ملابس نسائية لتهزئهم وطافوا بيهم في الشوارع. باخوس استشهد أولا تحت الجلد العنيف، وظهر لسرجيوس في الرؤيا يثبته، فاستشهد سرجيوس بقطع الرأس في الرصافة اللي بقت مركز حج مسيحي كبير، وحملت كنيسة أبو سرجة الأثرية بمصر القديمة اسميهما تخليدا لذكراهم، وبتعتبرهم الكنيسة السريانية والقبطية من حماة الإيمان الأوفياء.
وفي الإسكندرية ومصر الوسطى خلال نفس فترة الاضطهاد العظيم، بيبرز دور القديس يوليوس الأقفهصي، اللي مكنش مجرد جندي، بل كان مستشار وثري رفيع المستوى وكاتب السجلات الرسمية في البلاط الروماني بالإسكندرية. يوليوس استغل حصانته السياسية ونفوذه الطاغية وثروته الضخمة في مهمة توثيقية إلهية؛ فكان بيدخل السجون الرومانية يزور الشهداء، يداوي جروحهم، يدفع رشاوي للحراس، ويكتب محاكماتهم وسيرهم بدقة شديدة قبل ما يتولى تكفينهم ونقل أجسادهم لبلادهم. بعد ما خلص رسالته وتوقف الاضطهاد تقريبا، ظهر له السيد المسيح وأمره يعلن إيمانه هو كمان، فاعترف بالرب واستشهد مع عيلته وحراسه، ولولاه لضاعت أجزاء ضخمة جدا من التاريخ المكتوب لعصر الشهداء، وبتلقبه الكنيسة القبطية بفخر (كاتب سير الشهداء)
وفي مدينة نيقوميديا بآسيا الصغرى (استشهد عام 305م)، بنلتقي بـ القديس بانتليمون او الشهيد بنداليمون، الشاب النابغة اللي بقى الطبيب الخاص والرئيسي للإمبراطور الروماني مكسيميانوس بفضل علمه الطبي الفذ وطبيب القصر الأول. بانتليمون اتعلم الإيمان على إيد كاهن حكيم اسمه إرمولاوس، وبدأ يدمج العلاج الطبي بالصلاة باسم المسيح، فكان بيشفي أمراض مستعصية ويفتح عيون العميان من غير مقابل للفقراء والمساجين المسيحيين، وده خلى الأطباء الوثنيين يحقدوا عليه ويشتكوه للإمبراطور. مكسيميانوس حاول يستميله بكل الطرق عشان يرجع للوثنية، ولما رفض، أذاقه عذابات وحشية من حرق وجلد وإلقاء للوحوش اللي روضها بصلاته، وأخيرا قُطعت رأسه وبتعتبره الكنيسة شفيع المرضى والأطباء في التراث المسييحي .
وفي عاصمة العلم والثقافة الإسكندرية (حوالي 305م)، بتظهر المعجزة الفلسفية القديسة كاترين السكندرية، ابنة الوالي الروماني كونستاس، الفتاة اللي كانت بتجمع بين جمال الخلقة والذكاء الخارق والتبحر في علوم الفلسفة والبلاغة لدرجة أذهلت قادة عصرها. لما زار الإمبراطور مكسيميانوس الإسكندرية وبدأ يضطهد المسيحيين ويجبرهم على التبخير للأوثان، وقفت كاترين قدامه في المعبد وجادلته بالمنطق والفلسفة، فعجز عن الرد وجاب لها 50 من أعظم فلاسفة الإمبراطورية عشان يكسروا حجتها، فانتهى الأمر بإنها أقنعت الفلاسفة نفسهم بالمسيحية واستشهدوا معاها الإمبراطور أمر بوضعها في عجلة مسامير حادة لتقطيعها لكنها تكسرت بمعجزة، وفي النهاية قطعت رأسها، وبتعد كاترين في الوجدان الكنسي القبطي والغربي رمزا لانتصار الحكمة الإلهية على الفلسفة الوثنية المادية.
وفي مدينة نيقوميديا تاني (حوالي 306م)، بنلتقي بـ القديسة بربارة، ابنة رجل وثني غني ونافذ وجاه إمبراطوري اسمه ديوسقورس، اللي كان بيحب بنته لدرجة الهوس فبنى لها برج عالي فخم عشان يعزلها عن العالم ويحميها، ويمنعها من الاختلاط بالمسيحيين. بربارة من خلال تأملها في الطبيعة والكون من نافذة برجها، رفضت الوثنية وتواصلت سر مع أحد المسيحين واتعمدت، ولما والدها طلب منها تبخر للأصنام رفضت وفتحت نافذة تالتة في حمام البرج كرمز للثالوث القدوس ومزقت الأوثان. والدها الحاكم لما عرف، أتحول حبه لجنون وحشي، وعذبها بنفسه وسلمها للوالي الروماني، وفي النهاية أخدها على الجبل وقطع رأسها بإيده فصعقته صاعقة سمائية مات فيها فور، وبتكرمها الكنيسة القبطية وبتملك كنيسة أثرية مشهورة باسمها في قلب مصر القديمة.
وفي نفس الملحمة الكبرى لأوائل القرن الرابع، بيبرز اسم الأمير تادرس المشرقي والأمير تادرس الشطبي (Prince Theodore)، والشخصية هنا بتشمل بطلين عظيمين في وجدان الكنيسة : تادرس المشرقي قائد جيش روماني من سورية، وتادرس الشطبي الضابط الفذ اصله من بلدة شطب في الصعيد بالرغم من ولادته في انطاكية نسبة لوالده القبطي . تادرس المشرقي كان ابن وزير روماني كبير، وحقق انتصارات عسكرية مذهلة ضد الفرس، ولما بدأ دقلديانوس اضطهاده، رفض الأمير تادرس تقديم أي تنازلات عقائدية، ووقف في وجه البلاط الإمبراطوري معلن مسيحيته، فاستشهد بعد عذابات قاسية جدا. أما تادرس الشطبي فكان قائدا شجاعاً راح يبحث عن والده في مصر ونال إكليل الشهادة هناك، وبيمثل البطلين دول في الكنيسة القبطية قمة الفروسية الروحية والدبلوماسية العسكرية اللي سخرت السيف الأرضي لخدمة ملك السلام الإلهي.
وفي منطقة مريوط بالإسكندرية (استشهد حوالي 309م)، بيشرق اسم القديس مينا العجايبي، سليل عائلة مصرية نبيلة جدا، والده أودوكسيوس كان والي على إقليم أفريقيا الروماني. مينا انخرط في الجيش الروماني وبقى ضابط وقائد عسكري كبير في مقاطعة فريجيا بآسيا الصغرى، لكنه ساب منصبه العسكري ورفض الأوامر الإمبراطورية باضطهاد المسيحيين، وهرب للبرية يعيش في زهد ونسك صلب. لما رجع وظهر علنا في احتفال وثني ليعلن مسيحيته، قبضوا عليه وعذبوه وبتروا أعضائه ونال الشهادة، ولما نقلوا جسده لمصر برك الجمل في مكان معين بمريوط ومتحركش، فدفنوه هناك وبقت منطقته أبو مينا مدينة رخامية كاملة ومركز حج عالمي في العصور الوسطى، وبتعتبره الكنيسة القبطية من أشهر قديسيها وأسرعهم في صنع المعجزات.
ومن قلب الكتائب العسكرية الرومانية في مصر (بداية القرن الرابع)، بنشوف ابسخيرون القليني، الضابط المرموق والمحارب الشجاع اللي كان في فرقة عسكرية بمدينة أسيوط وهو أصلا من بلدة قلين بالدلتا. لما جت منشورات دقلديانوس الدموية، اباسخيرون وقف بصلابة غير عادية قدام قادته والوالي الروماني، ورفض تماما إن جنوده الأقباط أو هو يبخروا للأوثان، واعتبر المنشور إهانة للحق. اتحمل تعذيب فظيع ومحاولات لإغرائه بالمناصب الرفيعة في البلاط الروماني، لكنه صمد كالصخر لحد ما قطعت رأسه ونال الشهادة، وتنسب ليه معجزات مذهلة أشهرها معجزة نقل كنيسته الأثرية بالكامل من مكان لمكان في التراث الشعبي القبطي، وبتجلّه الكنيسة كرمز للثبات المبدئي العسكري ضد الطغيان.
وفي صعيد مصر، وتحديدا في مدينة أنصنا (ملوي الحالية)، بنقابل إريانا والي أنصنا (Arianus, Governor of Ansena)، الوالي الروماني الأشهر والأعنف في تاريخ الاضطهاد الدقلدياني في التراث القبطي، الراجل اللي كان مسئول عن سفك دماء آلاف الشهداء الأقباط بابتكاره أبشع وسائل التعذيب. لكن الدراما الإلهية بتوصل لذروتها لما إريانا أصيب في عينه بسهم أثناء تعذيب أحد القديسين، وجسد الشاهد شفاه بعد موته، فاهتز كيانه الداخلي وعرف إن إله الأقباط هو الإله الحقيقي. إريانا أعلن مسيحيته فجأة، ورمى وثائق الحكم الروماني، فقبض عليه الإمبراطور وعذبه بنفس العذابات اللي كان بيعذب بيها المسيحيين، واستشهد بوضعه في كيس وإلقائه في البحر، لتتحول قصته لأعظم توبة تاريخية، وتبجله الكنيسة القبطية كقديس وشهيد بعد ما كان سفاحها الأول
وفي البلاط الملكي بإنطاكية، بنتعرف على الأمير بقطر (ماربقطر ابن رومانيوس)، الشاب النبيل اللي كان والده رومانيوس هو الوزير الأول والمستشار اللصيق بالإمبراطور دقلديانوس وصانع السياسات الرومانية في العصر ده. بقطر، رغم نفوذ والده الطاغي ومستقبله السياسي المضمون في قمة الهرم الروماني، اختار الانحياز التام لإيمانه بالمسيح، ورفض يساند أبوه ودقلديانوس في خطط إبادة المسيحيين وعارضهم علنا. أبوه رومانيوس نفسه تبرأ منه وسلمه للإمبراطور عشان يعذبه، فنفوه لصعيد مصر (أنصنا) واستشهد هناك بعد رحلة آلام صابرة، وبتكرمه الكنيسة القبطية كأمير بطل ضحى بجاه القصر ووزارة والده من أجل كرامة الإيمان، وله تبجيل هائل في صعيد مصر.
ومن نفس العائلة الملكية الرومانية، بنلتقي بـ الأمير إقلاديوس، اللي هو حرفياً ابن شقيق الإمبراطور الروماني الراحل نومريان وقريب مباشر لعرش روما، وكان شاب جميل وقائد حربي فذ محبوب من الجيش والشعب. لما اعتلى دقلديانوس العرش وبدأ حملة التطهير الديني، رفض إقلاديوس ينصاع للأوامر الإمبراطورية واعتبر دقلديانوس مغصب للقيم الإلهية، ورفض يبخر للأصنام متمسك بمسيحيته. دقلديانوس خاف من شعبيته العسكرية الكبيرة ومكانته الأميرية، فأمر بنفيه سرا وعذبه بقسوة لحد ما أعدموه، وبتجلّه الكنيسة القبطية وبتلقبه بـ أمير من أمراء الشهداء العظام اللي داسوا على تيجان الملوك الأرضية عشان يلبسوا إكليل المجد السماوي.
وفي إنطاكية برضه، بيظهر الأمير أباتير وأخته إيرائي (Apatir and Irai)، وكان من كبار القادة العسكريين ذوي النفوذ والمقربين جدا من البلاط الروماني، وأخته الشابة إيرائي، والاثنين نشأوا في بيئة أرستقراطية مرفهة جدا تعبد المال والجاه. لما بدأت حملة دقلديانوس، شعر أباتير بغيرة روحية شديدة، وشاف رؤية تطلبه يسافر لمصر عشان يعلن إيمانه هناك لأن مصر كانت ساحة الجهاد الكبرى، فأأخذ أخته إيرائي وتسللوا سرا وسافروا للإسكندرية ومنها للصعيد. وقفوا قدام الولاة الرومان وأعلنوا مسيحيتم بكل شجاعة، واستحملوا عذابات مريرة لحد ما نالوا إكليل الشهادة، وبتذكرهم الكنيسة القبطية في سنكسارها كنموذج جميل للتضامن الأخوي والزهد في أمجاد الدنيا من أجل الشهادة للمسيح.
ونختم ملحمة الاستشهاد دي بقصة عائلة أرستقراطية مذهلة و هي عيلة الوالي يسطس وزوجته ثاؤكليا وابنه أبالي، يسطس مكنش مجرد جندي بل كان حاكم مدينة إنطاكية العظمى (أحد أهم عواصم الإمبراطورية)، وزوجته النبيلة ثاؤكليا، وابنه الشاب الشجاع أبالي اللي كان ضابط كبير وصديق شخصي لدقلديانوس. العائلة دي لما شافت جنون دقلديانوس وإصراره على إبادة المسيحيين، اتفقت كلها على التخلي عن الحكم والولاية والقصور الفخمة، وراحوا للإمبراطور وأعلنوا إنهم مسيحيين ورفضوا مراسيمه، فصدم الإمبراطور وخاف من نفوذ يسطس في إنطاكية، فنفاهم لمصر ووزعهم على ولاة الصعيد. استشهد يسطس وزوجته وابنه كل واحد في مكان منفصل بعد عذابات شديدة، وبقوا في تاريخ الكنيسة القبطية رمز للتضحية العائلية الكاملة من أجل المسيح.
=================================
الفصل الثالث : الملوك الرسوليين وتأسيس الإمبراطورية المسيحية (القرن الرابع الميلادي)
في الربع الأول من القرن الرابع الميلادي، بتظهر الإمبراطورة هيلانة (الملكة هيلانة)، والدة الإمبراطور قسطنطين الكبير، وهي سيدة من أصول متواضعة لكنها كانت تمتلك قلب روحي وعقل سياسي فذ غير وجه الجغرافيا المسيحية. هيلانة كانت القوة الروحية وراء تحول ابنها قسطنطين للمسيحية، ولما كبرت في السن، سافرت في رحلة استكشافية تاريخية لأورشليم (القدس) عام 326م، وبحثت عن الأماكن المقدسة وهدمت معبد فينوس الوثني اللي كان مبني فوق القبر المقدس، ونجحت في اكتشاف الصليب المجيد الي صلب عليه رب الارباب و ملك الملوك ربنا يسوع المسيح له كل المجد. هيلانة بنت كنائس القيامة في اورشليم والمهد في بيت لحم، ورسخت تقليد الحج المسيحي، وبتكرمها الكنيسة القبطية و كل كنائس العالم كملكة بارة وقديسة مساوية للرسل.
ويعتبر الإمبراطور قسطنطين الكبير هو الشخصية المحورية الفاصلة في تاريخ المسيحية، الراجل اللي نقل الكنيسة من المخابئ والسجون إلى كراسي الحكم، بعد ما رأى رؤية الصليب في السماء قبل معركة جسر ميلفيوس سنة 312م مكتوب عليها بهذا تغلب. قسطنطين أصدر مرسوم ميلان عام 313م اللي ضمن الحرية الدينية الكاملة للمسيحيين، وأشرف بنفسه على عقد مجمع نيقية المسكوني الأول عام 325م لحماية العقيدة من الأريوسية وبناء وحدة الكنيسة. نقل عاصمة الإمبراطورية للقسطنطينية وبناها كمدينة مسيحية، ورغم إنه متعمدش إلا وهو على فراش الموت، فالكنيسة بتبجله كبطل تاريخي عظيم وقسطنطين الجديد هو اللقب اللي بياخده أي ملك بيخدم الإيمان الأرثوذكسي بعد كده.
وفي القرن الرابع الميلادي برضه (حوالي 320-360م)، بنروح لقرن إفريقيا و نتقابل بـ الملك عيزانا (Ezana) - ملك أكسوم (إثيوبيا)، حاكم إمبراطورية أكسوم العظيمة، وهو أول ملك إثيوبي يعتنق المسيحية ويجعلها الدين الرسمي للدولة بفضل معلمه القديس فرومنتيوس (الأنبا سلامة كاشف النور او ابونا سلامة) اللي سيمه البابا أثناسيوس الرسولي أسقفاً لإثيوبيا. عيزانا شال الرموز الوثنية من العملة الإثيوبية وحط مكانها الصليب، وقاد حملات عسكرية لنشر السلام وحماية المسيحيين، ودعم ربط الكنيسة الإثيوبية بكرسي الإسكندرية القبطي عقائديا وإداريا. تبجله الكنيسة الإثيوبية والقبطية كقديس عظيم فتح بوابات القارة السمراء للإيمان الميافيزي الأرثوذكسي اللي فضل صامد لقرون طويلة.
وضمن التراث الكنسي الإثيوبي العريق في القرن الرابع، بنلاقي الملكان الباران أبرهة وأصبحة (Abreha and Asbeha)، ودول حكموا إمبراطورية أكسوم مع بعض في تناغم ومحبة نادرة، وفي التقليد المحلي بيعتبروا هم النسخة التنفيذية والكاملة لنشر المسيحية اللي بدأها الملك عيزانا (وبعض المؤرخين بيشوفوا إن عيزانا هو الاسم الملكي لأحدهم أو هما خلفائه). الملكين دول بنوا أولى الكنائس الكبرى والكاتدرائيات العظيمة في إثيوبيا، زي كنيسة صخرة أبرهة وأصبحة الشهيرة في إقليم تيغراي، ورسخوا الطقوس الليتورجية ونظموا الإدارة الكنسية بالتعاون مع الأساقفة الأقباط. الكنيسة الإثيوبية بتقدسهم كقديسين عظام وتضعهم في مصاف الملوك الرسل اللي ثبتوا أركان الإيمان الأرثوذكسي.
بعد وفاة قسطنطين الكبير، تقسمت الإمبراطورية بين أولاده، وكان نصيب الإمبراطور قسطنطين الثاني (Constantine II) حكم الولايات الغربية (الغال وبريطانيا وإسبانيا). قسطنطين الثاني كان مسيحي أرثوذكسي غيور على إيمان مجمع نيقية، ودافع بقوة عن القديس أثناسيوس الرسولي بابا الإسكندرية أثناء نفيه الأول في تريفيريس (ترير بألمانيا الحالية)، وأصدر مرسوم بإعادته لكرسيه في مصر بعد وفاة والده متحدي التيارات الأريوسية. دافع عن وحدة الإيمان الأرثوذكسي المستقيم بكل ما يملك لحد ما مات في صراع عسكري مع أخوه قسطانس، وتذكره الكنيسة بالاحترام كحاكم سخر نفوذه القصير لحماية بطاركة الإسكندرية الأرثوذكس في وقت الأزمات اللاهوتية.
و نيجي لـ الإمبراطور قسطانس الأول (Constans I)، الابن الأصغر لقسطنطين الكبير، اللي حكم إيطاليا وإفريقيا اللاتينية و بعدين الغرب كله، وكان بمثابة الحصن المنيع للعقيدة الأرثوذكسية ضد المد الأريوسي اللي كان بيقوده أخوه قسطنطينوس الثاني في الشرق البيزنطي. قسطانس كان صديق شخصي ومدافع شرس عن القديس أثناسيوس الرسولي والقديس بولس بطريرك القسطنطينية، وهدد أخاه ملك الشرق بشن حرب أهلية عسكرية لو مخلاش أثناسيوس يرجع لكرسيه في الإسكندرية، ودافع عن قرارات مجمع سردينيا. الكنيسة الارثوذكسية بتبجله كبطل للإيمان النيقي استخدم سيفه ونفوذه السياسي لكسر شوكة الأريوسيين وحماية الباباوات الأرثوذكس من الإبادة والنفي.
الأمير مار بهنام وأخته سارة (Mar Behnam and Sarah)
قصة من قلب العراق (حدياب). بهنام كان أمير ساساني/آشوري، ابن الملك سنحاريب. في رحلة صيد، قابل القديس السرياني مار متى، اللي شفى أخته سارة من مرض البرص بمعجزة. الأمير والأميرة آمنوا واتعمدوا سرا. لما الملك سنحاريب عرف إن ولاده سابوا الديانة الزرادشتية (عبادة النار)، أمر بقتلهم هما والـ 40 فارس بتوعهم. الأرض انشقت وابتلعت أجسادهم. الملك أُصيب بالجنون بعد قتلهم، ومخفش غير لما زوجته جابت مار متى وصلى عليه. الملك آمن وبنى دير مار بهنام العظيم. بهنام وسارة من أشهر قديسي الكنيسة السريانية كأمراء شهداء.
ننط بالزمن لبعد الفترة المظلمة القصيرة اللي حكم فيها جوليان او يوليانوس المرتد الجاحد اللي حاول يرجع الوثنية، تولى الإمبراطور جوفيان (Jovianus) عرش روما (363-364م)، وكان قائد الحرس الإمبراطوري ومسيحي أرثوذكسي مخلص بيلقبوه الإمبراطور المؤمن. جوفيان ألغى فورا كل المراسيم الوثنية لجوليان، وأعاد للمسيحيين امتيازاتهم الكنسية، وأول حاجة عملها إنه بعت رسالة حب وتقدير للقديس أثناسيوس الرسولي بيطلب منه يكتب له دستور الإيمان الأرثوذكسي المستقيم ويوجهه لاهوتيا. حكمه استمر شهور قليلة جدا ومات مخنوق بغاز الفحم في غرفته، لكن الكنيسة الارثوذكسية بتبجله جدا كإمبراطور بار أنقذ الكنيسة من ردة وثنية خطيرة وأعاد كرامة كرسي الإسكندرية.
وفي النصف الثاني من القرن الرابع (364-375م)، تولى الإمبراطور فالنتينيان الأول (Valentinian I) حكم الإمبراطورية الرومانية الغربية، وكان شخصية عسكرية صارمة ومسيحي مخلص لإيمان نيقية، واشتهر بسياسة التسامح الديني وعدم التدخل العنيف في الشئون الكنسية الداخلية على عكس أباطرة الشرق. الراجل ده حمى الكنائس الأرثوذكسية في الغرب من المؤامرات، ورفض يضطهد أي أسقف متمسك بالعقيدة المستقيمة، وترك للكنيسة حرية اختيار قادتها (زي القديس أمبروسيوس أسقف ميلانو). التاريخ الكنسي بيبجله كحاكم عادل وفر مناخ آمن لنمو الرهبنة والعقيدة، وارتبط اسمه بصلابة الموقف العسكري والسياسي اللي حافظ على التوازن الديني في فترة مليانة بالاضطرابات اللاهوتية.
و في القرن الرابع بردو بس في فترة الإمبراطور فالنس الي جه بعد فالنتينيان و بالمناسبة فالنس كان آريوسي (يعني بينكر لاهوت المسيح الكامل قال ان الابن غير مساوي للاب في الجوهر ده انكار لازلية الابن بالتالي انكار لالوهيته الكاملة جعله اله مخلوق). في الوقت ده، كانت فيه قبائل عربية قوية اسمها تنوخ، عايشين في بادية الشام، وكانوا حلفاء للروم.
نيجي بقي للملكة ماوية (ماوية بنت عَفْزَر) و القديس موسى العربي
لما مات ملك تنوخ، مراته الملكة ماوية مسكت الحكم. ماوية دي كانت ملكة شديدة القوة والبأس، عربية بدوية قوية تعتبر في التاريخ تاني اهم ملكة في تاريخ الشام المتأخر بعد الملكة زنوبيا. الروم استهانوا بيها، فقررت ترد لهم الاهانة. لغت المعاهدة معاهم، وجمعت جيوش القبائل العربية، وبدأت تضرب في الروم وتدمر جيوشهم واحد ورا التاني من فلسطين السورية لحد مصر. الإمبراطور فالنس اترعب، وبعت يطلب تعمل صلح.
ماوية كانت مسيحية أرثوذكسية (على إيمان مجمع نيقية)، ووافقت على الصلح بس بشرط واحد كان غريب بالنسبة للامبراطور انها عايزة الراهب موسى، اللي عايش في الصحراء، يترسم أسقف على قبيلتها.
مين موسى ده ؟ القديس موسى العربي كان راهب من قبائل العرب، عايش في الصحراء، متوحد، والناس كانت بتتكلم عن قداسته ومعجزاته وعلاجه للأمراض. الإمبراطور وافق علي طول، وجابوا موسى عشان يترسم أسقف في الإسكندرية على إيد أسقف الكرسي السكندري آلاريوسي (عينه الإمبراطور) اسمه لوسيوس. موسى بص للأسقف الآريوسي بكل شجاعة و رفض انه يترسم علي ايد مهرطق ايده مليانة بدم الارثوذكس الابرار. واضطر الإمبراطور يخليه يترسم على إيد أسقف أرثوذكسي منفي في الجبل.
موسى رجع لقبائل تنوخ كأول أسقف عربي ليهم اتلقب بموسي اسقف العرب (السرسان)، وبدأ يبني الكنايس وسط الخيام، ويعمد البدو، وبقى الأب الروحي للملكة ماوية وللعرب. ده من الادلة النادرة في التاريخ علي ان العرب كان ليهم دور في الدفاع عن الإيمان المستقيم في منطقتهم.
وتولى بعده ابنه الإمبراطور غراتيان (Gratian) حكم الغرب الروماني (367-383م)، وكان شاب تقي جدا وتحت التوجيه الروحي المباشر للقديس أمبروسيوس أسقف ميلانو، وهو أول إمبراطور روماني يرفض رسمياً لقب الحبر الأعظم الوثني (Pontifex Maximus) واعتبره إهانة للمسيح. غراتيان شال تمثال آلهة النصر الوثنية من مبنى مجلس الشيوخ الروماني، وألغى الدعم المالي للمعابد والكهنة الوثنيين، وأصدر مراسيم قوية لصالح العقيدة الأرثوذكسية النيقية ضد الأريوسية والهراطقة. الكنيسة بتبجله كإمبراطور قديس وصاحب رؤية جريئة كسر بها البقايا الرسمية للوثنية الرومانية وساند الإيمان المستقيم بكل جوارحه وطاقته السياسية.
وفي البلاط الشرقي، بنلتقي بـ الإمبراطورية إيليا فلاتشيلا (Aelia Flaccilla)، الزوجة الأولى للإمبراطور ثيودسيوس الكبير، وهي سيدة تميزت بتقواها الأسطورية وتواضعها الجم، وكانت مثالاً حياً للمسيحية الحقيقية داخل قصر الحكم الفخم بالقسطنطينية. فلاتشيلا مكانتش بتهتم بمظاهر المجد الملكي، بل كانت بتنزل بنفسها للمستشفيات، وتطبخ للفقراء، وتغسل جروح المرضى والمشلولين بإيديها قائلة : إن صنع الذهب هو عمل الإمبراطور، أما خدمتي للمساكين فهي شكري لله الذي أعطاني الملك. دافعت بصلابة عن الإيمان الأرثوذكسي المستقيم وضغطت على زوجها لمنع الهراطقة من نشر أفكارهم، وتبجلها الكنيسة الميافيزية كقديسة عظيمة وأم حنون لكل مسكين.
وفي الغرب (383-388م)، بيظهر الإمبراطور ماغنوس ماكسيموس (Magnus Maximus)، اللي استولى على العرش بالقوة في بريطانيا والغال بعد قتله لغراتيان، ورغم إنه تاريخياً بيعتبر مغتصب للعرش، إلا إنه كان مسيحي أرثوذكسي غيور جدا لإيمان نيقية وحاول يكتسب شرعيته من خلال الدفاع عن الكنيسة. ماكسيموس اشتهر في التاريخ الكنسي بكونه أول إمبراطور يأمر بإعدام هرطوقي (بريسليان أسقف أفيلا) بتهمة السحر والهرطقة باستخدام المحاكم المدنية، وهو تصرف عارضه القديس أمبروسيوس خوف من تدخل الدولة في العقيدة. الكنيسة بتذكره كحاكم أرثوذكسي قوي ساند العقيدة بأسلوب سياسي عنيف تسبب في النهاية في سقوطه ومقتله على يد ثيودسيوس الكبير.
وفي نفس الوقت، كان الإمبراطور فالنتينيان الثاني (Valentinian II) بيحكم أجزاء من الغرب (إيطاليا) تحت وصاية والدته الأريوسية جوستينا اللي حاولت تجبر القديس أمبروسيوس على تسليم كنائس ميلانو للأريوسيين، لكن الشاب تأثر بصلابة الكنيسة وصمد ضد رغبة أمه لاحقا. بعد هروبه لثيودسيوس الكبير وزواجه من أخته، اعتنق فالنتينيان الثاني الإيمان الأرثوذكسي المستقيم بالكامل ورفض الأريوسية والوثنية، وحاول يحكم بعدالة وروية تحت إرشاد أمبروسيوس لحد ما اتقتل غدر وهو لسه شاب صغير في بلاد الغال. الكنيسة بتبجله كملك مظلوم وضحيّة للمؤامرات السياسية، وتأثرت بموته المأساوي واعتبرته ابن بارا للكنيسة الأرثوذكسية متمسكاً بالعقيدة.
ومن قلب العائلة الإمبراطورية الرومانية في أواخر القرن الرابع، بتخرج لنا أروع قصة زهد رهباني قبطي : القديسان مكسيموس ودوماديوس (Maximus and Domitius)
، أولاد الإمبراطور الروماني (التقليد القبطي بيربطهم بوالد فالنتينيان أو حاكم روماني كبير اسمه لارجانيوس). الشابين دول سابوا مجد روما والقصور والتيجان، وسافروا سرا لسوريا ليتعلموا الرهبنة، ومنها جائوا لبرية شيهيت (وادي النطرون) في مصر ليتتلمذوا على إيد القديس مكاريوس الكبير وعاشوا في مغارة صغيرة بياكلوا من عمل إيديهم في ضفيرة الخوص وزهد تام. ماتوا وهم في سن الشباب من شدة النسك والطهارة، وبنى الأنبا مكاريوس كنيسة فوق مغارتهم تسمى دير البراموس (أي دير الروم)، وبتكرمهم الكنيسة القبطية كقديسين عظام فضلوا فقر البرية على عرش روما.
ونختم القرن الرابع بـ الإمبراطور ثيودسيوس الكبير (ثيودسيوس الأول)، الراجل اللي أخذ القرار التاريخي بجعل المسيحية الأرثوذكسية النيقية هي الدين الرسمي الوحيد للإمبراطورية الرومانية، وحظر تماما العبادات الوثنية والممارسات السحرية وهدم جزء معبد السيرابيون بالإسكندرية بسبب العصابات الوثنية كانت بتخطف و تقتل المسيحين هناك و حولت المعبد لاشبه بثكن عسكرية يقتلوا منها المسيحين. ثيودسيوس هو اللي دعا لعقد مجمع القسطنطينية المسكوني الثاني عام 381م اللي صاغ الجزء الأخير من قانون الإيمان وحارب هرطوقية مقدونيوس، واشتهر بتواضعه وخضوعه لتأديب الكنيسة لما القديس أمبروسيوس منعه من دخول الكنيسة بعد مجزرة تسالونيكي وقبل التأديب وبكى تائبا. تبجله الكنيسة الميافيزية كحامي حمى الإيمان الأرثوذكسي ومثبّت الكنيسة الجامعة فوق عروش الطغيان.
=================================
الفصل الرابع : صراعات المجامع الكنسية وملوك الشرق والأرمن (القرن الخامس الميلادي)
مع بداية القرن الخامس، تولى الإمبراطور اركاديوس (395-408م) حكم الإمبراطورية البيزنطية الشرقية، وكان ابن لثيودسيوس الكبير، وتميز عهده بالاستقرار الإداري لكنه شهد صراعات دينية حادة داخل العاصمة القسطنطينية. اركاديوس كان ضعيف الشخصية وتأثر بزوجته الإمبراطورة إيدوكسيا اللي دخلت في صدام شهير وقاسي مع القديس يوحنا ذهبي الفم بطريرك القسطنطينية بسبب توبيخه لبذخ القصر، وانتهى الأمر بنفي ذهبي الفم. رغم الأخطاء السياسية للبلاط، إلا إن اركاديوس حافظ على العقيدة الأرثوذكسية الرسمية ومنع التيارات الهرطوقية من التغلغل في مفاصل الدولة، وبتذكره الكنيسة الميافيزية كجزء من السلالة الثيودوسية اللي حافظت على الإيمان النيقي المستقيم قبل الانقسام الكبير.
وفي نفس التوقيت، كان أخوه الإمبراطور هونوريوس (Honorius) بيحكم الإمبراطورية الرومانية الغربية من عاصمته الجديدة رافينا، وشهد عهده الكارثة التاريخية الكبرى بسقوط روما واجتياحها على يد القوط الغربيين بقيادة ألاريك عام 410م. هونوريوس كان مسيحي أرثوذكسي متدين جدا لكنه افتقد الكفاءة العسكرية، وسخر جهوده لاهوتيا لإصدار قوانين صارمة ضد الدوناتيين في شمال إفريقيا والبيلاجيين وحظر الوثنية في الغرب الروماني. الكنيسة بتشوف عهده كفترة تحول مأساوية في جغرافيا الإمبراطورية لكنها شهدت ثباتاً عقائديا، ودعمه لقرارات الكنيسة الجامعة ساهم في الحفاظ على الوحدة الروحية للغرب المسيحي في مواجهة البرابرة و بردو في عصره هو انتهت حلبة المصارعين او الGladiators
في يناير سنة 404 م، الإمبراطور الشاب هونوريوس كان بيحتفل بانتصار عسكري في روما، وعمل عروض جلادياتورز ضخمة في المدرج (الكولوسيوم).
أثناء القتال والشعب بيصرخ ومتحمس للدم، نزل راهب مسيحي قادم من الشرق اسمه تيليماخوس (Telemachus) وسط الحلبة. فا الراهب وقف بين المصارعين وحاول يفرقهم وهو بيصرخ ويقولهم : اوقفوا هذا الجرم ! لا تقتلوا إخوانكم .الجمهور اتجنن و العاطفة والتعصب للرياضة عماتهم، وهجموا عليه ورجموه بالحجارة لحد ما استشهد في مكانة جوة الحلبة.
الموقف ده صدم الإمبراطور و خلاه ياخد خطوات كتير جريئة اولا اعتبر تيليماخوس شهيد، واستغل المشهد المرعب ده عشان ياخد قرار حاسم.
أصدر مرسوم إمبراطوري بإلغاء وقطع عروض الجلادياتورز وبدون أي استثناء في الإمبراطورية الغربية.
ومن اليوم ده، العروض الدموية بين البني آدمين انتهت للأبد في الكولوسيوم ومدرجات الغرب.
وكان داعم للقديس أغسطينوس ضد الهرطقة البيلاجيانية (اللي بتنكر الخطية الجدية). الكنيسة بتذكره كإمبراطور وضع نهاية دينية لطقوس روما الوثنية المتوحشة.
وفي مملكة أرمينيا المضطربة بين الروم والفرس في بداية القرن الخامس (389-414م)، بيظهر الملك فرامشابوه (King Vramshapuh of Armenia)، الحاكم الحكيم اللي قدم أعظم خدمة ثقافية وروحية في تاريخ الأمة الأرمنية على الإطلاق. بفضل دعمه السياسي والمالي المباشر وتشجيعه، قدر القديس ميسروب ماشدوتس يبتكر الأبجدية الأرمنية ويترجم الكتاب المقدس والليتورجيا الكنسية للغة الأرمنية القومية. الاختراع ده مكنش مجرد إنجاز لغوي، بل كان السلاح السحري والأقوى اللي حافظ على هوية واستقلال الكنيسة الأرمنية الأرثوذكسية الميافيزية وحماها من الذوبان الثقافي والديني وسط الإمبراطوريات المحيطة، ولهذا تبجله الكنيسة الأرمنية كملك قديس ومستنير.
وفي بلاد الفرس الساسانية (استشهد عام 421م)، بنلتقي بـ الأمير يعقوب المقطع (St. James Intercisus)، النبيل العظيم والقائد العسكري المقرب جداً لملك الفرس يزدجرد الأول، اللي من كتر حبه ليه وصداقته معاه، ضعف يعقوب وأنكر مسيحيته مؤقتاً وبخر للنار مجاملة للملك. لما أمه وزوجته عرفوا، بعتوا له رسالة توبيخية عنيفة ومؤثرة قالوا له فيها : لقد فضلت مجداً فانياً على الملك السماوي، فاعلم أننا تبرأنا منك، فاهتز ضميره وبكى بمرارة، وراح للملك وأعلن إيمانه بالمسيح بكل شجاعة. عقاب الملك كان أبشع عقاب في التاريخ؛ أمر بتقطيع أطرافه حي حتة حتة (أصابعه ثم يديه ثم قدميه)، وهو كان بيصلي مع كل قطعة بتنفصل، ولذلك لقب بـ المقطع، ويحظى بتبجيل أسطوري في الكنيسة السريانية كرمز للتوبة الجسورة.
وبتظهر في الغرب الروماني الإمبراطورة العظيمة جالا بلاسيديا (Galla Placidia)، ابنة ثيودسيوس الكبير وأخت اركاديوس وهونوريوس، وهي واحدة من أقوى النساء وأعجبهم سيرة في التاريخ؛ أسرها القوط، وتزوجت ملكهم، ثم رجعت روما وحكمت كوصية على ابنها فالنتينيان الثالث. بلاسيديا كانت أرثوذكسية ميافيزية النزعة في التقوى وبنت كنائس أثرية جميلة في رافينا وروما مليانة بالفسيفساء النادرة، وكانت مخلصة جدا لكرسي الإسكندرية والبابا كيرلس عمود الدين ودافعت عن قرارات مجمع أفسس الأول عام 431م ضد النسطورية. الكنيسة بتذكرها باحترام هائل كمدبرة سياسية فذة حمت الكنيسة الأرثوذكسية من الانهيار العقائدي والسياسي وسط عواصف الغزو البربري.
ويأتي الإمبراطور ثيودسيوس الصغير (ثيودسيوس الثاني) ليحكم الشرق البيزنطي (408-450م) لأكثر من أربعين سنة، واشتهر بإنشاء قانون ثيودسيوس وتأسيس جامعة القسطنطينية، لكن أهميته الكبرى تكمن في كونه الإمبراطور الذي دعا لعقد مجمع أفسس المسكوني الثالث عام 431م بنصيحة من القديس كيرلس الكبير بطريرك الإسكندرية. ثيودسيوس الصغير ساند بقوة العقيدة الأرثوذكسية ضد هرطوقية نسطور وصادق على عزله، وحافظ على السلام الكنسي العام في إمبراطوريته وكان يعيش حياة نسكية أشبه بالرهبان داخل القصر الإمبراطوري يقرأ الكتب المقدسة بالليل. تبجله الكنيسة الميافيزية كملك بار وحارس للعقيدة الأرثوذكسية وجامع للمجمع المسكوني الثالث المعترف به لديهم.
وفي منتصف القرن الخامس (عام 451م)، بنروح لأرمينيا لنشهد أعظم ملحمة كنسية وقومية بقيادة القديس فاردان ماميكونيان (St. Vardan Mamikonian)، القائد العام للجيوش الأرمنية، اللي بيعتبره كل أرمني الرمز الأول للتضحية والشهادة. القصة بتبدأ لما حاول الساسانيون الفرس فرض الديانة الزرادشتية (عبادة النار) على أرمينيا بالقوة وهدم الكنائس، فرفض فاردان وقاد ثورة مسلحة دفاعا عن حرية الإيمان الأرثوذكسي الميافيزي واستشهد مع رجاله الـ 1036 في معركة أواير (Battle of Avarayr)
الشهيرة. استشهاده مكنش هزيمة، بل زرع صمود أسطوري في قلوب الأرمن اللي رفضوا الرضوخ للفرس، وبيعتبر القديس فاردان الشفيع الروحي والقومي للأمة الأرمنية الشقيقة وبطلها الخالد.
وفي فترة الاضطرابات الكنسية اللي تلت مجمع خلقيدونية، استولى الإمبراطور Basiliscus (باسيلسكس) على عرش القسطنطينية لفترة قصيرة (475-476م)، وأأخذ خطوة تاريخية جعلته بطل في عيون الكنائس الميافيزية المناهضة لخلقيدونية. باسيلسكس أصدر مرسوم إمبراطوري شهير يُعرف باسم إنكيكليكون (Enkyklikon)
، ألغى فيه رسميا مجمع خلقيدونية وطومس لاون، وأعاد الاعتبار لعقيدة طبيعة المسيح الواحدة المتجسدة وإيمان المجامع الثلاثة الأولى، ووقع على المرسوم ده أكتر من 500 أسقف شرقي. ورغم إنه اخلع ومات ميتة مأساوية، فالكنيسة الميافيزية بتسجل اسمه في تاريخها كأول إمبراطور بيزنطي امتلك الشجاعة السياسية لرفض الخلقيدونية ومساندة الأرثوذكسية المشرقية علنا
وبتستمر الملحمة الأرمنية في أواخر القرن الخامس مع الملك فاهان ماميكونيان (Vahan Mamikonian)، ابن شقيق القديس فاردان، اللي تولى قيادة حركة المقاومة وحرب العصابات الذكية ضد الاحتلال الفارسي الساساني بعد استشهاد عمه. فاهان بعبقريته العسكرية وحنكته السياسية قدر ينهك الإمبراطورية الفارسية ويجبر الشاه الفارسي على توقيع معاهدة نوارساك التاريخية عام 484م، وهي المعاهدة اللي ضمنت لأرمينيا الحرية الدينية الكاملة، وإعادة بناء الكنائس، واستقلال كنيستها الأرثوذكسية الميافيزية وإلغاء الزرادشتية. الإنجاز العظيم ده حمى أرمينيا من الذوبان العقائدي، وتكرمه الكنيسة كبطل قومي وروحي فذ سخر الدبلوماسية الحربية لإنقاذ الكنيسة والشعب.
ويتولى الإمبراطور زينون حكم بيزنطة (474-491م) في فترة انقسام كنسي حاد، وحاول بذكاء سياسي ردم الفجوة اللاهوتية الكبرى وإنقاذ الإمبراطورية من التمزق من خلال إصدار مرسومه الشهير الهينوتيكون (مرسوم الاتحاد) عام 482م بالتعاون مع بطريرك القسطنطينية أكاكيوس وبابا الإسكندرية بطرس مونغوس الثالث و بطرك انطاكية بطرس القصار . المرسوم ده تخطى مجمع خلقيدونية وتمسك بإيمان نيقية والقسطنطينية وأفسس وأدان نسطور وأوطاخي، مما جلب السلام المؤقت وأرضى الكنائس الميافيزية الشرقية (مصر وسوريا) وحقق الوحدة الروحية لفترة من الزمن ضد روما الغربية. الكنيسة الميافيزية بتقدس جهوده السياسية واللاهوتية وتعتبر عهده العصر الذهبي للسلام.
الأميرة شوشانيك (Saint Shushanik)
بنت القائد العظيم فاردان ماميكونيان، وورثت منه كل شجاعته. اتجوزت أمير جورجي اسمه فارسكين. الأمير ده، عشان يكسب رضا الفرس، ارتد عن المسيحية وبقى زرادشتي، وطلب من شوشانيك إنها تعمل زيه وتشاركه الطقوس. شوشانيك رفضت رفض قاطع إنها تخون المسيح أو ذكرى أبوها الشهيد. جوزها سجنها في زنزانة مظلمة، وكان بيضربها ويهينها بشكل يومي لمدة 6 سنين متواصلة، لحد ما ماتت من شدة التعذيب والجوع. شوشانيك بتُبجل كبطلة وقديسة شهيدة في الكنيستين الأرمنية والجورجية كأيقونة للمرأة التي لا تقهر.
وفي قلب البلاط البيزنطي الساخن بالأحداث، بتظهر الإمبراطورة أريادني (Empress Ariadne)، ابنة الإمبراطور ليو الأول (الي كان خلقدوني و مجرم بحق الكنايس الارثوذكسية المشرقية) وزوجة الإمبراطور زينون ثم زوجة الإمبراطور انستاسيوس الأول، وهي السيدة اللي قادت الدبلوماسية الملكية لبيزنطة لأكثر من أربعين سنة بحكمة سياسية نادرة. أريادني كانت مقتنعة تماماً بمرسوم الهينوتيكون اللي أصدره زوجها زينون، واستخدمت نفوذها الطاغي لحماية الرهبان والأساقفة الميافيزيين المناهضة لخلقيدونية، وضمنت تولي انستاسيوس (الميافيزي الغيور) للعرش بعد وفاة زينون لتأمين استمرار السلام العقائدي. التاريخ الكنسي بيبجلها كمهندسة سياسية بارعة في القصر حافظت على توازن الإمبراطورية ومنعت اضطهاد الأرثوذكس المشرقيين في حقبة مليانة بالألغام اللاهوتية و ان كانت مرفضتش مرسوم خلقدونية بالكامل بل مجرد تجاهلته زي زينون لكن المهم انها ماذتش الكنيسة لذلك في احترام لها شديد.
وتكتمل دراما عائلة الإمبراطور زينون بقصة ابنته الكبرى القديسة هيلارية ابنة الإمبراطور زينون (Saint Hilaria)، الفتاة التي هزت وجدان القسطنطينية ومصر؛ ففي عز مجد والدها الإمبراطوري، هربت هيلارية سرا من القصر، وخلعت ملابس الأميرات، وجاءت إلى صحراء مصر (برية شيهيت/وادي النطرون) متنكرة في زي رجل وعاشت كراهب متواضع باسم الراهب هيلاري. عاشت سنوات طويلة في نسك صارم ميعرفوش إلا الرب يسوغ، ولم يكتشف أمرها إلا لما والدها الإمبراطور بعت أختها الصغرى للدير عشان يشفوها من مرض صرع، فاحتضنتها هيلارية وشفتها بصلاتها. بعد كشف السر، تعهد الإمبراطور زينون برعاية أديرة وادي النطرون وبناء مباني فخمة للأقباط إكراما لبنته، وتُبجل في السنكسار القبطي كقديسة عظيمة.
بطرس او بيتر الأيبيري (Peter the Iberian)
شخصية كنسية و مؤرخ ارثوذكسي زي الجبل في لاهوت و تاريخ الكنيسة الميافيزية. اسمه الحقيقي الأمير مورفان، من العائلة المالكة في جورجيا (أيبيريا). راح القسطنطينية كرهينة سياسية، لكنه هرب من القصر الإمبراطوري وراح فلسطين يترهبن. بقى أسقف مدينة مايوما (غزة). بطرس كان من أشرس المدافعين عن العقيدة اللاخلقدونية (الميافيزية) في الشرق الأوسط كله، ورفض تماما يوقع على قرارات مجمع خلقيدونية. أسس أديرة، وكتب رسائل لاهوتية عميقة، وكان القائد الروحي لحركة المقاومة اللاهوتية في فلسطين وسوريا ضد الأباطرة الخلقدونيين. الكنيسة السريانية والقبطية والجورجية (القديمة) بتبجله كمفكر وناسك عظيم و الي كمل مسيرته من بعد تلاميذه زي المؤرخ الكنسي يوحنا روفوس و صديقه المؤرخ القديس الاسقف زكريا البليغ.
=================================
الفصل الخامس : العصر الذهبي للميافيزية وحماة الثغور (القرن السادس والسابع الميلادي)
مع بداية القرن السادس الميلادي، تولى انستاسيوس الاول (491-518م) عرش بيزنطة، وكان ميافيزي غيور ومخلص لابعد حد لعقيدة طبيعة المسيح الواحدة المتجسدة، ومؤيد لمرسوم الهينوتيكون، وشهد عهده انتعاش وازدهار غير مسبوق لكنائس مصر وسوريا وأنطاكية . انستاسيوس ساند البابا يوحنا الثاني بطريرك الإسكندرية، و رشح القديس ساويرس الأنطاكي (تاج السريان) بطريرك لإنطاكية، وحمى الكنيسة الأرثوذكسية المشرقية من التدخلات الخلقيدونية الصارمة، وتميز عهده بإصلاحات اقتصادية رفعت الضرائب عن كاهل الفقراء و نهضة اقتصادية ضخمة . تبجله الكنيسة الميافيزية القبطية والسريانية كإمبراطور قديس وصاحب غيرة رسولية فذة، ومثّل حكمه السد المنيع الأخير للعقيدة المستقيمة في عاصمة بيزنطة.
وفي شبه الجزيرة العربية (اليمن/نجران عام 523م)، بنلتقي بـ الحارث بن كعب - القديس أريثاس النجراني (St. Arethas of Najran)، الزعيم النبيل والحاكم العربي المسيحي لمدينة نجران، اللي قاد شعبه في ملحمة استشهاد أسطورية ذكرها التاريخ . القصة بدأت لما غزا الملك الحميري اليهودي ذو نواس المدينة وخيّر أهلها بين إنكار المسيحية وعقيدة الثالوث أو الحرق أحياء في أخدود النار، فوقف الحارث بن كعب، وهو شيخ وقور، وثبّت آلاف المؤمنين من رجال ونساء وأطفال ورفض التنازل. أعدم الحارث مع عائلته وآلاف المسيحيين النجرانيين (ميافيزيين تابعين عقائديا لكرسي الإسكندرية وأنطاكية)، واستشهادهم الدموي زلزل المشرق كله ودفع الملوك المسيحيين للتحرك العسكري، ويُبجل كشهيد وقائد بار.
ورد الفعل العسكري السريع ده جه من إفريقيا، بقيادة الملك كالب (King Kaleb of Aksum)، إمبراطور أكسوم العظيم في القرن السادس، اللي لما سمع بمجزرة مسيحيي نجران واستشهاد القديس الحارث، تحركت فيه الغيرة المسيحية وجهّز أسطول بحري ضخم وجيش عملاق عبر بيه البحر الأحمر وأنقذ مسيحيي اليمن وهزم الطاغية ذو نواس. كالب أعاد بناء الكنائس المهدمة في نجران وصنع مجد عسكري وسياسي غير مسبوق لإمبراطورية أكسوم، لكن المفاجأة المذهلة إنه بعد رجوعه، تنازل طواعية عن العرش، وأرسل تاجه الملكي لكنيسة القبر المقدس في اورشليم، وعاش كراهب متواضع زاهد في مغارة جبلية حتى وفاته. تبجله الكنيسة الإثيوبية والقبطية كقديس وملك بطل جمع بين شجاعة المحارب وزهد الرهبان الأبرار.
وتولى الحكم بعده ابنه الإمبراطور جبرا مسقل (Emperor Gabra Masqal) في القرن السادس الميلادي، وفي عهده وصلت إمبراطورية أكسوم إلى ذروة ازدهارها الثقافي والفني والروحي، وعاش الإقليم في سلام واستقرار باهر. جبرا مسقل كان الراعي والداعم الأول للقديس يارد النابغة الموسيقي الإثيوبي اللي ابتكر النوتة الموسيقية والطقوس والألحان الكنسية الثلاثة العريقة للحبشة، وبنى الإمبراطور العديد من الأديرة المعجزة هندسياً فوق قمم الجبال مثل دير دبرة دامو الشهير. بتكرمه الكنيسة الإثيوبية والقبطية كملك بار ومستنير ساهم في تشكيل الهوية الطقسية والفنية واللاهوتية للكنيسة الميافيزية الإفريقية وجعل عهده فجر للنهضة الروحية.
وفي السودان وجنوب مصر في القرن السادس الميلادي، بنلتقي بـ الملك سيلكو (King Silko)، حاكم مملكة نوباتيا (النوبة الشمالية)، وهو شخصية تاريخية محورية ومؤسس التحول المسيحي الشامل في بلاد النوبة. سيلكو نجح في توحيد القبائل والممالك النوبية وطرد قبائل البليميين الوثنية (البجا) اللي كانت بتغير على جنوب مصر وتهدد الكنائس، وسجل نقش تاريخي شهير باللغة اليونانية على جدران معبد كلابشة يعلن فيه انتصاراته بقوة الرب يسوع. عهده كان البوابة الملكية اللي دخلت منها الإرساليات الأرثوذكسية الميافيزية اللي بعتتها الإمبراطورية ثيودورا، ليتحول النوبيون بالكامل للإيمان الأرثوذكسي التابع لكرسي الإسكندرية ويصبحوا درع حامي لمصر والكنيسة القبطية لقرون.
ومن قصر الحكم في بيزنطة (500-548م)، بتشرق شخصية الإمبراطورة ثيودورا (Empress Theodora)، زوجة الإمبراطور جستينيان الأول، وهي واحدة من أذكى وأقوى النساء في التاريخ، وكانت ميافيزية مخلصة وعقل لاهوتي وسياسي فذ دافع عن الأرثوذكس المشرقيين بكل ثقلها الإمبراطوري. ثيودورا استغلت نفوذها الطاغي لحماية الرهبان والبطاركة المضطهدين (مثل القديس ساويرس الأنطاكي والبابا ثيودوسيوس الاول) ووفرت لهم ملاجئ داخل القصر الإمبراطوري، وبعتت إرساليات تبشيرية ميافيزية سبقت بها جستينيان لتحويل ممالك النوبة للمسيحية الأرثوذكسية المستقيمة. الكنيسة الميافيزية بتبجلها كبطلة خارقة للإيمان، ولولا ذكاؤها السياسي لتعرض الهيكل العقائدي والكنسي الأرثوذكسي المشرقي للإبادة الكاملة.
وفي بلاد الشام والبادية العربية في القرن السادس (توفي 569م)، بيظهر الملك الحارث بن جبلة (King Harith bin Jabalah)، حاكم مملكة الغساسنة العرب والقائد العسكري الفذ المتحالف مع بيزنطة، وهو من أهم الشخصيات السياسية اللي أنقذت الكنيسة السريانية الأرثوذكسية من الاندثار التام. الحارث كان ميافيزي أرثوذكسي متعصب لإيمانه، واستغل ثقله العسكري والسياسي لدى الإمبراطورة ثيودورا ليطلب منها سيامة أساقفة ميافيزيين سرا لإعادة بناء الكنيسة المنهكة من الاضطهاد، وعلى رأسهم القديس الاسقف المبارك يعقوب البرادعي (مؤسس النهضة السريانية). بفضل حماية الحارث ورعايته، طاف البرادعي المشرق كله وسام آلاف الكهنة والأساقفة، ليعيد بناء الهيكل الكنسي بالكامل، وتذكره الكنيسة السريانية والقبطية كبطل تاريخي عظيم.
وسار على خطاه ابنه الملك المنذر بن الحارث (Al-Mundhir III ibn al-Harith)، اللي تولى حكم الغساسنة وقاد الجيوش العربية بقوة عسكرية خارقة وحمى حدود الإمبراطورية الشرقية من المناذرة النساطرة حلفاء الفرس والفرس وحقق انتصارات ساحقة. المنذر مكنش مجرد محارب، بل كان لاهوتي ومدافع شرس عن العقيدة الميافيزية، وعقد مجمع كنسي في العاصمة الجابية عام 580م للمصالحة وتوحيد التيارات الميافيزية المشرقية وتثبيت الإيمان الأرثوذكسي. بسبب رفضه القاطع لتقديم أي تنازلات عقائدية لكنيسة العاصمة الخلقدونية ورغم خدماته العسكرية الجليلة، غدر بيه الأباطرة البيزنطيون ونفوه إلى صقلية وجردوه من ملكه، وتذكره الكنيسة السريانية والقبطية كبطل ضحى بتاجه ومملكته من أجل الإيمان.
وفي أواخر القرن السادس (578-582م)، تولى الإمبراطور تيبيريوس الثاني (Tiberius II Constantine) عرش بيزنطة، وتميز عهده بنزعة إنسانية وتسامح ديني كبير حاول من خلاله تخفيف حدة الاضطهاد المرير اللي كان بيعاني منه المسيحيون الميافيزيين (الأقباط والسريان) على يد أسلافه. تيبيريوس كان كريم جدا، وألغى العديد من الضرائب المرهقة، ورفض التدخل العنيف لفرض الخلقيدونية بالقوة العسكرية في مصر والشام، مما أعطى الكنيسة القبطية والسريانية فترة التقاط أنفاس قصيرة لتنظيم أمورها الداخلية وبناء أديرتها. الكنيسة بتبجله كحاكم عادل وصاحب قلب رحيم، ورغم قصر مدة حكمه إلا إنه ساب أثر طيب في التاريخ الكنسي الشرقي كمثال للإمبراطور الإنساني .
ومع بداية القرن السابع الميلادي، بنروح للإمبراطورية الفارسية الساسانية لنلتقي بـ الملكة شيرين الفارسية (Queen Shirin)، الزوجة المفضلة للإمبراطور العظيم كسرى الثاني (بارفيز)، وهي شخصية نسائية خارقة التأثير عاصرت فترات الحروب الطاحنة بين الفرس والروم. في الوقت اللي كان كسرى بيعبد النار (زرادشتي)، شيرين كانت مسيحية أرثوذكسية ميافيزية (سريانية الثقافة)، واستغلت نفوذها العاطفي والسياسي الطاغي على كسرى لحماية المسيحيين الأرثوذكس من الاضطهاد والقتل داخل بلاد الفرس. شيرين بنت أديرة فاخرة وكنائس ضخمة في قلب العاصمة الفارسية (تيسفون)، ودعمت اللاهوتيين السريان، وتاريخ الكنيسة السريانية بيذكرها بفخر واعتزاز كبطلة للإيمان الأرثوذكسي وقفت كحمامة سلام حامية للكنيسة.
=================================
الفصل السادس : ملوك النوبة وإفريقيا الأرثوذكس (من العصور الوسطى حتى العصر الحديث)
في مطلع القرن الثامن الميلادي، بيشرق اسم الملك مرقوريوس (King Mercurios)، حاكم مملكة المقرة النوبية الموحدة، وهو شخصية تاريخية فذة يلقب في التاريخ الكنسي بـ قسطنطين الجديد نظراً لإنجازاته العقائدية والسياسية المهمة الي غيرت جغرافيا المنطقة. مرقوريوس نجح بعبقرية في دمج وتوحيد ممالك النوبة المسيحية كلها تحت راية الإيمان الأرثوذكسي الميافيزي المستقيم التابع مباشرة لكرسي الإسكندرية القبطي، وطرد التيارات الخلقيدونية. جعل النوبة حائط سد منيع وعمق استراتيجي وعسكري مرعب لحماية الكنيسة القبطية والأقباط في مصر ضد أي تعسف، وتبجله الكنيسة كقديس وملك بطل سخر قوته السياسية لخدمة الكرسي المرقسي.
وفي القرن التاسع الميلادي، بنلتقي بـ الملك جورجيوس الأول (King Georgios I of Makuria)، الحاكم الحكيم لمملكة المقرة العظيمة، صاحب الرحلة الدبلوماسية التاريخية الأشهر في العصور الوسطى إلى بغداد عاصمة الخلافة العباسية عام 836م لتسوية أمور معاهدة البقط التجارية وتخفيف الضرائب. جورجيوس استُقبل بحفاوة بالغة في بغداد بفضل ذكائه وهيبته الملكية، ونجح في تخفيف القيود المالية والضغوط السياسية عن مسيحيي النوبة ومصر، وتوطيد العلاقات. عهده كان بمثابة العصر الذهبي للاستقرار الروحي والثقافي للكنيسة النوبية، وكان حليف استراتيجي قوي وقريبا جدا لبطاركة الإسكندرية الأقباط، وتذكره الكنيسة كمدبر دبلوماسي فذ حمى شعب الله بذكائه وحنكته.
وبتوصل الدراما الملوكية النوبية لذروتها في القرن الحادي عشر الميلادي مع الملك سُلمون ملك النوبة (King Solomon of Nubia)، الحاكم العظيم، الراجل اللي قصته بتذهل العقول من كتر التقوى والزهد الأسطوري؛ ففي عز قوته ومجده الملكي، قرر يتنازل عن العرش طواعية لابن أخته وساب القصور والتيجان. سُلمون سافر سرا لمصر ودخل البرية وتنكر وعاش كراهب زاهد متواضع في دير القديس أبو نفر السائح، يقضي ليله ونهاره في الصلاة والدموع. لما السلطات عرفت مكانه نقلته للقاهرة واحترموه جدا وعاش في ضيافة الكنيسة، ولما مات، من كتر تبجيل واحترام الكنيسة القبطية والبابا ليه، تم دفنه إجلالا في مقابر بطاركة الأقباط بالقاهرة (دير الأنبا رويس حاليا)، وبقى رمز ملكي للزهد الكامل.
وفي إثيوبيا خلال القرن الحادي عشر والثاني عشر، بنتعرف على الملك يمرهانة كريستوس (King Yemrehana Krestos)، حاكم إمبراطورية إثيوبيا من سلالة زاجوي العريقة، والراجل ده مكنش مجرد حاكم سياسي بل كان كاهن مساق بالروح وزعيم روحي زاهد بيقضي وقته في الليتورجيا والعبادة. يمرهانة بنى واحدة من أروع وأعجب الكنائس المعمارية في تاريخ إفريقيا والعالم داخل كهف ضخم من الجرانيت، مصممة بخشب الماهوجني والرخام المحفور بتناغم مذهل بيمزج الفن الأكسومي بالقبطي. الكنيسة الإثيوبية بتبجله كقديس وملك بار، وبتذكره الكنيسة القبطية بالتقدير كحاكم لاهوتي مخلص حافظ على نقاء العقيدة الأرثوذكسية الميافيزية وعمق العلاقات مع بطاركة الإسكندرية الأقباط.
ويأتي بعده الملك لاليبيلا (King Lalibela) في القرن 12/13 الميلادي، الإمبراطور الإثيوبي الأكثر شهرة عالميا وصاحب الرؤية الروحية الهندسية الفذة؛ فالرجل عندما وجد إن المسيحيين في إفريقيا مش قادرين يسافروا للحج في القدس بسبب الحروب الصليبية واضطراب الطرق، أخذ قراراً إلهياً ببناء قدس جديدة في قلب جبال الحبشة. لاليبيلا أشرف بنفسه على نحت 11 كنيسة كاملة في قلب الصخر الجبلي الصلد من تحت الأرض لفوق، في معجزة هندسية ومعمارية حيرت العالم لليوم وتنفيذ روحي عبقري يمثل محطات أورشليم. الكنيسة الإثيوبية والقبطية بتبجله كقديس عظيم جداً وصاحب بصيرة روحية، وتعتبر كنائسه المحفورة في الصخر شاهد حي على عمق الإيمان الميافيزي وتحديه للمستحيل.
وفي القرن الخامس عشر الميلادي (1434-1468م)، بنلتقي بأعظم لاهوتي جلس على عرش إفريقيا: الإمبراطور زرع يعقوب (Emperor Zara Yaqob)، حاكم إثيوبيا الفذ، الراجل اللي مكنش ملك عسكري وبس، بل كان عالم لاهوتي وكاتب غزير ألف العديد من الكتب الكنسية والعقائدية الهامة (مثل كتاب المأخذ وكتاب الضياء). زرع يعقوب قاد حملة تطهير روحي شاملة في بلاده، وحارب الممارسات السحرية والوثنية اللي تسللت للمجتمع، ورسخ العقيدة الأرثوذكسية الميافيزية وقانون الإيمان بقوة وحزم، وعمق الروابط الثقافية والدبلوماسية مع الكنيسة القبطية في مصر. تبجله الكنيسة الإثيوبية كقديس عظيم ومستنير، وتذكره الكنيسة القبطية كبطل حامي للإيمان المستقيم في القارة الإفريقية.
وفي أواخر القرن الخامس عشر وبداية السادس عشر، بتظهر الإمبراطورة إيليني (Empress Eleni)، واحدة من أعظم وأذكى النساء في تاريخ شرق إفريقيا، وهي زوجة الإمبراطور زارا يعقوب، وقادت إثيوبيا كوصية على العرش ومستشارة سياسية وازنة في فترات حرجة جداً مليانة بالتهديدات العسكرية الخارجية. إيليني مكانتش مجرد مدبرة سياسية بل كانت لاهوتية نابغة ألفت كتب في العقيدة ودافعت بشراسة عن الإيمان الأرثوذكسي الميافيزي ضد الأفكار الدخيلة، وقادت الدبلوماسية الإثيوبية بذكاء خارق وفتحت قنوات تواصل دولية لإنقاذ مملكتها من الفناء والانهيار الكنسي. تحظى باحترام تاريخي وكنسي هائل في التراث الإثيوبي والقبطي كأم حكيمة وحارسة أمينة.
وفي القرن السابع عشر الميلادي (1632-1667م)، بنصل لمحطة مصيرية مرعبة في تاريخ الحبشة بقيادة الإمبراطور فاسيليدس (Emperor Fasilides)، المنقذ الأكبر للكنيسة الأرثوذكسية؛ فقبله حاول المستعمرون البرتغاليون واليسوعيون الكاثوليك تحويل إثيوبيا للتشيع الكاثوليكي ونجحوا فعلا في إقناع والده (سوسينيوس) اللي أعلن الكاثوليكية دين رسمي وتسبب في حرب أهلية دموية طاحنة. لما تولى فاسيليدس العرش، أخذ قرار حاسم وفوري و هو طرد جميع اليسوعيين والبرتغاليين من البلاد، وأعاد العقيدة الأرثوذكسية الميافيزية المستقيمة، وأعاد ربط الكنيسة الإثيوبية بكرسي الإسكندرية القبطي علي طول، وأنقذ الأمة من الدمار وضياع الهوية الكنسية والتاريخية. بتبجله الكنيسة الاثيوبية كبطل قومي وروحي فذ.
ونختم هذه السلسلة التاريخية الطويلة والمجيدة في القرن الثامن عشر الميلادي مع الملكة منتواب (Empress Mentewab)، إمبراطورة إثيوبيا العظيمة، السيدة الي لعبت دور سياسي وروحي وثقافي طاغي كوصية على العرش وحاكمة فعلية للبلاد في فترة شهدت الكثير من القلاقل والاضطرابات السياسية الداخلية. منتواب تميزت بتقواها الشديدة وعشقها للتراث الأرثوذكسي، فبنت مجمع كنائس وأديرة ضخم وفخم في مدينة جوندار الإثيوبية (عاصمة الحكم)، وجمعت وحافظت على المخطوطات الكنسية النادرة والكتب اللاهوتية العريقة ودعمت التعليم الكنسي. تذكرها الكنيسة الإثيوبية باحترام واعتزاز كبير كملكة مستنيرة حافظت على شعلة الإيمان متقدة.
=================================
وبكده يا صديقي العزيز، نكون وصلنا لمحطة الوصول في رحلتنا التاريخية الطويلة والدسمة دي. رحلة لفينا فيها في آلة الزمن، وقطعنا آلاف الأميال من رمال الإسكندرية وصعيد مصر، لجبال أرمينيا الوعرة، ومن وديان سوريا وأنطاكية، لمرتفعات إثيوبيا وعمق ممالك النوبة.
لو ركزت في كل قصة شرحتها هتلاقي إن في خيط خفي وواحد بيربطهم كلهم : التجرد المطلق والشجاعة اللي بتكسر المنطق. إحنا مكنّاش بنقرا مجرد أسماء شخصيات تاريخية . إحنا كنا بنمشي جوة متحف حي لعشق العقيدة. شفنا أباطرة وملوك رموا التيجان الإمبراطورية من على راسهم واختاروا يعيشوا في مغارات ويفترشوا التراب، وملكات وأميرات سابوا الحرير وعز القصور وفضلوا ظلمة السجون وسيف الجلاد، وقادة جيوش وجنرالات كانت بترتعد من أسمائهم الإمبراطوريات، ولما جات اللحظة الحاسمة، قلعوا نياشينهم ورموا سيوفهم تحت رجلين إيمانهم.
القائمة دي بتأكد لك بما لا يدع مجال للشك إن الكنيسة الميافيزية (الأرثوذكسية المشرقية) مش مجرد كيان محلي أو تاريخ عابر، دي فسيفساء كونية جبارة اتدفعت فيها أثمان غالية جدا. دم الجندي القبطي امتزج بدم الأمير الأرمني، وحكمة الملك الإثيوبي كملت شجاعة الفارس السرياني، وقوة الجيوش النوبية كانت الحصن اللي احتمت فيه الكنيسة السكندرية قرون طويلة. عقيدة واحدة، اتكتبت سطورها بالدم، واتحافظ عليها بعرق ودموع أجيال رفضت تبيع إيمانها أو تساوم عليه، سواء قدام سيف وثني، أو طاغية بيزنطي، أو غازي فارسي.
التاريخ دايما بيعلمنا إن الإمبراطوريات بتنهار، والجيوش العرمرم بتتبدد، والعروش مهما كانت من دهب بييجي يوم وتاكلها عوامل الزمن. لكن العظمة الحقيقية اللي بتخلد اسم الإنسان، هي إنه يسيب أثر روحي ميتنسيش. الناس دي فهمت المعادلة دي بدري قوي؛ وزنوا بين مجد الأرض ومجد السماء، فاختاروا الباقي وسابوا الفاني. هما دول الأعمدة المخفية والأساسات الصخرية اللي شالت الكنيسة على كتافها في عصور الاستشهاد، وفي عز انشقاقات المجامع، وفي وش كل العواصف والحروب.
بس و سلام المسيح مع الجميع.
=================================
مراجع المقالة :
شخصيات الفصل الاول :
-eusebius.Church History, I, xiii
-Krawczuk, Aleksander (2006). Poczet cesarzowych Rzymu. Warszawa: Iskry
- Lightman, Marjorie and Benjamin Lightman. Biographical dictionary of ancient Greek and Roman women: notable women from Sappho to Helena. New York: Facts On File, 2000, p. 157.
-https://treasuresofrome.it/rome-tours/about-rome/saints/saint-eustace/
-Novak, Ralph Martin (2001). Christianity and the Roman Empire: Background Texts. Bloomsbury T&T Clark.
-Eusebius of Caesarea, Ecclesiastical History VI.34
-De viris illustribus.Chapter 54
-https://web.archive.org/web/20071004223416/http://www.abusefein.org.au/stmerkorious.html
-Piétri, Charles (2002). "Prosecutions". In Levillain, Philippe (ed.). The Papacy: An Encyclopedia. Psychology Press. p. 1156.
- Fr. Paolo O. Pirlo, SHMI (1997). "St. Sebastian". My First Book of Saints. Holy Mary Immaculate – Quality Catholic Publications. pp. 22–23
-Eucherius von Lyon gegen 450. Passiones Acaunensium martyrum .6A* Paris, B.N.F., lat. 9550, VIe s., Lyon / Condat, O.S.B.; manuscrit d'auteur ─ f. 81v─86
===============================
مراجع شخصيات الفصل التاني :
-Agathangelos (1976). History of the Armenians. Translation and commentary by Robert W. Thomson (First ed.). Albany: State University of New York Press. ISBN 0-87395-323-1.
-Bournoutian, George A. (2006). A Concise History of the Armenian People (Fifth ed.). Costa Mesa, California: Mazda Publishers. ISBN 1-56859-141-1.p. 47.
- Domar: the calendrical and liturgical cycle of the Armenian Apostolic Orthodox Church, Armenian Orthodox Theological Research Institute, 2002, p. 443.
-https://armenianprelacy.org/2026/05/28/saints-hripsime-and-gayane-and-their-companions/
-Lampinen, Antti; Mataix-Ferrلndiz, Emilia (2022). Seafaring and Mobility in the Late Antique Mediterranean. Bloomsbury Publishing. p. 14
-Brook, E.W., 1925. Acts of Saint George in series Analecta Gorgiana 8 (Gorgias Press).
https://web.archive.org/web/20200926095239/http://www.copticchurch.net/classes/synex.php?month=5&day=13&btn=View&lang=
https://www.goarch.org/chapel/saints?contentid=2447
https://web.archive.org/web/20210125194516/http://www.ucc.ie/archive/milmart/sergorig.html
https://www.indcatholicnews.com/saint/396
الراهب القمص سمعان السرياني: القديس الشهيد يوليوس الاقفهصي كاتب سير الشهداء.
كتاب "قاموس آباء الكنيسة وقديسيها مع بعض شخصيات كنسية" للقمص تادرس يعقوب ملطي
Labalme, Patricia H. (31 May 2023). Saints, Women and Humanists in Renaissance Venice. Taylor & Francis. p. 43, 204
Rene Basset: Le Synaxaire Arabe, Toubeh 12.
https://www.copticchurch.net/synaxarium/saints/manas.html
Martyrologium Romanum (Libreria Editrice Vaticana 200
https://www.britannica.com/biography/Saint-Catherine-of-Alexandria
https://st-takla.org/books/en/church/synaxarium/07-baramhat/08-paramhat-arianus.html
https://www.st-mary-alsourian.com/index.php?option=com_content&view=article&id=2987:the-martyrdom-of-st-abaskhiroun-the-soldier&catid=79:english&lang=en
https://st-takla.org/books/en/church/synaxarium/08-bermodah/27-baramouda-boctor.html
https://www.copticchurch.net/synaxarium/10_11.html?lang=en
الاستشهاد في المسيحية، صفحة 129.
===============================
مراجع شخصيات الفصل التالت :
https://roman-emperors.sites.luc.edu/helena.htm
Life of Constantine (Eusebius Of Caesarea)
Stuart Munro-Hay (2002). Ethiopia: The Unknown Land. I.B. Tauris. p. 41.
Hein, Ewald (1999). Ethiopia, Christian Africa : art, churches and culture. Ratingen : Melina-Verlag. pp. 99–100.
Baker-Brian, Nicholas; Tougher, Shaun (2020). The Sons of Constantine, AD 337-361: In the Shadows of Constantine and Julian.
Hunt, David (1998). "The successors of Constantine". In Averil Cameron & Peter Garnsey (eds.). The Cambridge Ancient History XIII: The Late Empire, A.D. 337–425.
Gwynn, David M. (2012). Athanasius of Alexandria: Bishop, Theologian, Ascetic, Father. Oxford University Press.
Frend, W.H.C. (2003). The Early Church: From the Beginnings to 461.
Saint-Laurent, Jeanne-Nicole Mellon (2019). "Christian Legend in Medieval Iraq: Siblings, Sacrifice, and Sanctity in Behnam and Sarah". In Georgia Frank; Susan Holman; Andrew Jacobs (eds.). The Garb of Being: Embodiment and the Pursuit of Holiness in Late Ancient Christianity. Fordham University Press. pp. 191–221.
Wolper, Ethel Sara (2014). "Khidr and the Politics of Translation in Mosul: Mar Behnam, St George and Khidr Ilyas". In Gharipour Mohammad (ed.). Sacred Precincts: The Religious Architecture of Non-Muslim Communities Across the Islamic World. Brill. pp. 377–392.
Ammianus Marcellinus. Rerum gestarum libri qui supersunt. W. Seyfarth, ed. 3 vols. Leipzig, 1978.
Charles, Robert H. (2007) [1916]. The Chronicle of John, Bishop of Nikiu: Translated from Zotenberg's Ethiopic Text. Merchantville, NJ: Evolution Publishing.
Consularia Constantinopolitana. T. Mommsen ed., Monumenta Germaniae Historica, Auctores Antiquissimi. Volume 9. Berlin, 1892.
Codex Theodosianus. T. Mommsen, P.M. Meyer, and P. Krüger, eds. Theodosiani libri XVI cum constitutionibus Sirmondianis et leges novellae ad Theodosianum pertinentes (2 vols.). Berlin, 1905.
Corpus Inscriptionum Latinarum. Vol. 6. T. Mommsen, ed. Berlin, 1875.
Epitome de Caesaribus. F.R. Pichlmayr, ed. Leipzig, 1961.
Jerome. Chronicon. R. Helm, ed., in Malcolm Drew Donalson, A Translation of Jerome's Chronicon with Historical Commentary. Lewiston, NY, 1996.
Orosius. Adversus paganos historiarum libri septem. Z. Zangemeister, ed. Corpus scriptorum ecclesiasticorum latinorum 5. Vienna, 1882.
نيجي بقي للملكة ماوية (ماوية بنت عَفْزَر) و القديس موسى العربي
لما مات ملك تنوخ، مراته الملكة ماوية مسكت الحكم. ماوية دي كانت ملكة شديدة القوة والبأس، عربية بدوية قوية تعتبر في التاريخ تاني اهم ملكة في تاريخ الشام المتأخر بعد الملكة زنوبيا. الروم استهانوا بيها، فقررت ترد لهم الاهانة. لغت المعاهدة معاهم، وجمعت جيوش القبائل العربية، وبدأت تضرب في الروم وتدمر جيوشهم واحد ورا التاني من فلسطين السورية لحد مصر. الإمبراطور فالنس اترعب، وبعت يطلب تعمل صلح.
ماوية كانت مسيحية أرثوذكسية (على إيمان مجمع نيقية)، ووافقت على الصلح بس بشرط واحد كان غريب بالنسبة للامبراطور انها عايزة الراهب موسى، اللي عايش في الصحراء، يترسم أسقف على قبيلتها.
مين موسى ده ؟ القديس موسى العربي كان راهب من قبائل العرب، عايش في الصحراء، متوحد، والناس كانت بتتكلم عن قداسته ومعجزاته وعلاجه للأمراض. الإمبراطور وافق علي طول، وجابوا موسى عشان يترسم أسقف في الإسكندرية على إيد أسقف الكرسي السكندري آلاريوسي (عينه الإمبراطور) اسمه لوسيوس. موسى بص للأسقف الآريوسي بكل شجاعة و رفض انه يترسم علي ايد مهرطق ايده مليانة بدم الارثوذكس الابرار. واضطر الإمبراطور يخليه يترسم على إيد أسقف أرثوذكسي منفي في الجبل.
موسى رجع لقبائل تنوخ كأول أسقف عربي ليهم اتلقب بموسي اسقف العرب (السرسان)، وبدأ يبني الكنايس وسط الخيام، ويعمد البدو، وبقى الأب الروحي للملكة ماوية وللعرب. ده من الادلة النادرة في التاريخ علي ان العرب كان ليهم دور في الدفاع عن الإيمان المستقيم في منطقتهم.
وتولى بعده ابنه الإمبراطور غراتيان (Gratian) حكم الغرب الروماني (367-383م)، وكان شاب تقي جدا وتحت التوجيه الروحي المباشر للقديس أمبروسيوس أسقف ميلانو، وهو أول إمبراطور روماني يرفض رسمياً لقب الحبر الأعظم الوثني (Pontifex Maximus) واعتبره إهانة للمسيح. غراتيان شال تمثال آلهة النصر الوثنية من مبنى مجلس الشيوخ الروماني، وألغى الدعم المالي للمعابد والكهنة الوثنيين، وأصدر مراسيم قوية لصالح العقيدة الأرثوذكسية النيقية ضد الأريوسية والهراطقة. الكنيسة بتبجله كإمبراطور قديس وصاحب رؤية جريئة كسر بها البقايا الرسمية للوثنية الرومانية وساند الإيمان المستقيم بكل جوارحه وطاقته السياسية.
وفي البلاط الشرقي، بنلتقي بـ الإمبراطورية إيليا فلاتشيلا (Aelia Flaccilla)، الزوجة الأولى للإمبراطور ثيودسيوس الكبير، وهي سيدة تميزت بتقواها الأسطورية وتواضعها الجم، وكانت مثالاً حياً للمسيحية الحقيقية داخل قصر الحكم الفخم بالقسطنطينية. فلاتشيلا مكانتش بتهتم بمظاهر المجد الملكي، بل كانت بتنزل بنفسها للمستشفيات، وتطبخ للفقراء، وتغسل جروح المرضى والمشلولين بإيديها قائلة : إن صنع الذهب هو عمل الإمبراطور، أما خدمتي للمساكين فهي شكري لله الذي أعطاني الملك. دافعت بصلابة عن الإيمان الأرثوذكسي المستقيم وضغطت على زوجها لمنع الهراطقة من نشر أفكارهم، وتبجلها الكنيسة الميافيزية كقديسة عظيمة وأم حنون لكل مسكين.
وفي الغرب (383-388م)، بيظهر الإمبراطور ماغنوس ماكسيموس (Magnus Maximus)، اللي استولى على العرش بالقوة في بريطانيا والغال بعد قتله لغراتيان، ورغم إنه تاريخياً بيعتبر مغتصب للعرش، إلا إنه كان مسيحي أرثوذكسي غيور جدا لإيمان نيقية وحاول يكتسب شرعيته من خلال الدفاع عن الكنيسة. ماكسيموس اشتهر في التاريخ الكنسي بكونه أول إمبراطور يأمر بإعدام هرطوقي (بريسليان أسقف أفيلا) بتهمة السحر والهرطقة باستخدام المحاكم المدنية، وهو تصرف عارضه القديس أمبروسيوس خوف من تدخل الدولة في العقيدة. الكنيسة بتذكره كحاكم أرثوذكسي قوي ساند العقيدة بأسلوب سياسي عنيف تسبب في النهاية في سقوطه ومقتله على يد ثيودسيوس الكبير.
وفي نفس الوقت، كان الإمبراطور فالنتينيان الثاني (Valentinian II) بيحكم أجزاء من الغرب (إيطاليا) تحت وصاية والدته الأريوسية جوستينا اللي حاولت تجبر القديس أمبروسيوس على تسليم كنائس ميلانو للأريوسيين، لكن الشاب تأثر بصلابة الكنيسة وصمد ضد رغبة أمه لاحقا. بعد هروبه لثيودسيوس الكبير وزواجه من أخته، اعتنق فالنتينيان الثاني الإيمان الأرثوذكسي المستقيم بالكامل ورفض الأريوسية والوثنية، وحاول يحكم بعدالة وروية تحت إرشاد أمبروسيوس لحد ما اتقتل غدر وهو لسه شاب صغير في بلاد الغال. الكنيسة بتبجله كملك مظلوم وضحيّة للمؤامرات السياسية، وتأثرت بموته المأساوي واعتبرته ابن بارا للكنيسة الأرثوذكسية متمسكاً بالعقيدة.
ومن قلب العائلة الإمبراطورية الرومانية في أواخر القرن الرابع، بتخرج لنا أروع قصة زهد رهباني قبطي : القديسان مكسيموس ودوماديوس (Maximus and Domitius)
، أولاد الإمبراطور الروماني (التقليد القبطي بيربطهم بوالد فالنتينيان أو حاكم روماني كبير اسمه لارجانيوس). الشابين دول سابوا مجد روما والقصور والتيجان، وسافروا سرا لسوريا ليتعلموا الرهبنة، ومنها جائوا لبرية شيهيت (وادي النطرون) في مصر ليتتلمذوا على إيد القديس مكاريوس الكبير وعاشوا في مغارة صغيرة بياكلوا من عمل إيديهم في ضفيرة الخوص وزهد تام. ماتوا وهم في سن الشباب من شدة النسك والطهارة، وبنى الأنبا مكاريوس كنيسة فوق مغارتهم تسمى دير البراموس (أي دير الروم)، وبتكرمهم الكنيسة القبطية كقديسين عظام فضلوا فقر البرية على عرش روما.
ونختم القرن الرابع بـ الإمبراطور ثيودسيوس الكبير (ثيودسيوس الأول)، الراجل اللي أخذ القرار التاريخي بجعل المسيحية الأرثوذكسية النيقية هي الدين الرسمي الوحيد للإمبراطورية الرومانية، وحظر تماما العبادات الوثنية والممارسات السحرية وهدم جزء معبد السيرابيون بالإسكندرية بسبب العصابات الوثنية كانت بتخطف و تقتل المسيحين هناك و حولت المعبد لاشبه بثكن عسكرية يقتلوا منها المسيحين. ثيودسيوس هو اللي دعا لعقد مجمع القسطنطينية المسكوني الثاني عام 381م اللي صاغ الجزء الأخير من قانون الإيمان وحارب هرطوقية مقدونيوس، واشتهر بتواضعه وخضوعه لتأديب الكنيسة لما القديس أمبروسيوس منعه من دخول الكنيسة بعد مجزرة تسالونيكي وقبل التأديب وبكى تائبا. تبجله الكنيسة الميافيزية كحامي حمى الإيمان الأرثوذكسي ومثبّت الكنيسة الجامعة فوق عروش الطغيان.
=================================
الفصل الرابع : صراعات المجامع الكنسية وملوك الشرق والأرمن (القرن الخامس الميلادي)
مع بداية القرن الخامس، تولى الإمبراطور اركاديوس (395-408م) حكم الإمبراطورية البيزنطية الشرقية، وكان ابن لثيودسيوس الكبير، وتميز عهده بالاستقرار الإداري لكنه شهد صراعات دينية حادة داخل العاصمة القسطنطينية. اركاديوس كان ضعيف الشخصية وتأثر بزوجته الإمبراطورة إيدوكسيا اللي دخلت في صدام شهير وقاسي مع القديس يوحنا ذهبي الفم بطريرك القسطنطينية بسبب توبيخه لبذخ القصر، وانتهى الأمر بنفي ذهبي الفم. رغم الأخطاء السياسية للبلاط، إلا إن اركاديوس حافظ على العقيدة الأرثوذكسية الرسمية ومنع التيارات الهرطوقية من التغلغل في مفاصل الدولة، وبتذكره الكنيسة الميافيزية كجزء من السلالة الثيودوسية اللي حافظت على الإيمان النيقي المستقيم قبل الانقسام الكبير.
وفي نفس التوقيت، كان أخوه الإمبراطور هونوريوس (Honorius) بيحكم الإمبراطورية الرومانية الغربية من عاصمته الجديدة رافينا، وشهد عهده الكارثة التاريخية الكبرى بسقوط روما واجتياحها على يد القوط الغربيين بقيادة ألاريك عام 410م. هونوريوس كان مسيحي أرثوذكسي متدين جدا لكنه افتقد الكفاءة العسكرية، وسخر جهوده لاهوتيا لإصدار قوانين صارمة ضد الدوناتيين في شمال إفريقيا والبيلاجيين وحظر الوثنية في الغرب الروماني. الكنيسة بتشوف عهده كفترة تحول مأساوية في جغرافيا الإمبراطورية لكنها شهدت ثباتاً عقائديا، ودعمه لقرارات الكنيسة الجامعة ساهم في الحفاظ على الوحدة الروحية للغرب المسيحي في مواجهة البرابرة و بردو في عصره هو انتهت حلبة المصارعين او الGladiators
في يناير سنة 404 م، الإمبراطور الشاب هونوريوس كان بيحتفل بانتصار عسكري في روما، وعمل عروض جلادياتورز ضخمة في المدرج (الكولوسيوم).
أثناء القتال والشعب بيصرخ ومتحمس للدم، نزل راهب مسيحي قادم من الشرق اسمه تيليماخوس (Telemachus) وسط الحلبة. فا الراهب وقف بين المصارعين وحاول يفرقهم وهو بيصرخ ويقولهم : اوقفوا هذا الجرم ! لا تقتلوا إخوانكم .الجمهور اتجنن و العاطفة والتعصب للرياضة عماتهم، وهجموا عليه ورجموه بالحجارة لحد ما استشهد في مكانة جوة الحلبة.
الموقف ده صدم الإمبراطور و خلاه ياخد خطوات كتير جريئة اولا اعتبر تيليماخوس شهيد، واستغل المشهد المرعب ده عشان ياخد قرار حاسم.
أصدر مرسوم إمبراطوري بإلغاء وقطع عروض الجلادياتورز وبدون أي استثناء في الإمبراطورية الغربية.
ومن اليوم ده، العروض الدموية بين البني آدمين انتهت للأبد في الكولوسيوم ومدرجات الغرب.
وكان داعم للقديس أغسطينوس ضد الهرطقة البيلاجيانية (اللي بتنكر الخطية الجدية). الكنيسة بتذكره كإمبراطور وضع نهاية دينية لطقوس روما الوثنية المتوحشة.
وفي مملكة أرمينيا المضطربة بين الروم والفرس في بداية القرن الخامس (389-414م)، بيظهر الملك فرامشابوه (King Vramshapuh of Armenia)، الحاكم الحكيم اللي قدم أعظم خدمة ثقافية وروحية في تاريخ الأمة الأرمنية على الإطلاق. بفضل دعمه السياسي والمالي المباشر وتشجيعه، قدر القديس ميسروب ماشدوتس يبتكر الأبجدية الأرمنية ويترجم الكتاب المقدس والليتورجيا الكنسية للغة الأرمنية القومية. الاختراع ده مكنش مجرد إنجاز لغوي، بل كان السلاح السحري والأقوى اللي حافظ على هوية واستقلال الكنيسة الأرمنية الأرثوذكسية الميافيزية وحماها من الذوبان الثقافي والديني وسط الإمبراطوريات المحيطة، ولهذا تبجله الكنيسة الأرمنية كملك قديس ومستنير.
وفي بلاد الفرس الساسانية (استشهد عام 421م)، بنلتقي بـ الأمير يعقوب المقطع (St. James Intercisus)، النبيل العظيم والقائد العسكري المقرب جداً لملك الفرس يزدجرد الأول، اللي من كتر حبه ليه وصداقته معاه، ضعف يعقوب وأنكر مسيحيته مؤقتاً وبخر للنار مجاملة للملك. لما أمه وزوجته عرفوا، بعتوا له رسالة توبيخية عنيفة ومؤثرة قالوا له فيها : لقد فضلت مجداً فانياً على الملك السماوي، فاعلم أننا تبرأنا منك، فاهتز ضميره وبكى بمرارة، وراح للملك وأعلن إيمانه بالمسيح بكل شجاعة. عقاب الملك كان أبشع عقاب في التاريخ؛ أمر بتقطيع أطرافه حي حتة حتة (أصابعه ثم يديه ثم قدميه)، وهو كان بيصلي مع كل قطعة بتنفصل، ولذلك لقب بـ المقطع، ويحظى بتبجيل أسطوري في الكنيسة السريانية كرمز للتوبة الجسورة.
وبتظهر في الغرب الروماني الإمبراطورة العظيمة جالا بلاسيديا (Galla Placidia)، ابنة ثيودسيوس الكبير وأخت اركاديوس وهونوريوس، وهي واحدة من أقوى النساء وأعجبهم سيرة في التاريخ؛ أسرها القوط، وتزوجت ملكهم، ثم رجعت روما وحكمت كوصية على ابنها فالنتينيان الثالث. بلاسيديا كانت أرثوذكسية ميافيزية النزعة في التقوى وبنت كنائس أثرية جميلة في رافينا وروما مليانة بالفسيفساء النادرة، وكانت مخلصة جدا لكرسي الإسكندرية والبابا كيرلس عمود الدين ودافعت عن قرارات مجمع أفسس الأول عام 431م ضد النسطورية. الكنيسة بتذكرها باحترام هائل كمدبرة سياسية فذة حمت الكنيسة الأرثوذكسية من الانهيار العقائدي والسياسي وسط عواصف الغزو البربري.
ويأتي الإمبراطور ثيودسيوس الصغير (ثيودسيوس الثاني) ليحكم الشرق البيزنطي (408-450م) لأكثر من أربعين سنة، واشتهر بإنشاء قانون ثيودسيوس وتأسيس جامعة القسطنطينية، لكن أهميته الكبرى تكمن في كونه الإمبراطور الذي دعا لعقد مجمع أفسس المسكوني الثالث عام 431م بنصيحة من القديس كيرلس الكبير بطريرك الإسكندرية. ثيودسيوس الصغير ساند بقوة العقيدة الأرثوذكسية ضد هرطوقية نسطور وصادق على عزله، وحافظ على السلام الكنسي العام في إمبراطوريته وكان يعيش حياة نسكية أشبه بالرهبان داخل القصر الإمبراطوري يقرأ الكتب المقدسة بالليل. تبجله الكنيسة الميافيزية كملك بار وحارس للعقيدة الأرثوذكسية وجامع للمجمع المسكوني الثالث المعترف به لديهم.
وفي منتصف القرن الخامس (عام 451م)، بنروح لأرمينيا لنشهد أعظم ملحمة كنسية وقومية بقيادة القديس فاردان ماميكونيان (St. Vardan Mamikonian)، القائد العام للجيوش الأرمنية، اللي بيعتبره كل أرمني الرمز الأول للتضحية والشهادة. القصة بتبدأ لما حاول الساسانيون الفرس فرض الديانة الزرادشتية (عبادة النار) على أرمينيا بالقوة وهدم الكنائس، فرفض فاردان وقاد ثورة مسلحة دفاعا عن حرية الإيمان الأرثوذكسي الميافيزي واستشهد مع رجاله الـ 1036 في معركة أواير (Battle of Avarayr)
الشهيرة. استشهاده مكنش هزيمة، بل زرع صمود أسطوري في قلوب الأرمن اللي رفضوا الرضوخ للفرس، وبيعتبر القديس فاردان الشفيع الروحي والقومي للأمة الأرمنية الشقيقة وبطلها الخالد.
وفي فترة الاضطرابات الكنسية اللي تلت مجمع خلقيدونية، استولى الإمبراطور Basiliscus (باسيلسكس) على عرش القسطنطينية لفترة قصيرة (475-476م)، وأأخذ خطوة تاريخية جعلته بطل في عيون الكنائس الميافيزية المناهضة لخلقيدونية. باسيلسكس أصدر مرسوم إمبراطوري شهير يُعرف باسم إنكيكليكون (Enkyklikon)
، ألغى فيه رسميا مجمع خلقيدونية وطومس لاون، وأعاد الاعتبار لعقيدة طبيعة المسيح الواحدة المتجسدة وإيمان المجامع الثلاثة الأولى، ووقع على المرسوم ده أكتر من 500 أسقف شرقي. ورغم إنه اخلع ومات ميتة مأساوية، فالكنيسة الميافيزية بتسجل اسمه في تاريخها كأول إمبراطور بيزنطي امتلك الشجاعة السياسية لرفض الخلقيدونية ومساندة الأرثوذكسية المشرقية علنا
وبتستمر الملحمة الأرمنية في أواخر القرن الخامس مع الملك فاهان ماميكونيان (Vahan Mamikonian)، ابن شقيق القديس فاردان، اللي تولى قيادة حركة المقاومة وحرب العصابات الذكية ضد الاحتلال الفارسي الساساني بعد استشهاد عمه. فاهان بعبقريته العسكرية وحنكته السياسية قدر ينهك الإمبراطورية الفارسية ويجبر الشاه الفارسي على توقيع معاهدة نوارساك التاريخية عام 484م، وهي المعاهدة اللي ضمنت لأرمينيا الحرية الدينية الكاملة، وإعادة بناء الكنائس، واستقلال كنيستها الأرثوذكسية الميافيزية وإلغاء الزرادشتية. الإنجاز العظيم ده حمى أرمينيا من الذوبان العقائدي، وتكرمه الكنيسة كبطل قومي وروحي فذ سخر الدبلوماسية الحربية لإنقاذ الكنيسة والشعب.
ويتولى الإمبراطور زينون حكم بيزنطة (474-491م) في فترة انقسام كنسي حاد، وحاول بذكاء سياسي ردم الفجوة اللاهوتية الكبرى وإنقاذ الإمبراطورية من التمزق من خلال إصدار مرسومه الشهير الهينوتيكون (مرسوم الاتحاد) عام 482م بالتعاون مع بطريرك القسطنطينية أكاكيوس وبابا الإسكندرية بطرس مونغوس الثالث و بطرك انطاكية بطرس القصار . المرسوم ده تخطى مجمع خلقيدونية وتمسك بإيمان نيقية والقسطنطينية وأفسس وأدان نسطور وأوطاخي، مما جلب السلام المؤقت وأرضى الكنائس الميافيزية الشرقية (مصر وسوريا) وحقق الوحدة الروحية لفترة من الزمن ضد روما الغربية. الكنيسة الميافيزية بتقدس جهوده السياسية واللاهوتية وتعتبر عهده العصر الذهبي للسلام.
الأميرة شوشانيك (Saint Shushanik)
بنت القائد العظيم فاردان ماميكونيان، وورثت منه كل شجاعته. اتجوزت أمير جورجي اسمه فارسكين. الأمير ده، عشان يكسب رضا الفرس، ارتد عن المسيحية وبقى زرادشتي، وطلب من شوشانيك إنها تعمل زيه وتشاركه الطقوس. شوشانيك رفضت رفض قاطع إنها تخون المسيح أو ذكرى أبوها الشهيد. جوزها سجنها في زنزانة مظلمة، وكان بيضربها ويهينها بشكل يومي لمدة 6 سنين متواصلة، لحد ما ماتت من شدة التعذيب والجوع. شوشانيك بتُبجل كبطلة وقديسة شهيدة في الكنيستين الأرمنية والجورجية كأيقونة للمرأة التي لا تقهر.
وفي قلب البلاط البيزنطي الساخن بالأحداث، بتظهر الإمبراطورة أريادني (Empress Ariadne)، ابنة الإمبراطور ليو الأول (الي كان خلقدوني و مجرم بحق الكنايس الارثوذكسية المشرقية) وزوجة الإمبراطور زينون ثم زوجة الإمبراطور انستاسيوس الأول، وهي السيدة اللي قادت الدبلوماسية الملكية لبيزنطة لأكثر من أربعين سنة بحكمة سياسية نادرة. أريادني كانت مقتنعة تماماً بمرسوم الهينوتيكون اللي أصدره زوجها زينون، واستخدمت نفوذها الطاغي لحماية الرهبان والأساقفة الميافيزيين المناهضة لخلقيدونية، وضمنت تولي انستاسيوس (الميافيزي الغيور) للعرش بعد وفاة زينون لتأمين استمرار السلام العقائدي. التاريخ الكنسي بيبجلها كمهندسة سياسية بارعة في القصر حافظت على توازن الإمبراطورية ومنعت اضطهاد الأرثوذكس المشرقيين في حقبة مليانة بالألغام اللاهوتية و ان كانت مرفضتش مرسوم خلقدونية بالكامل بل مجرد تجاهلته زي زينون لكن المهم انها ماذتش الكنيسة لذلك في احترام لها شديد.
وتكتمل دراما عائلة الإمبراطور زينون بقصة ابنته الكبرى القديسة هيلارية ابنة الإمبراطور زينون (Saint Hilaria)، الفتاة التي هزت وجدان القسطنطينية ومصر؛ ففي عز مجد والدها الإمبراطوري، هربت هيلارية سرا من القصر، وخلعت ملابس الأميرات، وجاءت إلى صحراء مصر (برية شيهيت/وادي النطرون) متنكرة في زي رجل وعاشت كراهب متواضع باسم الراهب هيلاري. عاشت سنوات طويلة في نسك صارم ميعرفوش إلا الرب يسوغ، ولم يكتشف أمرها إلا لما والدها الإمبراطور بعت أختها الصغرى للدير عشان يشفوها من مرض صرع، فاحتضنتها هيلارية وشفتها بصلاتها. بعد كشف السر، تعهد الإمبراطور زينون برعاية أديرة وادي النطرون وبناء مباني فخمة للأقباط إكراما لبنته، وتُبجل في السنكسار القبطي كقديسة عظيمة.
بطرس او بيتر الأيبيري (Peter the Iberian)
شخصية كنسية و مؤرخ ارثوذكسي زي الجبل في لاهوت و تاريخ الكنيسة الميافيزية. اسمه الحقيقي الأمير مورفان، من العائلة المالكة في جورجيا (أيبيريا). راح القسطنطينية كرهينة سياسية، لكنه هرب من القصر الإمبراطوري وراح فلسطين يترهبن. بقى أسقف مدينة مايوما (غزة). بطرس كان من أشرس المدافعين عن العقيدة اللاخلقدونية (الميافيزية) في الشرق الأوسط كله، ورفض تماما يوقع على قرارات مجمع خلقيدونية. أسس أديرة، وكتب رسائل لاهوتية عميقة، وكان القائد الروحي لحركة المقاومة اللاهوتية في فلسطين وسوريا ضد الأباطرة الخلقدونيين. الكنيسة السريانية والقبطية والجورجية (القديمة) بتبجله كمفكر وناسك عظيم و الي كمل مسيرته من بعد تلاميذه زي المؤرخ الكنسي يوحنا روفوس و صديقه المؤرخ القديس الاسقف زكريا البليغ.
=================================
الفصل الخامس : العصر الذهبي للميافيزية وحماة الثغور (القرن السادس والسابع الميلادي)
مع بداية القرن السادس الميلادي، تولى انستاسيوس الاول (491-518م) عرش بيزنطة، وكان ميافيزي غيور ومخلص لابعد حد لعقيدة طبيعة المسيح الواحدة المتجسدة، ومؤيد لمرسوم الهينوتيكون، وشهد عهده انتعاش وازدهار غير مسبوق لكنائس مصر وسوريا وأنطاكية . انستاسيوس ساند البابا يوحنا الثاني بطريرك الإسكندرية، و رشح القديس ساويرس الأنطاكي (تاج السريان) بطريرك لإنطاكية، وحمى الكنيسة الأرثوذكسية المشرقية من التدخلات الخلقيدونية الصارمة، وتميز عهده بإصلاحات اقتصادية رفعت الضرائب عن كاهل الفقراء و نهضة اقتصادية ضخمة . تبجله الكنيسة الميافيزية القبطية والسريانية كإمبراطور قديس وصاحب غيرة رسولية فذة، ومثّل حكمه السد المنيع الأخير للعقيدة المستقيمة في عاصمة بيزنطة.
وفي شبه الجزيرة العربية (اليمن/نجران عام 523م)، بنلتقي بـ الحارث بن كعب - القديس أريثاس النجراني (St. Arethas of Najran)، الزعيم النبيل والحاكم العربي المسيحي لمدينة نجران، اللي قاد شعبه في ملحمة استشهاد أسطورية ذكرها التاريخ . القصة بدأت لما غزا الملك الحميري اليهودي ذو نواس المدينة وخيّر أهلها بين إنكار المسيحية وعقيدة الثالوث أو الحرق أحياء في أخدود النار، فوقف الحارث بن كعب، وهو شيخ وقور، وثبّت آلاف المؤمنين من رجال ونساء وأطفال ورفض التنازل. أعدم الحارث مع عائلته وآلاف المسيحيين النجرانيين (ميافيزيين تابعين عقائديا لكرسي الإسكندرية وأنطاكية)، واستشهادهم الدموي زلزل المشرق كله ودفع الملوك المسيحيين للتحرك العسكري، ويُبجل كشهيد وقائد بار.
ورد الفعل العسكري السريع ده جه من إفريقيا، بقيادة الملك كالب (King Kaleb of Aksum)، إمبراطور أكسوم العظيم في القرن السادس، اللي لما سمع بمجزرة مسيحيي نجران واستشهاد القديس الحارث، تحركت فيه الغيرة المسيحية وجهّز أسطول بحري ضخم وجيش عملاق عبر بيه البحر الأحمر وأنقذ مسيحيي اليمن وهزم الطاغية ذو نواس. كالب أعاد بناء الكنائس المهدمة في نجران وصنع مجد عسكري وسياسي غير مسبوق لإمبراطورية أكسوم، لكن المفاجأة المذهلة إنه بعد رجوعه، تنازل طواعية عن العرش، وأرسل تاجه الملكي لكنيسة القبر المقدس في اورشليم، وعاش كراهب متواضع زاهد في مغارة جبلية حتى وفاته. تبجله الكنيسة الإثيوبية والقبطية كقديس وملك بطل جمع بين شجاعة المحارب وزهد الرهبان الأبرار.
وتولى الحكم بعده ابنه الإمبراطور جبرا مسقل (Emperor Gabra Masqal) في القرن السادس الميلادي، وفي عهده وصلت إمبراطورية أكسوم إلى ذروة ازدهارها الثقافي والفني والروحي، وعاش الإقليم في سلام واستقرار باهر. جبرا مسقل كان الراعي والداعم الأول للقديس يارد النابغة الموسيقي الإثيوبي اللي ابتكر النوتة الموسيقية والطقوس والألحان الكنسية الثلاثة العريقة للحبشة، وبنى الإمبراطور العديد من الأديرة المعجزة هندسياً فوق قمم الجبال مثل دير دبرة دامو الشهير. بتكرمه الكنيسة الإثيوبية والقبطية كملك بار ومستنير ساهم في تشكيل الهوية الطقسية والفنية واللاهوتية للكنيسة الميافيزية الإفريقية وجعل عهده فجر للنهضة الروحية.
وفي السودان وجنوب مصر في القرن السادس الميلادي، بنلتقي بـ الملك سيلكو (King Silko)، حاكم مملكة نوباتيا (النوبة الشمالية)، وهو شخصية تاريخية محورية ومؤسس التحول المسيحي الشامل في بلاد النوبة. سيلكو نجح في توحيد القبائل والممالك النوبية وطرد قبائل البليميين الوثنية (البجا) اللي كانت بتغير على جنوب مصر وتهدد الكنائس، وسجل نقش تاريخي شهير باللغة اليونانية على جدران معبد كلابشة يعلن فيه انتصاراته بقوة الرب يسوع. عهده كان البوابة الملكية اللي دخلت منها الإرساليات الأرثوذكسية الميافيزية اللي بعتتها الإمبراطورية ثيودورا، ليتحول النوبيون بالكامل للإيمان الأرثوذكسي التابع لكرسي الإسكندرية ويصبحوا درع حامي لمصر والكنيسة القبطية لقرون.
ومن قصر الحكم في بيزنطة (500-548م)، بتشرق شخصية الإمبراطورة ثيودورا (Empress Theodora)، زوجة الإمبراطور جستينيان الأول، وهي واحدة من أذكى وأقوى النساء في التاريخ، وكانت ميافيزية مخلصة وعقل لاهوتي وسياسي فذ دافع عن الأرثوذكس المشرقيين بكل ثقلها الإمبراطوري. ثيودورا استغلت نفوذها الطاغي لحماية الرهبان والبطاركة المضطهدين (مثل القديس ساويرس الأنطاكي والبابا ثيودوسيوس الاول) ووفرت لهم ملاجئ داخل القصر الإمبراطوري، وبعتت إرساليات تبشيرية ميافيزية سبقت بها جستينيان لتحويل ممالك النوبة للمسيحية الأرثوذكسية المستقيمة. الكنيسة الميافيزية بتبجلها كبطلة خارقة للإيمان، ولولا ذكاؤها السياسي لتعرض الهيكل العقائدي والكنسي الأرثوذكسي المشرقي للإبادة الكاملة.
وفي بلاد الشام والبادية العربية في القرن السادس (توفي 569م)، بيظهر الملك الحارث بن جبلة (King Harith bin Jabalah)، حاكم مملكة الغساسنة العرب والقائد العسكري الفذ المتحالف مع بيزنطة، وهو من أهم الشخصيات السياسية اللي أنقذت الكنيسة السريانية الأرثوذكسية من الاندثار التام. الحارث كان ميافيزي أرثوذكسي متعصب لإيمانه، واستغل ثقله العسكري والسياسي لدى الإمبراطورة ثيودورا ليطلب منها سيامة أساقفة ميافيزيين سرا لإعادة بناء الكنيسة المنهكة من الاضطهاد، وعلى رأسهم القديس الاسقف المبارك يعقوب البرادعي (مؤسس النهضة السريانية). بفضل حماية الحارث ورعايته، طاف البرادعي المشرق كله وسام آلاف الكهنة والأساقفة، ليعيد بناء الهيكل الكنسي بالكامل، وتذكره الكنيسة السريانية والقبطية كبطل تاريخي عظيم.
وسار على خطاه ابنه الملك المنذر بن الحارث (Al-Mundhir III ibn al-Harith)، اللي تولى حكم الغساسنة وقاد الجيوش العربية بقوة عسكرية خارقة وحمى حدود الإمبراطورية الشرقية من المناذرة النساطرة حلفاء الفرس والفرس وحقق انتصارات ساحقة. المنذر مكنش مجرد محارب، بل كان لاهوتي ومدافع شرس عن العقيدة الميافيزية، وعقد مجمع كنسي في العاصمة الجابية عام 580م للمصالحة وتوحيد التيارات الميافيزية المشرقية وتثبيت الإيمان الأرثوذكسي. بسبب رفضه القاطع لتقديم أي تنازلات عقائدية لكنيسة العاصمة الخلقدونية ورغم خدماته العسكرية الجليلة، غدر بيه الأباطرة البيزنطيون ونفوه إلى صقلية وجردوه من ملكه، وتذكره الكنيسة السريانية والقبطية كبطل ضحى بتاجه ومملكته من أجل الإيمان.
وفي أواخر القرن السادس (578-582م)، تولى الإمبراطور تيبيريوس الثاني (Tiberius II Constantine) عرش بيزنطة، وتميز عهده بنزعة إنسانية وتسامح ديني كبير حاول من خلاله تخفيف حدة الاضطهاد المرير اللي كان بيعاني منه المسيحيون الميافيزيين (الأقباط والسريان) على يد أسلافه. تيبيريوس كان كريم جدا، وألغى العديد من الضرائب المرهقة، ورفض التدخل العنيف لفرض الخلقيدونية بالقوة العسكرية في مصر والشام، مما أعطى الكنيسة القبطية والسريانية فترة التقاط أنفاس قصيرة لتنظيم أمورها الداخلية وبناء أديرتها. الكنيسة بتبجله كحاكم عادل وصاحب قلب رحيم، ورغم قصر مدة حكمه إلا إنه ساب أثر طيب في التاريخ الكنسي الشرقي كمثال للإمبراطور الإنساني .
ومع بداية القرن السابع الميلادي، بنروح للإمبراطورية الفارسية الساسانية لنلتقي بـ الملكة شيرين الفارسية (Queen Shirin)، الزوجة المفضلة للإمبراطور العظيم كسرى الثاني (بارفيز)، وهي شخصية نسائية خارقة التأثير عاصرت فترات الحروب الطاحنة بين الفرس والروم. في الوقت اللي كان كسرى بيعبد النار (زرادشتي)، شيرين كانت مسيحية أرثوذكسية ميافيزية (سريانية الثقافة)، واستغلت نفوذها العاطفي والسياسي الطاغي على كسرى لحماية المسيحيين الأرثوذكس من الاضطهاد والقتل داخل بلاد الفرس. شيرين بنت أديرة فاخرة وكنائس ضخمة في قلب العاصمة الفارسية (تيسفون)، ودعمت اللاهوتيين السريان، وتاريخ الكنيسة السريانية بيذكرها بفخر واعتزاز كبطلة للإيمان الأرثوذكسي وقفت كحمامة سلام حامية للكنيسة.
=================================
الفصل السادس : ملوك النوبة وإفريقيا الأرثوذكس (من العصور الوسطى حتى العصر الحديث)
في مطلع القرن الثامن الميلادي، بيشرق اسم الملك مرقوريوس (King Mercurios)، حاكم مملكة المقرة النوبية الموحدة، وهو شخصية تاريخية فذة يلقب في التاريخ الكنسي بـ قسطنطين الجديد نظراً لإنجازاته العقائدية والسياسية المهمة الي غيرت جغرافيا المنطقة. مرقوريوس نجح بعبقرية في دمج وتوحيد ممالك النوبة المسيحية كلها تحت راية الإيمان الأرثوذكسي الميافيزي المستقيم التابع مباشرة لكرسي الإسكندرية القبطي، وطرد التيارات الخلقيدونية. جعل النوبة حائط سد منيع وعمق استراتيجي وعسكري مرعب لحماية الكنيسة القبطية والأقباط في مصر ضد أي تعسف، وتبجله الكنيسة كقديس وملك بطل سخر قوته السياسية لخدمة الكرسي المرقسي.
وفي القرن التاسع الميلادي، بنلتقي بـ الملك جورجيوس الأول (King Georgios I of Makuria)، الحاكم الحكيم لمملكة المقرة العظيمة، صاحب الرحلة الدبلوماسية التاريخية الأشهر في العصور الوسطى إلى بغداد عاصمة الخلافة العباسية عام 836م لتسوية أمور معاهدة البقط التجارية وتخفيف الضرائب. جورجيوس استُقبل بحفاوة بالغة في بغداد بفضل ذكائه وهيبته الملكية، ونجح في تخفيف القيود المالية والضغوط السياسية عن مسيحيي النوبة ومصر، وتوطيد العلاقات. عهده كان بمثابة العصر الذهبي للاستقرار الروحي والثقافي للكنيسة النوبية، وكان حليف استراتيجي قوي وقريبا جدا لبطاركة الإسكندرية الأقباط، وتذكره الكنيسة كمدبر دبلوماسي فذ حمى شعب الله بذكائه وحنكته.
وبتوصل الدراما الملوكية النوبية لذروتها في القرن الحادي عشر الميلادي مع الملك سُلمون ملك النوبة (King Solomon of Nubia)، الحاكم العظيم، الراجل اللي قصته بتذهل العقول من كتر التقوى والزهد الأسطوري؛ ففي عز قوته ومجده الملكي، قرر يتنازل عن العرش طواعية لابن أخته وساب القصور والتيجان. سُلمون سافر سرا لمصر ودخل البرية وتنكر وعاش كراهب زاهد متواضع في دير القديس أبو نفر السائح، يقضي ليله ونهاره في الصلاة والدموع. لما السلطات عرفت مكانه نقلته للقاهرة واحترموه جدا وعاش في ضيافة الكنيسة، ولما مات، من كتر تبجيل واحترام الكنيسة القبطية والبابا ليه، تم دفنه إجلالا في مقابر بطاركة الأقباط بالقاهرة (دير الأنبا رويس حاليا)، وبقى رمز ملكي للزهد الكامل.
وفي إثيوبيا خلال القرن الحادي عشر والثاني عشر، بنتعرف على الملك يمرهانة كريستوس (King Yemrehana Krestos)، حاكم إمبراطورية إثيوبيا من سلالة زاجوي العريقة، والراجل ده مكنش مجرد حاكم سياسي بل كان كاهن مساق بالروح وزعيم روحي زاهد بيقضي وقته في الليتورجيا والعبادة. يمرهانة بنى واحدة من أروع وأعجب الكنائس المعمارية في تاريخ إفريقيا والعالم داخل كهف ضخم من الجرانيت، مصممة بخشب الماهوجني والرخام المحفور بتناغم مذهل بيمزج الفن الأكسومي بالقبطي. الكنيسة الإثيوبية بتبجله كقديس وملك بار، وبتذكره الكنيسة القبطية بالتقدير كحاكم لاهوتي مخلص حافظ على نقاء العقيدة الأرثوذكسية الميافيزية وعمق العلاقات مع بطاركة الإسكندرية الأقباط.
ويأتي بعده الملك لاليبيلا (King Lalibela) في القرن 12/13 الميلادي، الإمبراطور الإثيوبي الأكثر شهرة عالميا وصاحب الرؤية الروحية الهندسية الفذة؛ فالرجل عندما وجد إن المسيحيين في إفريقيا مش قادرين يسافروا للحج في القدس بسبب الحروب الصليبية واضطراب الطرق، أخذ قراراً إلهياً ببناء قدس جديدة في قلب جبال الحبشة. لاليبيلا أشرف بنفسه على نحت 11 كنيسة كاملة في قلب الصخر الجبلي الصلد من تحت الأرض لفوق، في معجزة هندسية ومعمارية حيرت العالم لليوم وتنفيذ روحي عبقري يمثل محطات أورشليم. الكنيسة الإثيوبية والقبطية بتبجله كقديس عظيم جداً وصاحب بصيرة روحية، وتعتبر كنائسه المحفورة في الصخر شاهد حي على عمق الإيمان الميافيزي وتحديه للمستحيل.
وفي القرن الخامس عشر الميلادي (1434-1468م)، بنلتقي بأعظم لاهوتي جلس على عرش إفريقيا: الإمبراطور زرع يعقوب (Emperor Zara Yaqob)، حاكم إثيوبيا الفذ، الراجل اللي مكنش ملك عسكري وبس، بل كان عالم لاهوتي وكاتب غزير ألف العديد من الكتب الكنسية والعقائدية الهامة (مثل كتاب المأخذ وكتاب الضياء). زرع يعقوب قاد حملة تطهير روحي شاملة في بلاده، وحارب الممارسات السحرية والوثنية اللي تسللت للمجتمع، ورسخ العقيدة الأرثوذكسية الميافيزية وقانون الإيمان بقوة وحزم، وعمق الروابط الثقافية والدبلوماسية مع الكنيسة القبطية في مصر. تبجله الكنيسة الإثيوبية كقديس عظيم ومستنير، وتذكره الكنيسة القبطية كبطل حامي للإيمان المستقيم في القارة الإفريقية.
وفي أواخر القرن الخامس عشر وبداية السادس عشر، بتظهر الإمبراطورة إيليني (Empress Eleni)، واحدة من أعظم وأذكى النساء في تاريخ شرق إفريقيا، وهي زوجة الإمبراطور زارا يعقوب، وقادت إثيوبيا كوصية على العرش ومستشارة سياسية وازنة في فترات حرجة جداً مليانة بالتهديدات العسكرية الخارجية. إيليني مكانتش مجرد مدبرة سياسية بل كانت لاهوتية نابغة ألفت كتب في العقيدة ودافعت بشراسة عن الإيمان الأرثوذكسي الميافيزي ضد الأفكار الدخيلة، وقادت الدبلوماسية الإثيوبية بذكاء خارق وفتحت قنوات تواصل دولية لإنقاذ مملكتها من الفناء والانهيار الكنسي. تحظى باحترام تاريخي وكنسي هائل في التراث الإثيوبي والقبطي كأم حكيمة وحارسة أمينة.
وفي القرن السابع عشر الميلادي (1632-1667م)، بنصل لمحطة مصيرية مرعبة في تاريخ الحبشة بقيادة الإمبراطور فاسيليدس (Emperor Fasilides)، المنقذ الأكبر للكنيسة الأرثوذكسية؛ فقبله حاول المستعمرون البرتغاليون واليسوعيون الكاثوليك تحويل إثيوبيا للتشيع الكاثوليكي ونجحوا فعلا في إقناع والده (سوسينيوس) اللي أعلن الكاثوليكية دين رسمي وتسبب في حرب أهلية دموية طاحنة. لما تولى فاسيليدس العرش، أخذ قرار حاسم وفوري و هو طرد جميع اليسوعيين والبرتغاليين من البلاد، وأعاد العقيدة الأرثوذكسية الميافيزية المستقيمة، وأعاد ربط الكنيسة الإثيوبية بكرسي الإسكندرية القبطي علي طول، وأنقذ الأمة من الدمار وضياع الهوية الكنسية والتاريخية. بتبجله الكنيسة الاثيوبية كبطل قومي وروحي فذ.
ونختم هذه السلسلة التاريخية الطويلة والمجيدة في القرن الثامن عشر الميلادي مع الملكة منتواب (Empress Mentewab)، إمبراطورة إثيوبيا العظيمة، السيدة الي لعبت دور سياسي وروحي وثقافي طاغي كوصية على العرش وحاكمة فعلية للبلاد في فترة شهدت الكثير من القلاقل والاضطرابات السياسية الداخلية. منتواب تميزت بتقواها الشديدة وعشقها للتراث الأرثوذكسي، فبنت مجمع كنائس وأديرة ضخم وفخم في مدينة جوندار الإثيوبية (عاصمة الحكم)، وجمعت وحافظت على المخطوطات الكنسية النادرة والكتب اللاهوتية العريقة ودعمت التعليم الكنسي. تذكرها الكنيسة الإثيوبية باحترام واعتزاز كبير كملكة مستنيرة حافظت على شعلة الإيمان متقدة.
=================================
وبكده يا صديقي العزيز، نكون وصلنا لمحطة الوصول في رحلتنا التاريخية الطويلة والدسمة دي. رحلة لفينا فيها في آلة الزمن، وقطعنا آلاف الأميال من رمال الإسكندرية وصعيد مصر، لجبال أرمينيا الوعرة، ومن وديان سوريا وأنطاكية، لمرتفعات إثيوبيا وعمق ممالك النوبة.
لو ركزت في كل قصة شرحتها هتلاقي إن في خيط خفي وواحد بيربطهم كلهم : التجرد المطلق والشجاعة اللي بتكسر المنطق. إحنا مكنّاش بنقرا مجرد أسماء شخصيات تاريخية . إحنا كنا بنمشي جوة متحف حي لعشق العقيدة. شفنا أباطرة وملوك رموا التيجان الإمبراطورية من على راسهم واختاروا يعيشوا في مغارات ويفترشوا التراب، وملكات وأميرات سابوا الحرير وعز القصور وفضلوا ظلمة السجون وسيف الجلاد، وقادة جيوش وجنرالات كانت بترتعد من أسمائهم الإمبراطوريات، ولما جات اللحظة الحاسمة، قلعوا نياشينهم ورموا سيوفهم تحت رجلين إيمانهم.
القائمة دي بتأكد لك بما لا يدع مجال للشك إن الكنيسة الميافيزية (الأرثوذكسية المشرقية) مش مجرد كيان محلي أو تاريخ عابر، دي فسيفساء كونية جبارة اتدفعت فيها أثمان غالية جدا. دم الجندي القبطي امتزج بدم الأمير الأرمني، وحكمة الملك الإثيوبي كملت شجاعة الفارس السرياني، وقوة الجيوش النوبية كانت الحصن اللي احتمت فيه الكنيسة السكندرية قرون طويلة. عقيدة واحدة، اتكتبت سطورها بالدم، واتحافظ عليها بعرق ودموع أجيال رفضت تبيع إيمانها أو تساوم عليه، سواء قدام سيف وثني، أو طاغية بيزنطي، أو غازي فارسي.
التاريخ دايما بيعلمنا إن الإمبراطوريات بتنهار، والجيوش العرمرم بتتبدد، والعروش مهما كانت من دهب بييجي يوم وتاكلها عوامل الزمن. لكن العظمة الحقيقية اللي بتخلد اسم الإنسان، هي إنه يسيب أثر روحي ميتنسيش. الناس دي فهمت المعادلة دي بدري قوي؛ وزنوا بين مجد الأرض ومجد السماء، فاختاروا الباقي وسابوا الفاني. هما دول الأعمدة المخفية والأساسات الصخرية اللي شالت الكنيسة على كتافها في عصور الاستشهاد، وفي عز انشقاقات المجامع، وفي وش كل العواصف والحروب.
بس و سلام المسيح مع الجميع.
=================================
مراجع المقالة :
شخصيات الفصل الاول :
-eusebius.Church History, I, xiii
-Krawczuk, Aleksander (2006). Poczet cesarzowych Rzymu. Warszawa: Iskry
- Lightman, Marjorie and Benjamin Lightman. Biographical dictionary of ancient Greek and Roman women: notable women from Sappho to Helena. New York: Facts On File, 2000, p. 157.
-https://treasuresofrome.it/rome-tours/about-rome/saints/saint-eustace/
-Novak, Ralph Martin (2001). Christianity and the Roman Empire: Background Texts. Bloomsbury T&T Clark.
-Eusebius of Caesarea, Ecclesiastical History VI.34
-De viris illustribus.Chapter 54
-https://web.archive.org/web/20071004223416/http://www.abusefein.org.au/stmerkorious.html
-Piétri, Charles (2002). "Prosecutions". In Levillain, Philippe (ed.). The Papacy: An Encyclopedia. Psychology Press. p. 1156.
- Fr. Paolo O. Pirlo, SHMI (1997). "St. Sebastian". My First Book of Saints. Holy Mary Immaculate – Quality Catholic Publications. pp. 22–23
-Eucherius von Lyon gegen 450. Passiones Acaunensium martyrum .6A* Paris, B.N.F., lat. 9550, VIe s., Lyon / Condat, O.S.B.; manuscrit d'auteur ─ f. 81v─86
===============================
مراجع شخصيات الفصل التاني :
-Agathangelos (1976). History of the Armenians. Translation and commentary by Robert W. Thomson (First ed.). Albany: State University of New York Press. ISBN 0-87395-323-1.
-Bournoutian, George A. (2006). A Concise History of the Armenian People (Fifth ed.). Costa Mesa, California: Mazda Publishers. ISBN 1-56859-141-1.p. 47.
- Domar: the calendrical and liturgical cycle of the Armenian Apostolic Orthodox Church, Armenian Orthodox Theological Research Institute, 2002, p. 443.
-https://armenianprelacy.org/2026/05/28/saints-hripsime-and-gayane-and-their-companions/
-Lampinen, Antti; Mataix-Ferrلndiz, Emilia (2022). Seafaring and Mobility in the Late Antique Mediterranean. Bloomsbury Publishing. p. 14
-Brook, E.W., 1925. Acts of Saint George in series Analecta Gorgiana 8 (Gorgias Press).
https://web.archive.org/web/20200926095239/http://www.copticchurch.net/classes/synex.php?month=5&day=13&btn=View&lang=
https://www.goarch.org/chapel/saints?contentid=2447
https://web.archive.org/web/20210125194516/http://www.ucc.ie/archive/milmart/sergorig.html
https://www.indcatholicnews.com/saint/396
الراهب القمص سمعان السرياني: القديس الشهيد يوليوس الاقفهصي كاتب سير الشهداء.
كتاب "قاموس آباء الكنيسة وقديسيها مع بعض شخصيات كنسية" للقمص تادرس يعقوب ملطي
Labalme, Patricia H. (31 May 2023). Saints, Women and Humanists in Renaissance Venice. Taylor & Francis. p. 43, 204
Rene Basset: Le Synaxaire Arabe, Toubeh 12.
https://www.copticchurch.net/synaxarium/saints/manas.html
Martyrologium Romanum (Libreria Editrice Vaticana 200
https://www.britannica.com/biography/Saint-Catherine-of-Alexandria
https://st-takla.org/books/en/church/synaxarium/07-baramhat/08-paramhat-arianus.html
https://www.st-mary-alsourian.com/index.php?option=com_content&view=article&id=2987:the-martyrdom-of-st-abaskhiroun-the-soldier&catid=79:english&lang=en
https://st-takla.org/books/en/church/synaxarium/08-bermodah/27-baramouda-boctor.html
https://www.copticchurch.net/synaxarium/10_11.html?lang=en
الاستشهاد في المسيحية، صفحة 129.
===============================
مراجع شخصيات الفصل التالت :
https://roman-emperors.sites.luc.edu/helena.htm
Life of Constantine (Eusebius Of Caesarea)
Stuart Munro-Hay (2002). Ethiopia: The Unknown Land. I.B. Tauris. p. 41.
Hein, Ewald (1999). Ethiopia, Christian Africa : art, churches and culture. Ratingen : Melina-Verlag. pp. 99–100.
Baker-Brian, Nicholas; Tougher, Shaun (2020). The Sons of Constantine, AD 337-361: In the Shadows of Constantine and Julian.
Hunt, David (1998). "The successors of Constantine". In Averil Cameron & Peter Garnsey (eds.). The Cambridge Ancient History XIII: The Late Empire, A.D. 337–425.
Gwynn, David M. (2012). Athanasius of Alexandria: Bishop, Theologian, Ascetic, Father. Oxford University Press.
Frend, W.H.C. (2003). The Early Church: From the Beginnings to 461.
Saint-Laurent, Jeanne-Nicole Mellon (2019). "Christian Legend in Medieval Iraq: Siblings, Sacrifice, and Sanctity in Behnam and Sarah". In Georgia Frank; Susan Holman; Andrew Jacobs (eds.). The Garb of Being: Embodiment and the Pursuit of Holiness in Late Ancient Christianity. Fordham University Press. pp. 191–221.
Wolper, Ethel Sara (2014). "Khidr and the Politics of Translation in Mosul: Mar Behnam, St George and Khidr Ilyas". In Gharipour Mohammad (ed.). Sacred Precincts: The Religious Architecture of Non-Muslim Communities Across the Islamic World. Brill. pp. 377–392.
Ammianus Marcellinus. Rerum gestarum libri qui supersunt. W. Seyfarth, ed. 3 vols. Leipzig, 1978.
Charles, Robert H. (2007) [1916]. The Chronicle of John, Bishop of Nikiu: Translated from Zotenberg's Ethiopic Text. Merchantville, NJ: Evolution Publishing.
Consularia Constantinopolitana. T. Mommsen ed., Monumenta Germaniae Historica, Auctores Antiquissimi. Volume 9. Berlin, 1892.
Codex Theodosianus. T. Mommsen, P.M. Meyer, and P. Krüger, eds. Theodosiani libri XVI cum constitutionibus Sirmondianis et leges novellae ad Theodosianum pertinentes (2 vols.). Berlin, 1905.
Corpus Inscriptionum Latinarum. Vol. 6. T. Mommsen, ed. Berlin, 1875.
Epitome de Caesaribus. F.R. Pichlmayr, ed. Leipzig, 1961.
Jerome. Chronicon. R. Helm, ed., in Malcolm Drew Donalson, A Translation of Jerome's Chronicon with Historical Commentary. Lewiston, NY, 1996.
Orosius. Adversus paganos historiarum libri septem. Z. Zangemeister, ed. Corpus scriptorum ecclesiasticorum latinorum 5. Vienna, 1882.
-Butler, Alban; Burns, Paul (2000), Butler's Lives of the Saints,p. 68.
-Ball, Warwick (2001), Rome in the East: The Transformation of an Empire,pp. 100-101.
-Bunson, Matthew; Bunson, Margaret; Bunson, Stephen (2003), Our Sunday Visitor's Encyclopedia of Saints,p. 595.
-Jensen, Anne (1996), God's Self-confident Daughters: Early Christianity and the Liberation of Women,pp. 73-75.
-Shahîd, Irfan (1984), Rome and the Arabs: A Prolegomenon to the Study of Byzantium and the Arabs, Shahid, p. 141
Socrates. Historia Ecclesiastica. J.P. Migne ed., Patrologia Graeca 67. Paris, 1864.
Sozomen. Historia Ecclesiastica. J.P. Migne ed., Patrologia Graeca 67. Paris, 1864.
Theoderet. Historia Ecclesiastica. J.P. Migne ed., Patrologia Graeca 82. Paris, 1864.
Zosimus. Historia nova. François Paschoud, ed. and trans., Zosime: Histoire Nouvelle (3 vols.). Paris, 1971–89.
Ammian, Books 26–30 Uchicago.edu. English summaries. Main text in Latin.
Medina, Néstor (2018). Christianity, Empire and the Spirit: (Re)Configuring Faith and the Cultural. Brill. p. 92.
https://www.newadvent.org/cathen/06089b.htm
Pan. Lat. II.34
Ambrose, Patrologia Latina, 16–17 (1845), nos. 40
Curran, J (1998). "From Jovian to Theodosius". The Cambridge Ancient History. Vol. XIII: The Late Empire AD 337–425. Cambridge: University Press.
https://www.copticchurch.net/synaxarium/saints/max-dom.html
https://en.wikipedia.org/wiki/Theodosius_I#
===============================
مراجع شخصيات الفصل الرابع :
Zosimus, New History. London: Green and Chaplin (1814). Book 5.
Nicholson, O. ed. (2018). "Arcadius, Flavius". The Oxford Dictionary of Late Antiquity.
Long, Jacqueline (1996). Claudian's In Eutropium, Or, How, When, and why to Slander a Eunuch.
https://archive.org/details/barbarianswithin0000burn
Codex Theodosianus 14.10.2–3, tr. C. Pharr, "The Theodosian Code," p. 415.
http://www.tribunesandtriumphs.org/roman-emperors/honorius.htm
Williams, Stephen and Gerard Friell. Theodosius: The Empire at Bay. Yale University Press, 1994, p. 129
Frasetto, Michael (2003). Encyclopedia of Barbarian Europe: Society in Transformation. Santa Barbara: ABC-CLIO. ISBN 1576072630, p. 320.
Hovannisian, The Armenian People From Ancient to Modern Times, Volume I: The Dynastic Periods: From Antiquity to the Fourteenth Century, p.85
Daryaee, The Oxford Handbook of Iranian History, p.194
Kurkjian, A History of Armenia, p.108
https://web.archive.org/web/20120306025522/http://www.saintpatrickdc.org/ss/1127.shtml
Sivan, Hagith. Galla Placidia: The Last Roman Empress. Oxford University Press, 2011, p. 12
Rebenich, S. "Gratian, a Son of Theodosius, and the Birth of Galla Placidia." Historia: Zeitschrift für Alte Geschichte 34 (1985), 372–85
https://books.google.com.eg/books?id=efLuB7QPDm8C&pg=PA28&redir_esc=y#v=onepage&q&f=false
http://laststatues.classics.ox.ac.uk/database/discussion.php?id=825
Harries, Jill (2013). "Men Without Women: Theodosius' Consistory and the Business of Government". In Kelly, Christopher (ed.). Theodosius II: Rethinking the Roman Empire in Late Antiquity. Cambridge: Cambridge University Press. pp. 67–89. ISBN 1-107-03858-8.
Kelly, Christopher (2013). "Rethinking Theodosius". In Kelly, Christopher (ed.). Theodosius II: Rethinking the Roman Empire in Late Antiquity. Cambridge: Cambridge University Press. pp. 2–64
Chronographia of john malalas
Chronicon Paschale 450.; Theophanes the Confessor 160
Garsoïan, Nina (1997). "The Marzpanate (428–652)". In Hovannisian, Richard G. (ed.). The Armenian People from Ancient to Modern Times. Vol. 1. New York: St. Martin's Press. pp. 95–115. ISBN 0-312-10169-4.
Bonner, Michael (2020). "Humiliation and Heresy". The Last Empire of Iran. Piscataway, NJ: Gorgias Press. pp. 123–170. doi:10.31826/9781463240516-007. p 131
Ostrogorsky, George (1956). History of The Byzantine State. New Brunswick, Canada: Rutgers University Press. p 64
Herrin, Judith (2016). "Late Antique Origins of the 'Imperial Feminine'". Byzantinoslavica - Revue internationale des Études Byzantines. 74 (1–2) p 22-23
Osequeda, Jason (2018). Because it is New Rome: The Authority of the Patriarchate of Constantinople, 379–553 (Thesis). Chicago: University of Chicago. doi:10.6082/M15H7DF0. pp 186-187
Jones, A. H. M.; Martindale, J. R.; Morris, J. (1980). The Prosopography of the Later Roman Empire: Volume 2, AD 395–527. Cambridge: Cambridge University Press. p 1066
Dédéyan, Gérard (2007). History of the Armenian people. Tolosa: Privat.
https://books.google.com.eg/books?id=tSq1wuai-XUC&pg=PR88&redir_esc=y#v=onepage&q&f=false
Evagrius Scholasticus, Historia Ecclesiastica III. 14.
https://gedsh.bethmardutho.org/John-Rufus
https://dokumen.pub/john-rufus-the-lives-of-peter-the-iberian-theodosius-of-jerusalem-and-the-monk-romanus-9781589832008-1589832000.html
Plerophoriae
https://www.mediafire.com/file/19slp9kr2qcof0w/Patrologia+Orientalis-+Tomus+Octavus.pdf/file
Rayfield, Donald (2013). The Literature of Georgia: A History. London: Routledge. pp. 42–44.
https://st-takla.org/books/en/church/synaxarium/05-topah/21-toba-hilaria.html
Lawler, Jennifer (2018-01-16). Encyclopedia of Women in the Middle Ages. McFarland. p. 21.
Smith, William (1870). Dictionary of Greek and Roman Biography and Mythology. Boston: C. Little and J. Brown. p. 466.
Friell, Gerard; Stephen Williams (December 1998). The Rome That Did Not Fall. Routledge. pp. 184–186.
https://en.wikipedia.org/wiki/Peter_the_Iberian
===============================
مراجع شخصيات الفصل الخامس :
Bryan Ward-Perkins; Michael Whitby (2000). The Cambridge ancient history. 14. Late antiquity: empire and successors, A.D. 425–600. Cambridge University Press. pp. 51–52.
Justo L. González (2010). A History of Christian Thought Volume II: From Augustine to the Eve of the Reformation. Abingdon Press. pp. 79–82.
https://en.wikipedia.org/wiki/Kaleb_of_Axum
https://en.wikipedia.org/wiki/Gebre_Meskel
-Nebes, Norbert (2010). "The Martyrs of Najrān and the End of Ḥimyar: On the Political History of South Arabia in the Early Sixth Century". In Neuwirth, Angelika; Sinai, Nicolai; Marx, Michael (eds.). The Qur'an in Context. Historical and Literary Investigations into the Qur'anic Milieu. Brill. pp. 25–60.
-Chatonnet, Francoise Briquel; Debie, Muriel (20 June 2023). The Syriac World: In Search of a Forgotten Christianity. p. 117.
-Norbert Nebes, 'The Martyrs of Najrān and End of the Ḥimyar: On the Political History of South Arabia in the Early Sixth Century,' the Angelika Neuwirth, Nicolai Sinai, Michael Marx (eds.), The Qur'ān in Context: Historical and Literary Investigations Into the Qur'ānic Milieu, BRILL 2010 pp.27-60, p.45, p. 48.
-Grasso, Valentina (2023). Pre-Islamic Arabia: Societies, Politics, Cults and Identities During Late Antiquity. Cambridge University Press. pp. 98–99.
- باقات عطرة من سير الأبرار والقديسين، صفحة 136-137.
- الأنبا يؤانس : الاستشهاد في المسيحية.
- The Book of the Himyarites: Fragments of a Hitherto Unknown Syriac Work, ed. Axel Moberg (Lund, 1924).
Conrad, Lawrence T. (2008). "The Arabs". In Cameron, Averil; Ward-Perkins, Bryan; Whitby, Michael (eds.). The Cambridge Ancient History, Volume XIV. Late Antiquity: Empire and Successors, A.D. 425–600. Cambridge: Cambridge University Press. pp. 678–700.
-Shahîd, Irfan (1995). Byzantium and the Arabs in the Sixth Century, Volume 1
-Shahîd, Irfan (1965). "Ghassān". In Lewis, B.; Pellat, Ch. & Schacht, J. (eds.). The Encyclopaedia of Islam, Second Edition. Volume II: C–G. Leiden: E. J. Brill. pp. 462–463.
https://en.wikipedia.org/wiki/Silko
Cross: Dict. of Christian Church , p 1358.
John of Ephesus. The Third Part of the Ecclesiastical History of John Bishop of Ephesus. Translated by R. Payne Smith. Oxford: Oxford University Press, 1860.
Sawirus ibn al-Muqaffa'. History of the Patriarchs of the Coptic Church of Alexandria (Historia Patriarcharum Alexandrinorum). Edited and translated by B. Evetts. In Patrologia Orientalis, Vol. I, V, X. Paris: Firmin-Didot et Cie, 1904-1910.
Treadgold, Warren (1997). A History of the Byzantine State and Society. Stanford University Press.p. 225.
Meyendorff, John (1989). Imperial unity and Christian divisions: The Church 450–680 A.D. The Church in history. Vol. 2. Crestwood, NY: St. Vladimir's Seminary Press
https://en.wikipedia.org/wiki/Shirin
===============================
مراجع شخصيات الفصل السادس :
https://en.wikipedia.org/wiki/Merkurios_of_Makuria
https://en.wikipedia.org/wiki/Georgios_I_of_Makuria
https://en.wikipedia.org/wiki/Salomo_of_Makuria
https://en.wikipedia.org/wiki/List_of_kings_of_Axum#Christian_Monarchs_(4th%E2%80%9310th_centuries)
https://en.wikipedia.org/wiki/List_of_emperors_of_Ethiopia#Solomonic_dynasty
-Ball, Warwick (2001), Rome in the East: The Transformation of an Empire,pp. 100-101.
-Bunson, Matthew; Bunson, Margaret; Bunson, Stephen (2003), Our Sunday Visitor's Encyclopedia of Saints,p. 595.
-Jensen, Anne (1996), God's Self-confident Daughters: Early Christianity and the Liberation of Women,pp. 73-75.
-Shahîd, Irfan (1984), Rome and the Arabs: A Prolegomenon to the Study of Byzantium and the Arabs, Shahid, p. 141
Socrates. Historia Ecclesiastica. J.P. Migne ed., Patrologia Graeca 67. Paris, 1864.
Sozomen. Historia Ecclesiastica. J.P. Migne ed., Patrologia Graeca 67. Paris, 1864.
Theoderet. Historia Ecclesiastica. J.P. Migne ed., Patrologia Graeca 82. Paris, 1864.
Zosimus. Historia nova. François Paschoud, ed. and trans., Zosime: Histoire Nouvelle (3 vols.). Paris, 1971–89.
Ammian, Books 26–30 Uchicago.edu. English summaries. Main text in Latin.
Medina, Néstor (2018). Christianity, Empire and the Spirit: (Re)Configuring Faith and the Cultural. Brill. p. 92.
https://www.newadvent.org/cathen/06089b.htm
Pan. Lat. II.34
Ambrose, Patrologia Latina, 16–17 (1845), nos. 40
Curran, J (1998). "From Jovian to Theodosius". The Cambridge Ancient History. Vol. XIII: The Late Empire AD 337–425. Cambridge: University Press.
https://www.copticchurch.net/synaxarium/saints/max-dom.html
https://en.wikipedia.org/wiki/Theodosius_I#
===============================
مراجع شخصيات الفصل الرابع :
Zosimus, New History. London: Green and Chaplin (1814). Book 5.
Nicholson, O. ed. (2018). "Arcadius, Flavius". The Oxford Dictionary of Late Antiquity.
Long, Jacqueline (1996). Claudian's In Eutropium, Or, How, When, and why to Slander a Eunuch.
https://archive.org/details/barbarianswithin0000burn
Codex Theodosianus 14.10.2–3, tr. C. Pharr, "The Theodosian Code," p. 415.
http://www.tribunesandtriumphs.org/roman-emperors/honorius.htm
Williams, Stephen and Gerard Friell. Theodosius: The Empire at Bay. Yale University Press, 1994, p. 129
Frasetto, Michael (2003). Encyclopedia of Barbarian Europe: Society in Transformation. Santa Barbara: ABC-CLIO. ISBN 1576072630, p. 320.
Hovannisian, The Armenian People From Ancient to Modern Times, Volume I: The Dynastic Periods: From Antiquity to the Fourteenth Century, p.85
Daryaee, The Oxford Handbook of Iranian History, p.194
Kurkjian, A History of Armenia, p.108
https://web.archive.org/web/20120306025522/http://www.saintpatrickdc.org/ss/1127.shtml
Sivan, Hagith. Galla Placidia: The Last Roman Empress. Oxford University Press, 2011, p. 12
Rebenich, S. "Gratian, a Son of Theodosius, and the Birth of Galla Placidia." Historia: Zeitschrift für Alte Geschichte 34 (1985), 372–85
https://books.google.com.eg/books?id=efLuB7QPDm8C&pg=PA28&redir_esc=y#v=onepage&q&f=false
http://laststatues.classics.ox.ac.uk/database/discussion.php?id=825
Harries, Jill (2013). "Men Without Women: Theodosius' Consistory and the Business of Government". In Kelly, Christopher (ed.). Theodosius II: Rethinking the Roman Empire in Late Antiquity. Cambridge: Cambridge University Press. pp. 67–89. ISBN 1-107-03858-8.
Kelly, Christopher (2013). "Rethinking Theodosius". In Kelly, Christopher (ed.). Theodosius II: Rethinking the Roman Empire in Late Antiquity. Cambridge: Cambridge University Press. pp. 2–64
Chronographia of john malalas
Chronicon Paschale 450.; Theophanes the Confessor 160
Garsoïan, Nina (1997). "The Marzpanate (428–652)". In Hovannisian, Richard G. (ed.). The Armenian People from Ancient to Modern Times. Vol. 1. New York: St. Martin's Press. pp. 95–115. ISBN 0-312-10169-4.
Bonner, Michael (2020). "Humiliation and Heresy". The Last Empire of Iran. Piscataway, NJ: Gorgias Press. pp. 123–170. doi:10.31826/9781463240516-007. p 131
Ostrogorsky, George (1956). History of The Byzantine State. New Brunswick, Canada: Rutgers University Press. p 64
Herrin, Judith (2016). "Late Antique Origins of the 'Imperial Feminine'". Byzantinoslavica - Revue internationale des Études Byzantines. 74 (1–2) p 22-23
Osequeda, Jason (2018). Because it is New Rome: The Authority of the Patriarchate of Constantinople, 379–553 (Thesis). Chicago: University of Chicago. doi:10.6082/M15H7DF0. pp 186-187
Jones, A. H. M.; Martindale, J. R.; Morris, J. (1980). The Prosopography of the Later Roman Empire: Volume 2, AD 395–527. Cambridge: Cambridge University Press. p 1066
Dédéyan, Gérard (2007). History of the Armenian people. Tolosa: Privat.
https://books.google.com.eg/books?id=tSq1wuai-XUC&pg=PR88&redir_esc=y#v=onepage&q&f=false
Evagrius Scholasticus, Historia Ecclesiastica III. 14.
https://gedsh.bethmardutho.org/John-Rufus
https://dokumen.pub/john-rufus-the-lives-of-peter-the-iberian-theodosius-of-jerusalem-and-the-monk-romanus-9781589832008-1589832000.html
Plerophoriae
https://www.mediafire.com/file/19slp9kr2qcof0w/Patrologia+Orientalis-+Tomus+Octavus.pdf/file
Rayfield, Donald (2013). The Literature of Georgia: A History. London: Routledge. pp. 42–44.
https://st-takla.org/books/en/church/synaxarium/05-topah/21-toba-hilaria.html
Lawler, Jennifer (2018-01-16). Encyclopedia of Women in the Middle Ages. McFarland. p. 21.
Smith, William (1870). Dictionary of Greek and Roman Biography and Mythology. Boston: C. Little and J. Brown. p. 466.
Friell, Gerard; Stephen Williams (December 1998). The Rome That Did Not Fall. Routledge. pp. 184–186.
https://en.wikipedia.org/wiki/Peter_the_Iberian
===============================
مراجع شخصيات الفصل الخامس :
Bryan Ward-Perkins; Michael Whitby (2000). The Cambridge ancient history. 14. Late antiquity: empire and successors, A.D. 425–600. Cambridge University Press. pp. 51–52.
Justo L. González (2010). A History of Christian Thought Volume II: From Augustine to the Eve of the Reformation. Abingdon Press. pp. 79–82.
https://en.wikipedia.org/wiki/Kaleb_of_Axum
https://en.wikipedia.org/wiki/Gebre_Meskel
-Nebes, Norbert (2010). "The Martyrs of Najrān and the End of Ḥimyar: On the Political History of South Arabia in the Early Sixth Century". In Neuwirth, Angelika; Sinai, Nicolai; Marx, Michael (eds.). The Qur'an in Context. Historical and Literary Investigations into the Qur'anic Milieu. Brill. pp. 25–60.
-Chatonnet, Francoise Briquel; Debie, Muriel (20 June 2023). The Syriac World: In Search of a Forgotten Christianity. p. 117.
-Norbert Nebes, 'The Martyrs of Najrān and End of the Ḥimyar: On the Political History of South Arabia in the Early Sixth Century,' the Angelika Neuwirth, Nicolai Sinai, Michael Marx (eds.), The Qur'ān in Context: Historical and Literary Investigations Into the Qur'ānic Milieu, BRILL 2010 pp.27-60, p.45, p. 48.
-Grasso, Valentina (2023). Pre-Islamic Arabia: Societies, Politics, Cults and Identities During Late Antiquity. Cambridge University Press. pp. 98–99.
- باقات عطرة من سير الأبرار والقديسين، صفحة 136-137.
- الأنبا يؤانس : الاستشهاد في المسيحية.
- The Book of the Himyarites: Fragments of a Hitherto Unknown Syriac Work, ed. Axel Moberg (Lund, 1924).
Conrad, Lawrence T. (2008). "The Arabs". In Cameron, Averil; Ward-Perkins, Bryan; Whitby, Michael (eds.). The Cambridge Ancient History, Volume XIV. Late Antiquity: Empire and Successors, A.D. 425–600. Cambridge: Cambridge University Press. pp. 678–700.
-Shahîd, Irfan (1995). Byzantium and the Arabs in the Sixth Century, Volume 1
-Shahîd, Irfan (1965). "Ghassān". In Lewis, B.; Pellat, Ch. & Schacht, J. (eds.). The Encyclopaedia of Islam, Second Edition. Volume II: C–G. Leiden: E. J. Brill. pp. 462–463.
https://en.wikipedia.org/wiki/Silko
Cross: Dict. of Christian Church , p 1358.
John of Ephesus. The Third Part of the Ecclesiastical History of John Bishop of Ephesus. Translated by R. Payne Smith. Oxford: Oxford University Press, 1860.
Sawirus ibn al-Muqaffa'. History of the Patriarchs of the Coptic Church of Alexandria (Historia Patriarcharum Alexandrinorum). Edited and translated by B. Evetts. In Patrologia Orientalis, Vol. I, V, X. Paris: Firmin-Didot et Cie, 1904-1910.
Treadgold, Warren (1997). A History of the Byzantine State and Society. Stanford University Press.p. 225.
Meyendorff, John (1989). Imperial unity and Christian divisions: The Church 450–680 A.D. The Church in history. Vol. 2. Crestwood, NY: St. Vladimir's Seminary Press
https://en.wikipedia.org/wiki/Shirin
===============================
مراجع شخصيات الفصل السادس :
https://en.wikipedia.org/wiki/Merkurios_of_Makuria
https://en.wikipedia.org/wiki/Georgios_I_of_Makuria
https://en.wikipedia.org/wiki/Salomo_of_Makuria
https://en.wikipedia.org/wiki/List_of_kings_of_Axum#Christian_Monarchs_(4th%E2%80%9310th_centuries)
https://en.wikipedia.org/wiki/List_of_emperors_of_Ethiopia#Solomonic_dynasty

اكتب رأيك في هذه المقالة