#ابائيات
#تاريخ_كنسي
================================
الباليوم | رداء الفلاسفة
================================
الفصل الاول : الاصل
في القرون الأولى للمسيحية، مكنش الباليوم (Pallium)
مجرد قطعة قماش، بل كان بيان فكري ولاهوتي. في الإمبراطورية الرومانية،كان المواطن الروماني بيرتدي التوجا
(Toga)، لكن كان الفلاسفة والمعلمين بيرتدوا الباليوم (أو الهيماتيون باليونانية).
لما اعتنق المسيحيين الأوائل (بالاخص المدافعين) الإيمان، لبس الكتير منهم هذا الرداء ليعلنوا للعالم الوثني : المسيحية هي الفلسفة الحقيقية، والمسيح هو المعلم الأعظم
بس إشمعنى الآباء رفضوا الـ توجا الرومانية بالذات ؟ الموضوع مكنش مجرد رفض للبس غالي أو مترف و خاص بالمواطنين الرومان العاديين و الاغنياء و بس بل لان التوجا كانت مرتبطة ارتباط وثيق بالديانة الرومانية الوثنية. دي كانت اللبس الرسمي للكهنة الوثنيين وهما بيقدموا الذبائح للأوثان، وكان ليها دلالات سياسية ووثنية بتتعارض مع الإيمان المسيحي. على الناحية التانية، الباليوم كان يعتبر زي عالمي
(Cosmopolitan) مش مرتبط بدولة معينة ولا بديانة وثنية، بل مرتبط بالبحث عن الحقيقة
عشان كده الآباء استخدموا مصطلح مهم جدا وهو (Vera Philosophia)
يعني الفلسفة الحقيقية. هما كانوا بيقصدوا إن الفلاسفة اليونانيين كانوا بيدوروا على اللوجوس (الكلمة أو العقل الأسمى)، والمسيحية جت تعلن إن اللوجوس قد صار جسدا (المسيح). فكان من الطبيعي والمنطقي إن خدام اللوجوس يلبسوا زي الحكمة والفلسفة الحقيقية.
======================
اصل هذا الرداء :
قبل ما يُعرف بالاسم اللاتيني الباليوم، الرداء ده كان معروف في اليونان باسم الهيماتيون (Himation)، وتحديدا النسخة الخشنة والمتقشفة منه اللي كانت بتتسمى التريبون (Tribon).
أول إشارات تاريخية لارتداء الرداء ده كإعلان عن الحياة الفلسفية بترجع للفيلسوف سقراط، اللي كان مشهور إنه بيلبس عباءة بسيطة جدا صيف وشتاء كدليل على احتقاره للماديات.
بعد سقراط، تلميذه أنتيستنيس (مؤسس المدرسة الكلبية) وتلميذه ديوجين الكلبي (Diogenes)
هما اللي خلوا التريبون (الباليوم) هو الزي الرسمي والوحيد للفيلسوف، وكانوا بيلبسوه على اللحم مباشرة بدون قميص تحته، لإثبات إن الفيلسوف الحقيقي مش محتاج من الدنيا غير الحقيقة والغطاء البسيط ده.
========
وهنا لازم اوضح فرق مهم جدا لان بعض الفلاسفة الوثنيين في الوقت ده، وتحديدا أتباع المدرسة الكلبية او الكلبيين كانوا بيلبسوا الباليوم بس بيتعمدوا يسيبوه قذر ومبهدل جدا كنوع من التمرد أو عشان يلفتوا الانتباه ويعملوا صدمة للمجتمع. لكن الآباء المسيحيين لما لبسوه، لبسوه بنظافة وحشمة ووقار، عشان يوصلوا رسالة إن الزهد المسيحي هو زهد داخلي وخارجي نبيل، مش مجرد تمرد اجتماعي أو استعراض زاهد زي ما الكلبيين كانوا بيعملوا.
================================
الباليوم هو عبارة عن عباءة مستطيلة بسيطة من الصوف، بيتلف حول الجسم و بيتثبت في الغالب على الكتف الشمال، سايب اليد اليمين حرة. وكان بيتميز بالبساطة والتقشف مقارنة بـالتوجا الرومانية المعقدة والمزركشة.
كان بيرمز للزهد، الحكمة، والتكريس للحقيقة. الي بيلبسه بُعرف بأنه فيلسوف أو معلم أخلاقي.
المسيحيين تبنوا الزي ده عشان يقولوا إنهم وجدوا في المسيح ما عجز عنه سقراط وأفلاطون و ارسطو.
مع الرداء الفلسفة كمان كان يجي معاها اللحية الفلسفية (The Philosopher's Beard) :
الصورة مكنتش بتكتمل بالباليوم بس. في العالم القديم، ارتداء الباليوم كان دايما مقترن بإطلاق اللحية، واللي كانت بتتسمى لحية الفيلسوف. اللحية مع العباءة الخشنة كانوا بيمثلوا الشكل الكامل للزهد ورفض التأنق الدنيوي المبالغ فيه اللي كان بيميز الرومان (اللي كانوا غالبا بيحلقوا ذقونهم). المدافعين المسيحيون الأوائل، زي يوستينوس وتاتيان، احتفظوا باللحية دي مع الباليوم، عشان يؤكدوا إن التزامهم بـ الفلسفة المسيحية هو التزام كامل ظاهرا وباطنا.
================================
الفصل التاني : الاباء الكنسيين الي ارتدوه
أريستيدس الأثيني :
بيذكر لينا القديس جيروم في كتابه مشاهير الرجال الاتي عنه في الفصل 20 انه كان بيرتدي زي الفلاسفة :
قدّم أريستيدس، الفيلسوف الأثيني البليغ، وتلميذ المسيح مع احتفاظه بزيّه الفلسفي، كتابًا إلى هادريان في نفس الوقت الذي قدّم فيه كوادراتوس كتابه. احتوى الكتاب على بيان منهجي لعقيدتنا، أي دفاع عن المسيحيين، وهو كتاب لا يزال موجودًا ويعتبره اللغويون شاهدًا على عبقريته.
و بردو القديس كوادراتوس :
يُعتبر أول المدافعين. مع قلة المعلومات عنه لكن تكلم عنه بردو يوسابيوس و جيروم، لكن سياق تقديمه للدفاع للإمبراطور هادريان ولقبه كفيلسوف مسيحي في التقاليد القديمة بيضعه في نفس نسق أريستيدس من حيث المظهر العام الي يخول له مخاطبة الأباطرة كقرين فكري.
و هنا حابب اذكر حاجة من اسباب ان القديسين الاتنين دول اهتموا يلبسوا هذا الرداء بجانب طبعا الاسباب الي قدمتها السبب الاهم الا و هو الامبراطور هادريان .
لان الإمبراطور هادريان كسر التقاليد الرومانية
فا تقديم كوادراتوس وأريستيدس دفاعهم للإمبراطور هادريان وهما لابسين الباليوم مكنش مجرد صدفة؛ هادريان (حكم من 117 لـ 138 م) كان مهووس بالثقافة والفلسفة اليونانية (Philhellene).
هادريان صدم النخبة الرومانية المحافظة لأنه كان أول إمبراطور روماني يرفض لبس التوجا المعقدة في مناسبات كتير، ويظهر علناً بـ الباليوم اليوناني، وكمان أطلق لحيته (لحية الفلاسفة) عكس كل الأباطرة الرومان اللي قبله اللي كانوا حليقي الذقن.
الخطوة الجريئة من إمبراطور بحجم هادريان هي اللي أعطت الباليوم شرعية وهيبة في المجتمع الروماني، ومهدت الطريق للمدافعين المسيحيين في نفس العصر والقرون اللي بعده إنهم يمشوا في شوارع روما بزي الفلاسفة بكل ثقة، لأن الإمبراطور نفسه كان بيحترم الزي ده.
و من الاباطرة اللاحقين له الي اهتموا بالباليوم و الفلسفة عموما و كان رواقي هو الامبراطور ماركوس اوريليوس :
إذا كان هادريان مهد الطريق، فالإمبراطور ماركوس أوريليوس (اللي حكم من 161 لـ 180 م) هو اللي خلى الباليوم رمز مقدس في الإمبراطورية. التاريخ (تحديدا في كتاب التاريخ الأغسطي - Historia Augusta)
بيحكيلنا إن ماركوس وهو طفل عنده 12 سنة بس، أعلن اعتناقه للفلسفة الرواقية، ورفض يعيش عيشة الأمراء، ولبس الباليوم الفلسفي الخشن، وبقى ينام على الأرض
لما ماركوس بقى إمبراطور، فضل محتفظ بروح الفيلسوف. أهمية النقطة دي إن الآباء المدافعين (زي يوستينوس وأثيناغوراس الي هتكلم عنهم قدام) لما لبسوا الباليوم وكتبوا دفاعاتهم، كانوا بيكلموا إمبراطور أو مجتمع بيحترم الزي ده جدا، فكانوا كأنهم بيقولوا لماركوس أوريليوس وللرومان : إنتو بتدوروا على الحكمة في الرواقية ولابسين عباءتها، إحنا بقى لقينا الحكمة المتجسدة (المسيح)، ولبسنا نفس العباءة عشان نعلن إن دي الفلسفة الحقيقية.
========================
يوستينوس الشهيد :
بيذكر لينا يوسابيوس القيصري في تاريخه الكنسي الكتاب الرابع-الفصل 11 انه يوستينوس كان بيرتديه في الرد علي ماركيون و ده بردو ذكره يوستينوس نفسه في حواره مع تريفو اليهودي في بداية الخطاب لما تريفو اتعجب و اعجب بيه نرجع لنص يوسابيوس الي هو الاتي :
لكن يوستينوس كان بارزًا بشكل خاص في تلك الأيام. متنكرًا في زيّ الفيلسوف، بشّر بالكلمة الإلهية، ودافع عن الإيمان في كتاباته. كما ألّف كتابًا ضد ماركيون، ذكر فيه أن الأخير كان حيًا وقت كتابته يقول :
"هناك ماركيون البنطي، الذي لا يزال حتى الآن يُعلّم أتباعه الاعتقاد بوجود إله آخر أعظم من الخالق. وبمساعدة الشياطين، أقنع كثيرين من مختلف الأجناس بالتجديف، وإنكار أن خالق هذا الكون هو أبو المسيح، والاعتراف بأن خالقًا آخر أعظم منه هو الخالق. وكل من اتبعهم، كما ذكرنا، يُسمّون مسيحيين، كما يُطلق اسم الفلسفة على الفلاسفة، مع أنهم قد لا يتفقون في أيٍّ من المذاهب."
ويضيف: "وقد ألّفنا أيضًا كتابًا ضد جميع البدع التي وُجدت، وسنُعطيه لكم إن رغبتم في قراءته."
لكن هذا يوستينوس نفسه جادل بنجاحٍ باهر ضد اليونانيين، وألقى خطاباتٍ تضمنت دفاعًا عن عقيدتنا أمام الإمبراطور أنطونيوس، الملقب بيوس، ومجلس الشيوخ الروماني. فقد كان مقيمًا في روما. أما هويته وأصله، فقد بيّنهما في دفاعه بالكلمات التالية.
========================
العلامة اثيناغورس الاثيني :
كان بيُلقب بـ الفيلسوف المسيحي الأثيني. دافع عن المسيحية وهو لابس عباءة الفلسفة عشان صوته يتسمع في الأوساط الثقافية والفكرية. وفي بعض التقاليد القديمة (زي كتابات المؤرخ فيليب السيدي في القرن الخامس) بيتقال إنه كان مرتبط بمدرسة الإسكندرية اللاهوتية قبل القديس بنتينوس و انه كان ناظرها و مديرها، وإن كان الموضوع ده عليه نقاش وجدل بين المؤرخين، بس الأهم والمؤكد هنا هو إصراره على تقديم المسيحية كفلسفة عقلانية عميقة وهو محتفظ بزيّه الفلسفي و كتب خطاب مخصوص لماركوس اوريليوس و ابنه كومودوس يشرحله فيه الايمان المسيحي السليم بالكامل ضد ادعاءات و اكاذيب الوثنين.
========================
العلامة ترتليان :
ترتليان هو الشخصية المحورية هنا لأنه كتب كتابا كامل بعنوان عن الرداء (De Pallio)
خلع ترتليان التوجا الرومانية (رمز المواطنة والترف) ولبس الباليوم. سخر منه الناس في قرطاج (و هو من قرطاج - شمال افريقيا) فرد عليهم بالكتاب.
بيختتم كتابه بعبارة شهيرة يمدح فيها الباليوم و بيقول بعد مقدمات طويلة في الدفاع عنه ضد السخرية :
ابتهج و افرح ايها الرداء ابتهج و افرح فلقد نلت عقيدة و ايمان افضل و اعظم و اسمي من الكل فلقد صرت رداء المسيحيين
========================
القديس هيراكلاس البابا ال13 لكرسي الاسكندرية و بطريرك المرقسية (تنيح سنة 248 تقريبا) :
بيذكر يوسابيوس القيصري نقلا عن العلامة اوريجانوس (في تاريخ الكنيسة، الكتاب السادس، الفصل 19) بوضوح شديد عنه الاتي انه خلع اللبس العادي و ارتدي لبس الفلاسفة :
وفي هذا اقتدينا ببنتينوس، الذي أفاد الكثيرين قبلنا بتحضيره الدقيق لهذه الأمور، وكذلك هيراكلاس، وهو الآن عضو في مجلس قساوسة الإسكندرية. وجدته مع معلم العلوم الفلسفية، الذي كان قد رافقه لخمس سنوات قبل أن أبدأ بتلقي محاضرات في هذه المواضيع.
ومع أنه كان يرتدي الزي العادي سابقًا، فقد خلعه وارتدى، ولا يزال يرتدي، زي الفيلسوف؛ وهو يواصل بحثه الجاد في الأعمال اليونانية.
و بردو بطركنا البابا دينيسيوس السكندري البابا ا14 كان بيلبسه زي سلفه و معلمه.
========================
القديس بنتينوس ناظر و مدير مدرسة الاسكندرية اللاهوتية :
كان معلم إكليمندس وأوريجانوس. كان فيلسوف رواقي قبل اعتناقه المسيحية. تشير المصادر (يوسابيوس وجيروم و اكليمندس و اوريجانوس) إلى انه حتفظ بنمط حياة الفلاسفة وزيهم في رحلاته التبشيرية للهند وتدريسه في الإسكندرية.
========================
القديس إكليمندس السكندري :
ده بقى من أهم الآباء اللي اتكلموا عن لبس المسيحيين بالتفصيل، خصوصا في كتابه الجميل المربي (Paedagogus). إكليمندس هاجم جدا اللبس الفاخر والمصبوغ بألوان غالية، ودعا للبساطة الشديدة اللي بيمثلها اللباس الخشن. كان شايف إن الجسد المفروض ميتزينش بأكتر من اللي بتفرضه الطبيعة والحشمة، وإن اللبس الفلسفي البسيط هو اللبس الأنسب للمسيحي لأنه بيعبر عن الزهد، الاستغناء، والتركيز على جمال الروح الداخلي مش المظاهر الخارجية.
========================
الفيلسوف تاتيان الاشوري :
قبل انحرافه بعد نياحة معلمه الشهيد القديس يوستينوس، كان تاتيان تلميذ نجيب ليوستينوس وبيقدم نفسه كفيلسوف بربري (غير يوناني) وجد الحقيقة. في كتابه خطاب لليونانيين، يهاجم فلاسفة اليونان لكنه يتبنى مظهر المعلم المتجول (الي بيرتدي الباليوم)
========================
القديس ميليتو أسقف ساردس :
يذكره ترتليان ويوسابيوس كأحد المدافعين الكبار (معاصر ليوستينوس). يشير المؤرخون إلى أنه كان متحدث بالبلاغة المسيحية بشكل جذاب و امين و كامل، زي الي كانوا معروفين برداء الباليوم
========================
القديس غريغوريوس صانع العجائب
Gregory Thaumaturgus :
تلميذ أوريجانوس. عندما ألقى خطاب الوداع لأستاذه أوريجانوس
(Panegyric to Origen)، وصف الحياة الفلسفية التي عاشوها مع بعض. ارتداء الباليوم كان جزءا من الزي المدرسي لمدرسة أوريجانوس الي بتدمج اللاهوت بالفلسفة.
و بردو بيحكي انه اوريجانوس نفسه كان بيلبسه
========================
القديس كبريانوس و الشهيد اسقف قرطاج :
لما آمن وبقى مسيحي، ساب ملابس النبلاء الغالية والمزركشة واختار يلبس هدوم بسيطة جدا بتعبر عن التقشف. الشماس بتاعه بونتيوس (Pontius) اللي كتب سيرته، بيحكي إزاي كبريانوس تخلى عن مظاهر الترف الدنيوية دي ووزع ثروته، وده كان بيمشي في نفس السكة اللي بدأها العلامة ترتليان في شمال أفريقيا بالبعد عن الترف الروماني والتمسك بفلسفة البساطة المسيحية في المظهر والجوهر.
و بردو القديس هيبوليتس الروماني الفيلسوف و القديس كان بيلبس الباليوم أثناء تبشيره باسم الرب الاله قدام الوثنيين.
========================
القديس باسيليوس الكبير و القديس غريغوريوس النزينزي :
عمودا كبادوكية : القديس باسيليوس الكبير والقديس غريغوريوس النزينزي :
القديسان العظيمان دول بيمثلوا قمة الدمج بين الثقافة اليونانية الراقية واللاهوت المسيحي العميق. لما كانوا بيدرسوا في جامعة أثينا (عاصمة الفلسفة وقتها)، كانوا بيلبسوا الباليوم (أو التريبون الخشن) كزي مميز للطلبة والفلاسفة.
القديس غريغوريوس النزينزي في الخطبة 43 (وهي مرثيته العظيمة في جنازة صديق عمره باسيليوس)، بيفتخر جدا بالأيام دي وبيحكي إزاي هما الاتنين حافظوا على لبس الفلاسفة ده، بس قرنوه بـ طهارة السيرة والمواظبة على الكنيسة
التحدي الأكبر ليهم كان لما تصدروا للرد على الفلاسفة الوثنيين زي الفيلسوف ليبانيوس وتصدوا للإمبراطور يوليان الجاحد (الي للمفارقة كان زميل دراستهم في أثينا) يوليان كان عايز يحتكر عباءة الفلسفة للوثنيين بس، لكن باسيليوس وغريغوريوس رفضوا يقلعوا الباليوم، واعتبروه الزي الرسمي لـ النسك المسيحي و فلسفة الصليب. ولما باسيليوس أسس الرهبنة في الشرق، خلى الرداء الفلسفي الخشن ده هو أساس الإسكيم والزي الرهباني لرهبانه، عشان يعلن إن الراهب هو الفيلسوف الحقيقي اللي كرس عقله وجسده لله و الموضوع ده اخدوه من الاباء الكبار انطونيوس و باخوميوس و غيرهم من الاباء العظام.
========================
القديس أغسطينوس أسقف هيبو :
القديس أغسطينوس حسم القضية دي من الناحية اللاهوتية والعملية في كتابه العظيم مدينة الله
أغسطينوس قال بوضوح إن الكنيسة المسيحية مش فارق معاها إيه اللبس اللي بيلبسه الشخص اللي بيدخل الإيمان، ولا عاداته في الأكل والشرب، طالما الحاجات دي مش ضد وصايا ربنا. وأكد إن الفيلسوف لو بقى مسيحي، الكنيسة مش بتجبره يغير لبسه ولا نمط حياته الزاهد، بل بتطالبه بس يغير عقيدته الباطلة ويقبل الحق. فده بيوريك إن الكنيسة كانت بتحترم الزي ده جدا وبتعتبره متوافق مع الإيمان.
القديس يوحنا ذهبي الفم :
في عظاته المشهورة، وتحديدا وهو بيقارن بين فلاسفة العالم والرهبان (اللي كان بيسميهم فلاسفة المسيح الحقيقيين)، كان بيشاور دايما على العباءة البسيطة الخشنة. ذهبي الفم كان بيقول إن الفيلسوف الوثني بيلبس الباليوم كنوع من الاستعراض والكبرياء الفكري، أما المسيحي والراهب بيلبسوه بدافع الاتضاع الحقيقي ومقاومة بهرجة العالم، وبكده رجعوا للرداء ده معناه النبيل الحقيقي.
========================
الرمزية اللاهوتية في الشرق (القديس إيسيدوروس الفرمي) :
تطور الرداء حصل في الشرق كمان و كان اسمه الأوموفوريون هنا احنا لازم نقف عند القديس العظيم إيسيدوروس الفرمي (القرن الخامس ). في خطابه الشهير (الرسالة 136)، قدم شرح لاهوتي بديع جدا للرداء ده؛ قال إن الأوموفوريون اللي بيلبسه الأسقف وهو مصنوع من الصوف، بيرمز لـ الخروف الضال اللي السيد المسيح (الراعي الصالح) شاله على كتفيه.
والمثير جدا في الطقس الشرقي العام و نقدر نحدد القديم، إن الأسقف لما بييجي يقرا الإنجيل في القداس، بيقلع الأوموفوريون ده من على كتفه. القديس إيسيدوروس بيشرح ده ويقول : الأسقف بيقلع الرداء في اللحظة دي عشان يعلن للكل إن الراعي الأعظم والمحامي نفسه (السيد المسيح) قد حضر وبيتكلم بنفسه من خلال الإنجيل، فمفيش داعي للرمز في حضور المرموز إليه
========================
الاسقف القديس سينيسيوس القوريني الليبي (أسقف بطليموس) :
ده كان تلميذ الفيلسوفة هيباتيا في الإسكندرية كان فيلسوف افلاطوني و افلوطيني. لما بقى مسيحي واختاروه يكون أسقف على مدينة بطليموس (في ليبيا الحالية - القرن الخامس) و كان من المحبين للبابا ثيؤفيلوس السكندري بطركنا ال23، رفض إنه يتخلى عن هويته كفيلسوف و سينيسيوس أعلن بوضوح إنه هيفضل يلبس عباءة الفلسفة (الباليوم) وهيحتفظ بأفكاره الفلسفية اللي بتتناغم مع الإيمان المسيحي، وكان بيعتبر إن الأسقفية هي الامتداد الطبيعي والعملي لرسالة الفيلسوف الحقيقي في خدمة المجتمع.
========================
الفصل التاني : الباليوم في الفن والآثار المسيحية المبكرة
الأدلة مش تقتصر على النصوص، بل بتمتد للآثار :
سراديب الموتى (Catacombs) :
في رسومات القرنين الثالث والرابع، يظهر المسيح والرسل (خاصة بولس وبطرس) وهم بيلبسوا الباليوم مش التوجا. لان الفنان المسيحي المبكر كان عايز تصوير المسيح كالمعلم الحقيقي والفيلسوف الأعظم و المسيح كان فعلا كده لكن كتذكير في الدليل المادي و المرئي مش مجرد المقروء.
التماثيل المبكرة : تمثال المسيح الراعي الصالح أو تماثيل المعلمين في روما كانت بتظهر نمط الثنيات الخاص بالباليوم.
وكمان لما نيجي نبص على الفن المسيحي المبكر، هنلاقي مفاجأة؛ الفنان المسيحي مرسمش بس المسيح والرسل بالباليوم، ده كمان رسم أنبياء العهد القديم زي موسى وإبراهيم وهما لابسين الباليوم اليوناني في سراديب الموتى. ده مكنش صدفة، دي كانت رسالة مقصودة عشان تؤكد إن جذور الفلسفة الحقيقية والحكمة مش جاية من الإغريق، دي راجعة للعهد القديم وإعلانات الله للأنبياء.
وفي نمط فني مميز جدا ظهر وقتها اسمه (Traditio Legis) أو تسليم الشريعة، بيظهر فيه السيد المسيح جالس كفيلسوف عظيم لابس الباليوم، وبيدي درج الحكمة لبطرس وبولس، كإعلان مادي ومرئي إن المسيح هو المعلم الأعظم.
ومن الأدلة الأثرية الجميلة اللي لازم نذكرها، هو تمثال القديس هيبوليتوس الروماني (المكتشف سنة 1551 قرب روما، و بيرجع للقرن التالت). التمثال ده بيظهره وهو جالس على كرسيه ولابس باليوم فيلسوف يوناني كامل بثنياته الدقيقة، وده دليل مادي قاطع على مظهر القادة الكنسيين في الوقت ده.
كمان لو ركزنا في لوحات الفسيفساء القديمة (موزاييك) في كنائس رافينا زي كنيسة سان فيتالي وسانت أبوليناري نوفو، هنلاقي المسيح والرسل لابسين باليوم أبيض ناصع، وفي أطراف الرداء فيه علامات وزخارف شبه الحروف اليونانية (زي حرف الـ Gamma أو الحرف H). العلامات دي أثريا بتتسمى (Gammadia)، وكانت بتتحط في زوايا الباليوم الفلسفي في الفن المسيحي المبكر كرمز سري بيشير للمقدسات أو كعلامة على الرتبة الفكرية والروحية الرفيعة لصاحب الرداء.
و علي سيرة الاثار بردو في الغرب في الكنيسة اللاتينية تحديدا الباليوم أخد مسار قانوني صارم جدا مع بداية القرون الوسطى (القرن 6 و7). مبقاش مجرد لبس وخلاص، ده بقى علامة على الشركة مع كرسي روما الاسقف غريغوريوس الكبير (Gregory the Great)
بدأ يبعت الباليوم الصوفي ده كهدية وهبة إمبراطورية وكنسية للمطارنة ورؤساء الأساقفة في بريطانيا وغال (فرنسا) كإعلان عن تفويض السلطة الرعوية ليهم. وبقى فيه قانون كنسي غربي بيقول إن رئيس الأساقفة الجديد ملهوش حق يمارس صلاحياته الكاملة ولا يرسم أساقفة إلا لما يستلم الباليوم من البابا شخصياً.
والطقس بتاعه بقى عجيب جدا لان الصوف بتاعه بيتاخد من حملين صغيرين بيتقدموا كذبيحة شكر في عيد القديسة أجنيس في روما، وبيتم غزلهم بواسطة راهبات، وبيتحط الباليوم ده ليلة كاملة على قبر القديس بطرس الرسول قبل ما يسلم للأسقف، كإشارة لربط حكمة المعلم برعاية الراعي الصالح
========================
الفصل التالت : تطور المعنى (من الفلسفة إلى الرهبنة فالكهنوت)
من المهم فهم التسلسل التاريخي لارتداء الباليوم :
القرن 2-3 م : كان رداء المدافعين والمثقفين المسيحيين (يوستينوس، ترتليان) لتمييزهم عن الوثنيين وعن الحياة الدنيوية.
القرن 4-5 م : أصبح رداء الرهبان والنساك. آباء البرية اعتبروا الباليوم (لخشونته وبساطته) الزي المناسب للنسك. القديس جيروم كان ينصح به كزي للزهد .
و البداية في ده عند الرهبان والنساك كان عند الاباءالأوائل زي الأنبا أنطونيوس والأنبا باخوميوس و انبا بولا السائح أخدوا فكرة الرداء البسيط الخشن وحولوها لـ الإسكيم والزي الرهباني المعروف لينا دلوقتي عشان يكون زي الملائكة الأرضيين. و الكلام ده شرحوا الفيلسوف والراهب و القديس إيفاجريوس البنطي في كتابه العملي (Praktikos)
شرح بالتفصيل التطور ده، وإزاي إن لبس الرهبان (اللي كان أصله الباليوم الفلسفي) بقى ليه دلالات روحية عميقة لكل قطعة فيه (زي القلنسوة والمنطقة)، وبقى هو الامتداد المباشر والمقدس لعباءة الفلاسفة المكرسين لله.
===========
في شئ جميل حابب اعرضه الا و هو السند الكتابي لطقس الباليوم قبل ما اكمل في باقي العرض :
الآباء في الغرب كانوا محتاجين سند كتابي (و طلع موجود من العهد القديم) يقوي فكرة الباليوم و هنا يجي القديس جيروم :
القديس جيروم (إيرونيموس) لما قام بترجمة الكتاب المقدس للغة اللاتينية (الفولجاتا)، عمل لفتة عبقرية رسخت شرعية الرداء ده في الكنيسة الغربية. في سفر الملوك الثاني (2 ملوك 2: 13)، لما صعد إيليا النبي للسماء وسقطت عباءته على تلميذه أليشع، جيروم اختار يترجم كلمة عباءة او الذي يستر و يحمي للكلمة اللاتينية (Pallium)
، فبقت الآية باللاتيني (levavit pallium Heliae).
الترجمة دي خلت الكنيسة تعتبر إن الباليوم مش بس تراث فلاسفة اليونان، ده كمان امتداد لعباءة الأنبياء، ورمز للروح اللي بيستلمه الأسقف والتلميذ من معلمه.
===========
بعدين تطور ليصبح قطعة ليتورجية كنسية (الباليوم البابوي أو الأوموفوريون الأسقفي في الكنيسة الغربية و الشرقية)، وهو شريط من الصوف يرتديه الأساقفة، لكن أصله بيرجع لللعباءة الفلسفية القديمة.
ممكن تسأل إزاي العباءة الكاملة دي اتحولت للقطعة الليتورجية اللي بنشوفها النهاردة ؟ مع مرور الزمن في الإمبراطورية البيزنطية والرومانية المتأخرة، طريقة لبس العباءة الكاملة (الباليوم) بقت تقيلة ومش عملية في الحركة، فبدأ كبار المسؤولين والفلاسفة يطبقوا العباءة دي ويتنوها على شكل شريط طويل يتلف حوالين الرقبة والكتفين كرمز للسلطة والحكمة.
ومن هنا، الكنيسة أخدت فكرة الشريط المطوي ده عشان يبقى هو الأوموفوريون (Omophorion)
للأساقفة في الشرق، والباليوم في الكنيسة الغربية. ومع الوقت اتحول من مجرد صوف عادي لصوف حملان، عشان يرمز لـ الراعي الصالح اللي بيشيل الخروف الضال على كتفيه. وبكده اكتملت الرحلة من عباءة فلاسفة يونانية لقطعة طقسية مقدسة بتعبر عن سلطة الرعاية المستمدة من المسيح المعلم.
و في موضوع حابب اشرحه في الزي ده و هو الدبابيس التلاتة و الرمزية الي بتقول عليها الكنيسة اللاتينية بخصوصهم. لو ركزت في شكل الباليوم البابوي أو الأسقفي في الغرب، هتلاقي دايما متثبت فيه تلات دبابيس معدنية (غالبا بتكون مزينة بجواهر أو أحجار كريمة بلون أحمر). الدبابيس دي تاريخيا مكنتش مجرد زينة ولا عشان تثبت الشريط وبس؛ لاهوتيا الدبابيس التلاتة دي بترمز لـ مسامير صلب السيد المسيح الثلاثة (اليد اليمين و اليد الشمال و الرجلين لانهم اتدقوا و كانوا فوق بعض بمسمار واحد)، والأحجار الحمراء اللي فيها بترمز لـ قطرات دمه الكريم. فبقى الرداء بيجمع بين هيبة المعلم الفيلسوف وتذكار آلام الراعي الصالح اللي بذل نفسه عن الخراف.
و كمان حابب اوضح حاجة بخصوص الاوموفوريون :
في الكنائس الشرقية ، الرداء الطويل اللي كانت بتلبسه السيدة العذراء بيطلق عليه باليوناني المافوريون (Maphorion)
، وهو النسخة النسائية المقابلة للباليوم (العباءة التي تغطي الرأس والجسد بالكامل). الكنيسة الشرقية بتحتفظ بتذكار عظيم لرداء العذراء ده (المحفوظ تاريخيا في كنيسة بلاشيرن في القسطنطينية)، وبتعتبره رمز لـ الحماية والستر الروحي لكل المؤمنين. فالفكرة هنا إن الرداء (سواء الباليوم للرجال أو المافوريون للنساء) مكنش مجرد لبس، بل كان بيعبر عن فكرة الالتحاف بالنعمة الإلهية والحكمة
دلوقتي نتكلم عن الباليوم الإمبراطوري (اللوروس) :
ولما نتقدم في الزمن لعصر الإمبراطورية البيزنطية، هنلاقي تطور مذهل. الباليوم المطوي مطبقاش حكر على الكنيسة بس؛ الأباطرة زي زينون و أناستاسيوس الأول (في أواخر القرن الخامس وبدايات السادس) كانوا بيلبسوا نسخة إمبراطورية متطورة ومزينة بالجواهر من الباليوم المطوي، اسمها اللوروس (Loros).
في العصور دي، اللي شهدت جدالات لاهوتية عنيفة ومحاولات إمبراطورية لتوحيد العقيدة (زي مرسوم الهينوتيكون)، كان الإمبراطور بيلبس اللوروس المرصع، وفي نفس الوقت كان بطاركة القسطنطينية بيلبسوا الأوموفوريون الكنسي (النسخة الصوفية من نفس الرداء زي معرضت). التطابق البصري ده في البلاط البيزنطي بين الإمبراطور والبطريرك كان رسالة بصرية قوية بتؤكد على عقيدة السمفونيا أو التناغم؛ الإمبراطور هو حامي الإيمان والفلسفة المسيحية سياسيا، والبطريرك هو راعيها روحيا، والاتنين متوشحين برداء الحكمة الإلهية.
و في نفس هذه الفترة مكنش بس الاموفوريون دليل علي القوة و التناغم بل بردو كان دليل شرعية كامل كرمز لسقوط أو شرعية بطاركة القسطنطينية :
في التاريخ البيزنطي المليء بالصراعات اللاهوتية الأوموفوريون تحولت للرمز الأوحد للشرعية البطريركية. لما تدرس التسلسل التاريخي لبطاركة القسطنطينية ومواقفهم اللاهوتية في المجامع، هتلاقي إن قرار عزل أو حرمان أي بطريرك مكنش بيكتمل بمجرد قراءة القرار، بل بالفعل الجسدي والطقسي المتمثل في سحب الأوموفوريون من على كتفيه علنا. خلع الرداء ده كان الإعلان المرئي إن البطريرك ده فقد سلطته الرعوية واتجرد من شرعيته اللاهوتية. فالرداء هنا كان هو الختم الحي على صحة عقيدة البطريرك في القسطنطينية بالاخص بعد خلقدونية المشئوم.
============
و هنا انا احب اشرح حاجة هتبقي جديدة علي كتير منكم يا احبتي الا و هو طقس الاموفوريون الخاص بكرسي القديس مرقس وعملية التسليم الرهيبة :
في كنيستنا القبطية الأرثوذكسية (كرسي الإسكندرية)، أخذ الأوموفوريون بعد طقسي ورمزي في غاية الهيبة والقوة. في القرون الأولى، كان في تقليد بينص على أنه عند نياحة البابا البطريرك، يتم إلباسه كامل ملابسه الكهنوتية ويُجلس على كرسي القديس مرقس الرسول. وعند سيامة البطريرك الجديد، كان يدخل ويتجه نحو البطريرك المتنيح الجالس على كرسيه، وبكل وقار ينزع الأوموفوريون من على رقبة سلفه الراحل ليتوشح به هو، كرمز حي لانتقال النعمة والتسلسل الرسولي المباشر، في محاكاة لاهوتية مهيبة فعله للي عمله إليشع النبي لما التقط رداء معلمه إيليا النبي عند صعوده ليرث روحه وقوته الرعوية من الرب الاله.
لكن هذا الطقس مبقاش يستخدم بحرفية حاليا لكنه مازال موجود برمزية لان زمان كان البطريرك الجديد بيترسم علي طول قبل ما يدفنوا البابا اللي تنيح، لكن دلوقتي الموضوع ده بقى مستحيل لـ أسباب صحية وإدارية، ده غير إن فترة خلو الكرسي البابوي بين البطريرك والتاني بقت بتاخد شهور و اوقات سنين عقبال ما تتم الترشيحات والانتخابات والقرعة الهيكلية، فبيكون البابا السابق اتتدفن من بدري. وعشان كدة، الكنيسة حوّلت الطقس المهيب ده لـ رمزية ليتورجية عبقرية بنعيشها في كل سيامة بابا جديد؛ أول حاجة ملابس البابا الطقسية (البرنس والتاج والبلين أو الشملة و الاموفوريون و غيره من الادوات) بتتحط ليلة بحالها على المذبح قبل الصلاة عشان تتقدس، وكأن البابا الجديد بياخد رداء مارمرقس من إيد المسيح نفسه ومن على المذبح مباشرة مش من إيد بشر بشرية. والشملة أو البلّين اللي البابا والأساقفة بيلبسوها فوق راسهم وكتافهم في القداس لغاية النهاردة هي بالظبط الوريث الشرعي المتطور للباليوم الفلسفي والأوموفوريون القديم وبتمثل خروف الراعي الصالح. ده غير إن البابا الجديد أول ما بيجلس، أول حاجة بيعملها إنه بينزل يزور مزار القديس مارمرقس ومدفن الآباء البطاركة تحت الكاتدرائية عشان يسلم عليهم ويقدم التوقير والاحترام كإعلان إنه استلم الوديعة وبكمل المسيرة الرسولية وراهم.
أما عن آخر مرة الطقس ده اتسجل فيها وحصل بحذافيره حرفيا فالتاريخ الكنسي والوثائق القديمة زي كتابات المؤرخ ليبراتوس القرطاجي في كتابه و مصنفه (موجز في قضية النسطوريين واليعاقبة) (Breviarium causae Nestorianorum et Eutychianorum)
و هو مؤرخ و لاهوتي بتشاور لينا على القرن السادس الميلادي و هو كان من مؤرخين هذا العصر، وتحديدا سنة 535 ميلادية. الحادثة دي حصلت لما تنيح البابا تيموثاوس الثالث (البطريرك الـ 32)، ودخل أرشيدياكون الكنيسة وقتها ثيؤدوسيوس (اللي بقى البابا ثيؤدوسيوس الأول الـبطرك ال 33)، وقبل ما يدفن البابا المتنيح، حط إيد البابا الراحل على راسه تبركا، وبكل هيبة وبإيد مرتعشة قلع الأوموفوريون (الباليوم الخاص بمارمرقس) من على رقبة البابا المتنيح ولبسه هو في نفس اللحظة، وبكده أعلن نفسه البطريرك الشرعي والخليفة الحقيقي قبل ما يدفن معلمه وسلفه بإيده. وبعد الحادثة دي بالذات الطقس الحرفي ده وقف ومبقاش يتعمل بالشكل السريع ده، وده بسبب الانقسامات اللاهوتية العنيفة اللي حصلت والتدخلات السياسية من أباطرة بيزنطة ردئ الايمان امثال جستنيان اللي خلت السيامة محتاجة وقت وترتيبات، فمبقاش فيه فرصة لسيامة سريعة وجسد البابا لسه فوق الأرض، واستقرت الكنيسة على الطقس الرمزي الروحي اللي بنشوفه لغاية النهاردة من فوق المذبح مباشرة.
ليبارتوس قال نصا الاتي مترجم عن اللاتيني :
"بيد أنه عقب وفاة تيموثاوس أسقف الإسكندرية، رُسِّم ثيودوسيوس بمسعى وإذن من الحاجب الإمبراطوري كالوتيكيوس، التابع لحزب الإمبراطورة ثيودورا. ومع أن ثيودوسيوس كان يحوز مرسومًا شرعيًا من الإكليروس (رجال الدين)، فإنه لم يسمح للراغبين في معارضته بإثارة نزاع بين الجماهير، في حين انحاز الرهبان، الذين لم يظفر بتأييدهم، إلى جانب غايانوس.
ولقد قضى العرف في الإسكندرية بأن يقوم من يخلف المتوفى بالسهر حارسًا فوق جثمان السلف، ويضع يد المتوفى اليمنى على رأسه، وبعد أن يواريه الثرى بيديه، يطوق عنقه برداء (باليوم) القديس مرقس المبارك، وعندئذٍ فقط يتبوأ الكرسي الأسقفي بصفة شرعية. وبينما كان ثيودوسيوس يحاول إتمام هذه المراسيم ليلًا، علم الشعب والأديرة بما صُنع في المساء في مقر الأسقفية، بمسعى من كالوتيكيوس والحكام، ونعني بهم القائد العسكري أريستوماخوس والحاكم الأوغسطي ديوسقورس، فسارعوا إلى ملاحقة ثيودوسيوس وطردوه، حائلين بينه وبين تولي جنازة تيموثاوس.
وبدلًا منه، نصبوا غايانوس على عرش الأسقفية، والذي كان آنذاك رئيسًا للأساقفة ممثلًا لفصيل دعاة القول بـ (غير القابلية للفساد). وإذ حظي بتأييد طائفة من الإكليروس، وملاك الأراضي في المدينة، وأعضاء النقابات المهنية، والجنود، والنبلاء، والولاية بأسرها، استمر غايانوس في منصبه الأسقفي لمائة وثلاثة أيام، ثم غادر بعد أن طرده الحكام."
===========
الفصل الرابع : الباليوم في سياسة الامبراطوريات :
الموضوع مكنش مجرد ذوق شخصي بخصوص الامبراطورية ، ده كان فيه قوانين في الإمبراطورية الرومانية بتنظم مين يلبس إيه بالاخص بعد الثورات الفكرية الي حطها هادريان و ماركوس اوريليوس.
الموضوع دخل في سياق صراع هويات قانوني وسياسي. في أواخر القرن الرابع، صدر قانون ثيودوسيوس (Codex Theodosianus)
وده قانون إمبراطوري روماني كان بيفرض على أعضاء مجلس الشيوخ (السناتورز) الرومان إنهم يلبسو التوجا في المحافل الرسمية كرمز لهيبة الدولة و غناها، وفي نفس الوقت القانون ده ساب الباليوم للمدرسين، الفلاسفة، ورجال الدين المسيحيين.
والمثير جدا تاريخيا، إن الإمبراطور يوليان الجاحد (Julian the Apostate)
، لما حاول يرجع الوثنية للإمبراطورية ويحارب المسيحية، كان بيتعمد يلبس الباليوم الفلسفي الخشن ويطلق لحيته عشان يثبت للناس إن الفلسفة والحكمة هي حكر على الوثنيين بس، لكن الآباء المسيحيين وقفوا قصاده وتمسكوا بالزي ده وبالمصطلح بتاعهم عشان يسحبوا البساط من تحت رجله ويأكدوا إن المسيح هو صاحب الفلسفة الحقيقية الوحيدة.
دلوقتي ندخل علي ما حدث من الاساقفة الخلقدون في هذا الموضوع :
في البداية، مكنش ينفع أي أسقف أو بابا يلبس الباليوم إلا بإذن وموافقة شخصية من الإمبراطور الروماني/البيزنطي نفسه يعني مثلا شخص زي الإمبراطور جستنيان الأول في القرن السادس كان بيعتبر الباليوم شارة شرف مدنية وإمبراطورية هو بس اللي ليه حق يمنحها.
لكن مع ضعف سلطة الأباطرة في الغرب، بدأ البابا في روما يسحب الصلاحية دي لنفسه، وبقى هو اللي بيمنح الباليوم للأساقفة كرمز لسيادته الروحية والسياسية المستقلة عن الإمبراطور. الموضوع ده عمل أزمات سياسية ودبلوماسية عنيفة بين روما والقسطنطينية، لأن منح الباليوم كان معناه ببساطة : أنا صاحب السلطة والسيادة هنا.
وتاريخيا أول حدث موثق لإرسال الباليوم كعلامة تفويض وسلطة رعوية من بابا روما لأسقف خارج إيطاليا، كانت سنة 601 ميلادية. وقتها الاسقف غريغوريوس الكبير بعت الباليوم لـ أغسطينوس أسقف كانتربري (رسول إنجلترا)، عشان يديله الصلاحية إنه ينظم الكنيسة هناك ويرسم أساقفة جدد. الخطوة دي كانت نقطة التحول التاريخية اللي نقلت الباليوم من رداء زهد شخصي لـوثيقة إدارية وسياسية بتربط الكنائس المحلية بكرسي روما.
============
مع الوقت للاسف و للمفارقة التاريخية العجيبة، إن الرداء اللي بدأ كرمز للزهد والتقشف والبعد عن الدنيا، تحول في العصور الوسطى في الغرب لـ أزمة مالية وسياسية ضخمة. الباباوية فرضت رسوم مالية شديدة جدا (تسمى ضرائب الباليوم) على أي رئيس أساقفة جديد عشان يستلم الرداء بتاعه.
الموضوع ده تحول لنوع من السيمونية (بيع المواهب الروحية بالمال)، وسبب غضب سياسي وشعبي عارم في ألمانيا وإنجلترا، لدرجة إن المؤرخين بيعتبروا إن أزمة ضرائب الباليوم دي كانت واحدة من الشرارات الأساسية اللي مهدت لـ حركة الإصلاح البروتستانتي في القرن السادس عشر الي قادها اهم الشخصيات وقتها الراهب مارتن لوثر، بسبب اعتراض الناس على استغلال رداء الفلاسفة البسيط لتحقيق مكاسب مالية وسياسية.
===========
و في موضوع حابب اشير ليه بخصوص لفظ و اسم الباليوم و الأثر اللغوي ليه في عالمنا المعاصر :
من الحاجات المثيرة في التاريخ انا و بقرا إن كلمة الباليوم (Pallium)
مدفونة في لغتنا المعاصرة و نادر ما ان شخص بلاحظها يعني في الانجلش، لما الدكاترة بيتكلموا عن العلاج التلطيفي لمرضى الحالات الحرجة (علاج لتخفيف الألم وتغطية الأعراض بدون شفاء كامل)، بيسموه
(Palliative Care).
الكلمة دي مشتقة مباشرة من الفعل اللاتيني (Palliatus) اللي جاي من الباليوم، ومعناه حرفيا : أن تغطي الشخص بالعباءة لحمايته وتخفيف برودة الجو عنه
كمان كلمة (Pall) في الانجلش، اللي بتعني الغطاء اللي بيتحط على التابوت في الجنازات، جاية مباشرة من نفس الرداء الفلسفي البسيط اللي كان بيرمز لستر الجسد بالكامل تمهيدا للحياة الأبدية.
===========
ارتداء الآباء للباليوم مكنش صدفة، بل كان استراتيجية تبشيرية وثقافية كل من ارتدوه من الاباء القديسين الي عرضتهم و غيرهم ارتدوه ليعلنوا أن المسيحية مش عقيدة للجهلة زي ما بيدعي الوثنيين، بل هي الفلسفة الإلهية التي تستحق أن يرتدي دعاتها رداء الحكمة.
بس و سلام المسيح مع الجميع.
================================
مراجع المقالة :
اصل الرداء :
-Arthur Lee Dixon, The Invention of the Philosopher's Mantle, (Classical Antiquity Journal, referencing the transition from Socrates to Diogenes).
لحية الفيلسوف :
-Paul Zanker, The Mask of Socrates: The Image of the Intellectual in Antiquity, University of California Press.
الثورة الفكرية للامبراطوري هادريان :
-Mary T. Boatwright, Hadrian and the Cities of the Roman Empire, Princeton University Press, 1989.
الامبراطور ماركوس اوريليوس :
-Historia Augusta, The Life of Marcus Aurelius, 2.6.
قانون ثيؤدسيوس :
-Codex Theodosianus, XIV.10.1 (Laws on official garments in Rome and Constantinople).
كلام يوسابيوس :
-Eusebius of Caesarea.Church History (Book IV) Chapter 11 Translated by Arthur Cushman McGiffert. From Nicene and Post-Nicene Fathers, Second Series, Vol. 1. Edited by Philip Schaff and Henry Wace. (Buffalo, NY: Christian Literature Publishing Co., 1890.)
-Eusebius of Caesarea.Church History (Book IV) Chapter 3
كلام القديس جيروم :
-On Illustrious Men.Chapter 19
-On Illustrious Men.Chapter 20
ترجمة الفولجاتا :
-Biblia Sacra Vulgata, 2 Kings (4 Kings in Vulgate numbering) 2:13
كلام فيليب الصيدي :
-Philip of Side, Fragments.Fr. 2.[On Athenagoras and the heads of the Alexandrian catechetical school]
كلام ترتليان :
-Tertullian, De Pallio, a commentary by Vincent Hunink, J.C. Gieben, publisher, Amsterdam 2005; ISBN 90 5063 439 7; [332 p]
كلام اكليمندس السكندري :
-Clement of Alexandria, The Instructor (Paedagogus), Book II, Chapter 10 & 11 (On Clothes).
كلام إيفاجريوس البنطي :
-Evagrius Ponticus, The Praktikos, Prologue on the Monastic Habit.
كلام اغسطينوس :
-Augustine of Hippo, The City of God, Book XIX, Chapter 19.
كلام ذهبي الفم :
-John Chrysostom, Comparison Between a King and a Monk.
غريغوريوس النزينزي و باسيليوس الكبير :
-Gregory of Nazianzus, Oration 43 (Funeral Oration on the Great S. Basil), Chapters 15-21 (Describing their life, studies, and ascetic dress in Athens).
كلام إيسيدوروس الفرمي :
Isidore of Pelusium, Epistles, Book I, Letter 136.
https://romanletters.org/letters/isidore_pelusium/136/
كلام سينيسيوس القوريني :
-Synesius of Cyrene, Letters, Letter 105 (Where he discusses his conditions for accepting the episcopate).
بخصوص الاثار و الوثائق التاريخية المتعلقة بالباليوم :
-Arthur de Bles, How to Distinguish the Saints in Art by Their Costumes, Symbols, and Attributes, New York, 1925 (For Gammadia and Pallium art).
-Steven R. Schoenig, Bonds of Wool: The Pallium and Papal Power, 2017.
-Jeffrey Richards, The Popes and the Papacy in the Early Middle Ages: 476-752, Routledge, 1979.
-Diarmuid MacCulloch, A History of Christianity: The First Three Thousand Years, Penguin Books, 2010.
بخصوص الاموفوريون :
-Bissera V. Pentcheva, Icons and Power: The Mother of God in Byzantium, Penn State University Press, 2006.
بخصوص الشرعية من الرداء في القسطنطينية :
-J.M. Hussey, The Orthodox Church in the Byzantine Empire, Oxford University Press.
بخصوص اللوروس الاخ الامبراطوري للباليوم :
-Elisabeth Piltz, The Loros of the Byzantine Emperor, (Byzantion Journal, explaining the evolution of the consular pallium into the imperial loros).
بخصوص الوجود اللغوي المعاصر لكلمة باليوم :
Oxford English Dictionary (Etymology of "Palliative" and "Pall" from the Latin Pallium).
https://www.oed.com/dictionary/palliative_adj
موجز في قضية النسطوريين واليعاقبة للمؤرخ ليبراتوس القرطاجي :
https://la.wikisource.org/wiki/Breviarium_causae_Nestorianorum_et_Eutychianorum
بخصوص الدبابيس التلاتة :
-Herbert Thurston, The Pallium, Catholic Truth Society, London, 1904.
قصة ارسال الباليوم خارج ايطاليا :
-Bede the Venerable, Ecclesiastical History of the English People, Book I, Chapter 29 (Letter of Pope Gregory to Augustine).
======================
مقالات شاملة و كاملة عن بعض الاباء الي ذكرتهم و ديه تعتبر توثيق تاريخي و شرح سيرهم بشكل كامل من كل المصادر الممكنة و امهات الكتب و من ابحاثي الكنسية و التاريخية الي كتبتها تقدر تتثقف من الروابط و تقراها من هنا يا صديقي :
القديس ميليتو اسقف ساردس
https://siervodejehova1.blogspot.com/2026/01/blog-post_58.html
العلامة اثيناغورس الاثيني
https://siervodejehova1.blogspot.com/2026/01/blog-post_39.html
القديس كوادراتوس
https://siervodejehova1.blogspot.com/2026/01/blog-post_22.html
القديس أريستيدس الأثيني
https://siervodejehova1.blogspot.com/2026/01/blog-post_17.html
تاتيان الاشوري | تاتيان السرياني
https://siervodejehova1.blogspot.com/2026/01/blog-post_49.html
القديس بنتينوس
https://siervodejehova1.blogspot.com/2026/01/blog-post_6.html
يوستينوس الشهيد
https://siervodejehova1.blogspot.com/2025/12/blog-post_31.html
القديس كبريانوس القرطاجي | اسقف قرطاجنة
https://siervodejehova1.blogspot.com/2026/06/blog-post_423.html
القديس ديونيسيوس السكندري
https://siervodejehova1.blogspot.com/2026/05/blog-post_06.html
القديس هيراكلاس | ياروكلاس
https://siervodejehova1.blogspot.com/2026/04/blog-post_436.html
العلامة ترتليان | ترتليانوس
https://siervodejehova1.blogspot.com/2026/04/blog-post_7.html
العلامة اوريجانوس
https://siervodejehova1.blogspot.com/2026/03/blog-post_54.html
القديس اكليمندس السكندري | إكليمنضس | كليمندس
https://siervodejehova1.blogspot.com/2026/03/blog-post_57.html
الامبراطور ماركوس اوريليوس :
https://siervodejehova1.blogspot.com/2026/06/blog-post_559.html

اكتب رأيك في هذه المقالة