الامبراطور شارلمان - أب و مؤسس اوروبا الحديثة
=====================
لما الإمبراطورية الرومانية الغربية انهارت سنة 476م خاصتا بعد سقوط روما علي ايد القوط، ما دخلتش التاريخ بهدوء.
هي ببساطة تفككت
البنية التحتية اللي كانت رابطِة قارة كاملة ببعضها الطرق، والقوانين، وطرق التجارة، والأنظمة الإدارية اللي كانت ماسكة ملايين البشر على امتداد آلاف الأميال بدأت تتكسر وتتفتت، وتحوّلت لممالك متنافسة، وأراض قبلية، وفراغات في السلطة، فتحت الباب لحروب مستمرة ما كانتش بتخلص.
أما الأديرة اللي قدرت تنجو من الانهيار، فأصبحت آخر ملجأ للقراءة والكتابة، وللمعرفة الكلاسيكية، وللثقافة المسيحية، في قارة كانت بسرعة بتنسى أصلا يعني إيه حضارة.
ولمدة تلات قرون، فضلت أوروبا بتتعثر وسط الظلام ده.
في وسط العالم ده، اتولد شارلمان سنة 742م، وقضى حياته كلها تقريبا وهو بيحاول يخرج أوروبا من الظلام ده و ده مش شئ جديد عليه بل متوارث لانه حفيد القائد العظيم شارل مارتل احد اعظم قادة اوروبا الي هزم و اوقف الزحف الاسلامي لاوروبا بعد هزيمتهم و قتل 30 الف مسلم مهاجم في معركة تور او معركة بواتييه (بلاط الشهداء).
ورث مملكة الفرنجة عن أبوه، وبدأ فورا في توسيعها، باستخدام قوة عسكرية ورؤية استراتيجية ما كانش فيه حاكم أوروبي أظهر زيها من أيام القادة العسكريين الرومان.
فضل يحارب على مدار عقود في أنحاء القارة؛ ضم أراضي جديدة، وهزم القبائل الوثنية على الحدود الشمالية، ودفع بالقوات الإسلامية إلى ما وراء جبال البرانس في الجنوب، وفرض سلطة الفرنجة على مساحة ضخمة امتدت من مناطق فرنسا الحالية، لحد ألمانيا وإيطاليا وما وراءهم.
لكن اللي ميز شارلمان عن أي فاتح تاني في عصره، ما كانش حجم الأراضي اللي كسبها..
إنما اللي عمله بالأراضي دي بعد ما كسبها.
============
بنى المدارس.
ربط المدارس دي بكل كاتدرائية ودير في إمبراطوريته، وأمر إنها ما تكونش مفتوحة بس لإعداد رجال الدين في المستقبل، لكن كمان لأبناء الناس العاديين.
وجاب علماء ومفكرين من مختلف أنحاء أوروبا وما وراءها، وأنشأ في بلاطه بمدينة آخن مركزًا فكريا وعلميا كبيرا، أصبح فيما بعد معروفا باسم النهضة الكارولنجية
وكان مُصرّ إن رجال الدين يكون عندهم من التعليم ما يكفيهم فعلا لفهم الكتاب المقدس اللي كانوا بيعلّموه للناس.
ووضع نظام موحد للأوزان والمقاييس والعملات في أنحاء إمبراطوريته، عشان يسهل التجارة ويقلل الفوضى الناتجة عن اختلاف الأنظمة المحلية من منطقة للتانية.
وأصدر أمر إن كل طفل في إمبراطوريته يتعلم القراءة.
في قارة كانت فيها القدرة على القراءة والكتابة قد أصبحت حكر تقريبا على الرهبان والنبلاء، كان القرار ده وحده بيعبر عن رؤية للحضارة أبعد بكتير من مجرد الفتوحات العسكرية.
شارلمان كان فاهم إن الإمبراطورية اللي بتتربط ببعضها بالقوة وحدها، عمرها ما هتكون دائمة.
لكن الإمبراطورية اللي تجمعها عقيدة مشتركة، وقانون مشترك، ومعرفة مشتركة. ممكن تعيش أطول بكتير من أي حاكم واحد.
وفي يوم عيد الميلاد سنة 800م، وضع البابا ليو الثالث تاج على رأس شارلمان داخل كاتدرائية القديس بطرس في روما.
===========
إمبراطور الغرب.
أول شخص يحمل اللقب ده من بعد انهيار الإمبراطورية بثلاثة قرون.
ولأول مرة خلال 300 سنة، اتوحدت أوروبا تحت سلطة مسيحية واحدة.
أما الإطار اللي بناه شارلمان فكرة وجود حضارة أوروبية مسيحية تقوم على قيم مشتركة، وإيمان مشترك، ومؤسسات مشتركة فأصبح الأساس اللي اتبنى عليه عالم العصور الوسطى بعد كده و بردو الاساس الي ظهرت فيه كل التقدم الي حصل في العصور الوسطي في الفن و انشاء الجامعات و الرسم و غيره كتير.
كل كاتدرائية، وكل جامعة، وكل تقليد قانوني ساهم في تشكيل الحضارة الغربية، مر بشكل أو بآخر من خلال العالم اللي شارلمان أسسه.
روما سقطت، وأخذت نورها معاها.
لكن شارلمان دخل إلى قلب الظلام...
وبنى النور من جديد، من الصفر.
اكتب رأيك في هذه المقالة