تجربة الظلمة الروحية


 بسم الاب و الابن و الروح القدس الاله الواحد .امين.:

#فهم_العقيدة
#ابائيات
========================================
تجربة الظلمة الروحية
========================================
الفصل الاول : ايه هو المصطلح ده ؟
في نوع من انواع التجارب الروحية الي بتحصل للمؤمنين هي مش سهلة بس مهمة قوي لكل واحد فينا ماشي في طريق ربنا. حكاية بتحصل في الكواليس، بعيد عن عيون الناس، في أعمق حتة في قلبك وروحك. الحكاية دي اسمها (تجربة الظلمة الروحية) أو زي ما بيسميها بعض القديسين (ليلة النفس المظلمة). يمكن الاسم يخض، ويرسم في خيالك صور كئيبة، بس استنى. الحكاية أعمق وأجمل من كده بكتير. دي مش قصة عن الضياع، دي قصة عن (الإيجاد) بشكل مختلف. دي مش حكاية عن غضب ربنا، دي حكاية عن قمة حبه اللي بيكشف نفسه في الصمت.
​عارف الإحساس لما تكون بتصلي ومش حاسس بحاجة ؟ بتقول كلام الصلاة اللي حافظه، وبترفع إيديك، وبتسجد، بس قلبك كأنه حتة حجارة. بتحس إن السما مقفولة، وإن صوتك مش واصل، وإن ربنا اللي كنت بتحس بوجوده وحلاوته زمان، فجأة بقى بعيد، بعيد قوي كمان كأنه مش موجود أصلا. عارف لما تقرا في الكتاب المقدس، والكلام اللي كان زمان بينور روحك، فجأة يبقى مجرد حبر على ورق، كلام باهت من غير طعم ولا لون ؟ عارف لما تروح تتناول، وجسد ودم المسيح اللي كانوا بيهزوا كيانك، تحس إنك بتاخد مجرد لقمه عادية ؟ هي دي بداية الخيط.ده مش فتور عادي، ومش خطية معينة عملتها فربنا زعلان منك (وإن كان ده ممكن يكون سبب ساعات)، لكن أوقات كتير بتكون دي بداية رحلة مختلفة، رحلة ربنا بنفسه اللي بياخدك فيها ىحلة جوه ليل الروح.
​الفكرة كلها يا صاحبي، إننا في بداية طريقنا مع ربنا، بنكون عاملين زي الأطفال الصغيرين. أبونا السماوي بيشيلنا على إيده، وبيدوقنا حلاوة وجوده، بنحس بمشاعر روحية جميلة، بسلام، بفرح، بدموع تعزية. دي بنسميها (لبن الأطفال) الروحي. ربنا بيدينا التعزيات دي عشان يشجعنا، عشان يورينا لمحة من جمال ملكوته، عشان نتعلق بيه. بس هل هنفضل طول عمرنا أطفال بنشرب لبن ؟ لأ طبعًا. الأب اللي بيحب ابنه بجد، عايز ابنه ده يكبر ويقف على رجليه، ويبقى راجل قوي، يعرف يمشي لوحده ويثق في أبوه حتى لو مش شايفه ماسك إيده.
​وهنا بتبدأ رحلة (الفطام الروحي). ربنا بيبدأ، بحكمته وحبه اللي يفوق خيالنا، يسحب التعزيات والمشاعر الحسية دي شوية بشوية. مش عشان هو سابنا أو كرهنا، لأ... ده عشان عايزنا ننتقل من مرحلة (عبادة المشاعر) لمرحلة (عبادة الإيمان). عايزنا نحبه هو، نحب (الإله) نفسه، مش نحب (إحساسنا بوجود الله). الفرق ده يا صاحبي هو كل الحكاية. هو الفرق بين اللي بيحب واحد عشان هداياه وفلوسه، وبين اللي بيحبه لشخصه، حتى لو بقى فقير ومش معاه أي حاجة يديها له. ربنا عايز مننا الحب النقي ده، الحب اللي مش مبني على الأخذ بس، بل على الثقة والتسليم الكامل.
​الظلمة دي هي ببساطة، غياب النور الحسي، غياب المشاعر، عشان نور الإيمان الحقيقي يظهر ويكبر. زي ما بتكون في أوضة منورة بأنوار صناعية كتير، عمرك ما هتشوف نور النجوم الخافت اللي في السما. لازم تطفي كل الأنوار الصناعية دي، وتدخل في ظلمة تامة، عشان عينك تبدأ تتعود وتلمح جمال نور النجوم البعيد. الظلمة الروحية هي اللحظة اللي ربنا فيها بيطفي أنوار التعزيات والمشاعر، عشان يعلمنا نشوف نوره هو بس، نور الإيمان والثقة المطلقة.
========================================
الفصل التاني : الظلمة الروحية في الكتاب المقدس مش حاجة جديدة
​قبل ما ندخل في كلام الآباء العظماء لازم نعرف إن الحكاية دي مش اختراعهم. دي حكاية محفورة في قلب الكتاب المقدس من أوله لآخره. أعظم رجال الله مروا بالليل المظلم ده.
​أيوب البار هو المثال الأوضح والأقوى. راجل بار، ربنا نفسه شهد له. فجأة، كل حاجة بتتاخد منه. أولاده، فلوسه، صحته، وسمعته. والضربة الأقسى مكنتش كل ده، الضربة الحقيقية كانت صمت ربنا. أيوب كان بيصرخ للسما، بيناجي ربنا اللي كان يعرفه وبيكلمه، بس الرد كان صمت مطبق. صمت مرعب. لدرجة إنه قال كلام صعب قوي
​"لَيْتَهُ هَلَكَ الْيَوْمُ الَّذِي وُلِدْتُ فِيهِ... لِمَاذَا لَمْ أَمُتْ مِنَ الرَّحِمِ؟" (أيوب 3: 3, 11)
​أيوب كان حاسس إن ربنا مش بس سابه، ده بقى عدوه. أصحابه كمان بدل ما يعزوه، كانوا بيقولوا له أكيد أنت عملت خطية عظيمة عشان كده ربنا بيعاقبك. وده بيزود العذاب، إحساسك إنك مش بس متألم، لا ده أنت كمان مذنب ومرفوض. لكن في نهاية السفر، بعد ما أيوب مر في ليل مظلم طويل، وبعد ما اتجرد من كل ثقة في نفسه وفي بره الذاتي، ربنا ظهر له. ومقلوش (انا عملت كده عشان كذا وكذا) لأ، ده أظهر له عظمته وقدرته وحكمته اللي تفوق العقل. وفي اللحظة دي أيوب قال الجملة اللي بتلخص كل التجربة :
​"بِسَمْعِ الأُذُنِ قَدْ سَمِعْتُ عَنْكَ، وَالآنَ رَأَتْكَ عَيْنِي." (أيوب 42: 5)
​أيوب انتقل من معرفة عن الله، لمعرفة الله نفسه. انتقل من السمع للرؤية. وده مكنش هيحصل من غير ما يمر في الظلمة دي اللي جردته من كل حاجة، وخلته فاضي عشان يستقبل إعلان الله الحقيقي.
=========
​داود النبي، رجل الله اللي قلبه كان حسب قلب الرب، مزاميره مليانة بصرخات من قلب الظلمة دي. مش مجرد حزن، دي ظلمة روحية حقيقية. اسمع كده وهو بيصرخ في المزمور 22، نفس المزمور اللي المسيح صرخه على الصليب :
​"إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟ بَعِيدًا عَنْ خَلاَصِي، عَنْ كَلاَمِ زَفِيرِي؟ يَا إِلهِي، فِي النَّهَارِ أَدْعُو فَلاَ تَسْتَجِيبُ، وَفِي اللَّيْلِ أَدْعُو فَلاَ هُدُوَّ لِي." (مزمور 22: 1-2)
​ده مش كلام واحد حزين، ده كلام واحد حاسس بالترك الإلهي الكامل. حاسس إن علاقته بربنا اتقطعت. وفي مزامير تانية يوصف حالته : "مِيَاهٌ كَثِيرَةٌ دَخَلَتْ إِلَى نَفْسِي... غَرِقْتُ فِي حَمْأَةٍ عَمِيقَةٍ وَلَيْسَ مَقَرٌّ" (مزمور 69: 1-2). ده وصف دقيق للجفاف والضياع اللي بيحس بيه الإنسان في ليل الروح. و بردو بيعبر عن تعبه فب اية تانية بالدموع :
تَعِبْتُ فِي تَنَهُّدِي. أُعَوِّمُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ سَرِيرِي بِدُمُوعِي. أُذَوِّبُ فِرَاشِي." (مز 6: 6).
=========
إيليا النبي نبي النار العظيم اللي وقف لوحده ضد 450 نبي للبعل ونزل نار من السما. بعد الانتصار العظيم ده، مجرد تهديد من الملكة إيزابل خلاه يهرب ويجري في البرية ويقعد تحت شجرة سروة ويطلب الموت لنفسه :
​"قَدْ كَفَى الآنَ يَا رَبُّ! خُذْ نَفْسِي، لأَنِّي لَسْتُ أَفْضَلَ مِنْ آبَائِي." (ملوك الأول 19: 4)
​إيه اللي حصل ؟ بعد قمة القوة الروحية، دخل في قاع الظلمة واليأس. حس بالفشل، وبالوحدة، وبإن كل اللي عمله مالوش لازمة. وربنا عمل معاه إيه ؟ مظهروش في الريح العظيمة، ولا في الزلزلة، ولا في النار. ربنا ظهر له في "صَوْتٍ مُنْخَفِضٍ خَفِيفٍ" (ملوك الأول 19: 12). ربنا علمه إن قوته مش دايما في المعجزات المبهرة لكن في الحضور الهادي الخفي الحضور اللي مش بنعرفه غير في الصمت والظلمة
===========
والذروة والقمة والمثال الأعظم هو ربنا يسوع المسيح نفسه.
في بستان جثسيماني، وهو مقبل على الصليب، قال : "نَفْسِي حَزِينَةٌ جِدًّا حَتَّى الْمَوْتِ." (متى 26: 38). حزن يفوق قدرتنا على الفهم. وعلى الصليب، صرخ الصرخة اللي هزت الكون كله، صرخة داود النبي اللي خدها على نفسه : "إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟" (متى 27: 46).
هنا المسيح، ابن الله الوحيد، وهو حامل كل خطايانا، اختبر أعمق ظلمة ممكنة : ظلمة الانفصال الظاهري عن الآب. طبعًا هو والآب واحد، لكن بناسوته، وهو بيمثلنا، ذاق مرارة الترك دي عشان يقدس كل لحظة ظلمة احنا ممكن نمر بيها. صرخته دي هي اللي بتدي معنى لكل صرخاتنا، وهي اللي بتأكد لنا إننا حتى في أحلك الليالي، احنا مش لوحدنا، لأن المسيح كان هناك قبلنا. بجانب طبعا إنه هنا بجانب الامه الحقيقية هو كمان بيدي لليهود الي عند الصليب إشارة بأنه هو المسيح المنتظر الي ذكرها آبائهم في الكتب المقدسة.
========================================
الفصل الثالث :الآباء الروحيين و ليلة الروح
​لما نيجي بقى للآباء القديسين، هنلاقيهم مش بس اتكلموا عن التجربة دي، دول شرحوها بالتفصيل الممل، زي ما يكونوا بيرسموا خريطة للسالك في الطريق الروحي عشان لما يدخل المنطقة المظلمة دي، ميتخضش ويفتكر إنه تاه.
نبدأ بأول شخص و هو يوحنا الدرجي :
من أكتر الآباء اللي اتكلموا عن حالة بتشبه جدا بداية ليلة الروح، وسماها (شيطان الضجر) أو باليوناني (الأكيديا) (Acedia). دي كلمة صعب نترجمها بكلمة واحدة، هي مزيج من الكسل، والملل، واليأس، واللامبالاة الروحية.
​في كتابه العظيم (سلم الصعود إلى الله)، اللي هو عبارة عن 30 درجة أو خطوة في الطريق الروحي، خصص الدرجة ال13 للحديث عن الضجر ده. اسمع يا صاحبي وصفه الدقيق كأنه بيوصف حالتنا :
​"الضجر هو ارتخاء في النفس، وتراخٍ في العقل، وإهمالٌ للجهاد النُسكي، وكراهيةٌ للنذر الرهباني. هو مُشيدٌ بالعيش في العالم ، وهو وشّاءٌ بالله كأنه غير رحيم ولا محب للبشر. هو فتورٌ في تلاوة المزامير، وضعفٌ في الصلاة، ووهنٌ في الخدمة الجسدية، وعدم ثبات في العمل اليدوي."
بيكمل ويوصف الراهب اللي بيسيطر عليه شيطان الضجر ده :
​"عندما يقرأ، يتثاءب كثيرًا، ويسهل عليه أن ينزلق إلى النوم... وفي الصلاة، يثقل عليه الوقوف... الراهب الضجر كسول في كل عمل طاعة، وفمه لا يكف عن الشكوى."
شوف الدقة في الوصف الإحساس بإن الصلاة تقيلة، وإنك عايز تنام، وإن كل حاجة روحية بقت بلا طعم، وكأن حد بيوسوس في ودنك ويقولك سيبك من كل ده، شوف الناس بره عايشة إزاي ومبسوطة، وربنا ده قاسي ومش حاسس بيك) ده مش مجرد كسل عادي، ده هجوم روحي شرس بيضرب في أساس علاقتك بربنا.
​طب إيه الحل عند يوحنا الدرجي ؟ الحل مش إنك تستسلم للمشاعر دي. الحل هو (الثبات) و(تذكر الموت والدينونة). بيقول إنك لازم تجبر نفسك على الصلاة، حتى لو مش حاسس بحاجة. لازم تقف وماتقعدش. لازم تفكر في نهاية حياتك وفي وقوفك قدام ربنا. بيقول جملة عظيمة :
​"الضجر هو موت للنفس والذهن. فكما أن المريض لا يستسيغ طعم العسل، كذلك الضجر لا يجد لذة في الأمور الإلهية... قاومه بتذكُّر الخيرات المُعدة لك في الدهر الآتي، فإنك بذلك تستطيع أن تتغلب عليه."
===============
ماراسحق السرياني : حكمة التجارب وصمت الله
​نيجي بقى لعملاق تاني من عمالقة الروحانية، العلامة مار اسحق السرياني. الراجل ده كلامه عامل زي البلسم للجروح. هو بيشوف الظلمة والتجربة دي من منظور مختلف، منظور (الحب الإلهي المنقي) .بيقول إن ربنا بيسمح بالتجارب دي مش عشان يعاقبنا، لكن عشان ينقينا ويوسع قلبنا.
​اسمع الجوهرة دي من كلامه :
​"أحيانًا يسمح الله أن يقع أحباؤه في كل أنواع التجارب، وأن يشعروا بالظلمة والترك، ليس لأنه غاضب عليهم، بل لكي يعرفوا مقدار قوته التي تسندهم في الخفاء، ولكي يزدادوا حكمة روحية... ففي وقت الراحة والتعزية، لا يتعلم الإنسان حكمة الله."
كلام يهز بيقولك إن الحكمة الحقيقية مش بتتعلمها وإنت فرحان ومتهلل، بتتعلمها وإنت في قلب التجربة، وإنت حاسس إنك لوحدك. في اللحظة دي أنت بتكتشف إن فيه قوة خفية سانداك، قوة مكنتش هتحس بيها لو كنت معتمد على مشاعرك وقوتك.
​مار اسحق عنده تعبير جميل أوي اسمه (سوط الحب) بيقول إن ربنا اوقات بيأدبنا أو بيجربنا بسوط، بس السوط ده مصنوع من الحب. الهدف منه مش الإيلام، الهدف منه هو الشفاء والتنقية و بيقول :
​"لا تقل عن الله إنه يجازي شرًا بشر. بل قل إنه يُصلح الشر بالشر. وهذا عمل حب عظيم، أن يجعل من العقوبة دواءً... الله لا يفعل شيئًا من أجل الانتقام، بل كل ما يفعله هو من أجل إصلاحنا، وهذا نابع من محبته العظيمة."
مار اسحق بيعلمنا نبص للظلمة دي بعين مختلفة. بدل ما أقول "ليه يا رب بتعمل فيا كده ؟"، أقول (يا رب، أنا مش فاهم حكمتك، بس أنا واثق في حبك. نقي فيا اللي محتاج يتنقى، واكسر فيا اللي محتاج يتكسر، عشان أكون الإناء اللي أنت عايزه).
​وعن صمت الله، بيقول كلام يطمن القلب جدًا. بيقول إن ربنا ممكن يسكت عشان يخلينا نصرخ له أكتر، عشان يزود شوقنا ليه. زي الأم اللي بتستخبى من طفلها الصغير عشان تخليه يدور عليها بشغف أكبر، ولما يلاقيه يفرح فرحة مضاعفة و بيقول :
​"صمت الله هو أيضًا نوع من أنواع الإجابة. فهو يصمت لكي يدفعنا إلى الصلاة بحرارة أشد، ولكي يُعمِّق فينا الشوق إليه."
========================================
القديس يعقوب السروجي :
يعقوب كان بيستخدم قصص الكتاب المقدس كأيقونات للحياة الروحية. عشان نفهم فكره عن الظلمة الروحية، لازم نبص على تفسيره لقصة "مصارعة يعقوب مع الله" عند مخاضة يبوق (تكوين 32). القصة دي عنده هي أيقونة النفس اللي بتدخل في صراع إيمان عنيف مع الله في عز ليل التجربة.
​الظلمة هي مكان اللقاء الحقيقي :
المصارعة كلها حصلت فين ؟ بالليل. في الظلمة. يعقوب كان لوحده بعد ما عدى كل أهله وممتلكاته. بالنسبة للسروجي، اللحظة دي هي لحظة التجرد الكامل. النفس لازم تتجرد من كل حاجة بتعتمد عليها (الأهل، الممتلكات، وحتى التعزيات الروحية الظاهرة) عشان تقدر تدخل في لقاء مباشر وعميق مع الله. الظلمة هنا مش مكان مخيف وبس، دي هي الشرط الضروري للقاء ده.
​في عظاته، كان يوصف المشهد ده كأن بيقول :
​"في ظلمة الليل، حيث لا عين ترى ولا أذن تسمع، هناك التقى يعقوب بالذي لا يُرى. لم يعرفه بعقله، بل تعرف عليه بجهاده وإيمانه. لم يكن النور هو ما كشف له الله، بل كانت شدة المصارعة في قلب الظلام."
​الجرح هو علامة اللقاء :
في نهاية المصارعة، يعقوب خرج بإيه ؟ ببركة واسم جديد (إسرائيل يعني يجاهد مع الله)، لكن كمان خرج بجرح دائم في فخذه. السروجي بيشوف إن الجرح ده هو أهم حاجة في القصة.
الجرح ده هو علامة الضعف البشري، هو التذكار الدائم ليعقوب إنه مهما كان قوي، فهو محتاج يعتمد على ربنا. وهو كمان علامة على حقيقة اللقاء، زي ما تكون علامة من نار سابت أثرها عليه.
​النفس اللي بتمر بـليلة الروح بتخرج منها بنفس الطريقة. بتخرج ببركة وفهم أعمق لربنا، لكن كمان بتخرج "مجروحة" في كبريائها، وفي اعتمادها على ذاتها. بتخرج وهي بتعرج، مدركة تمامًا إن قوتها مش من نفسها، لكن من ربنا. الألم والضعف اللي حست بيهم في الظلمة بيفضلوا علامة مقدسة على عمق اللقاء اللي حصل.
​التمسك بالإيمان في غياب الرؤية :
يعقوب كان بيصارع حد مش شايف ملامحه بوضوح. كل اللي كان يعرفه إنه كائن سماوي أقوى منه. ورغم كده، مسك فيه وقاله الجملة الخالدة : "لَنْ أُطْلِقَكَ إِنْ لَمْ تُبَارِكْنِي".
ده هو شعار النفس في ليلتها المظلمة عند السروجي. أنت مش شايف ربنا، مش حاسس بيه، كل اللي أنت فيه هو صراع وألم. لكن بالإيمان، بتفضل متمسك بيه وبتقول "مش هسيب الصلاة، مش هسيب الإنجيل، مش هسيب الكنيسة، حتى لو مش حاسس بحاجة... مش هسيبك غير لما تباركني". الإيمان ده، اللي مش معتمد على رؤية أو شعور، هو اللي بيجيب البركة في الآخر.
========================================
مارافرايم السرياني :
احد اعظم الشعراء السريان مع ان كلامه كله مليان بالصور المتناقضة (Paradoxes) والعجب والرهبة قدام سر الله. نظرته للظلمة الروحية مرتبطة بفكرتين أساسيتين :
الاول هو رهبة الصمت أمام جلال الله :
مار أفرام كان دايمًا بيتكلم عن إن الله "صامت" و"خفي" و"لا يُدرك". أي محاولة من عقلنا إنه يفهم ربنا بشكل كامل هي محاولة فاشلة ونوع من الكبرياء. ربنا أكبر من كل كلماتنا وأفكارنا.
لما بنكون في حالة التعزية والفرح، بنحس إننا "فاهمين" ربنا وقريبين منه. لكن في تجربة الجفاف والظلمة، ربنا بيسحب مننا الإحساس ده، وبيخلينا نواجه حقيقته كما هي : سر مهوب وغامض.
الصمت اللي بنحس بيه من ناحية السما في وقت التجربة، هو درس عملي مار أفرام بيقولنا لازم نتعلمه. ده مش صمت غضب، ده صمت "الجلال". زي ما بتقف قدام محيط عظيم أو منظر طبيعي مهيب، فبتسكت من كتر الرهبة والعجب.
​في أناشيده عن الإيمان (Hymns on Faith) بيقول فيما معناه (ترجمة بتصرف) :
​"الصمت يليق بك أيها الخفي! لأن أي لسان يجرؤ على وصفك؟ العقل يتشتت عندما يحاول أن يبحث فيك، والبصر ينطفئ أمام بهاء نورك... الإيمان وحده يستطيع أن يلمسك في صمت."
​فالظلمة هنا هي إدراكنا لعجزنا الكامل قدام سر الله، والحل مش إننا نحاول نحلل ونفهم، لكن إننا نسكت ونسجد في رهبة الإيمان.
======
​التاني هو البكاء الحلو أو نعمة الدموع (Penthos&Charis) :
دي فكرة محورية في كل الروحانية السريانية ومار أفرام هو أبوها. الدموع عنده مش مجرد علامة حزن، دي نعمة وعطية من الروح القدس. وفيه نوعين من الدموع : دموع التوبة على الخطية، ودموع الشوق لله الغائب.
​في حالة الظلمة والجفاف، لما النفس بتحس إن ربنا بعيد وإنها جافة زي الصحرا، مار أفرام بيعلمنا إن الألم ده نفسه ممكن يتحول لصلاة. الحزن على غياب الله، والشوق لرجوع التعزية، بيولدوا "دموع مرة" أو "بكاء حلو".
الدموع دي بتكون علامة إن القلب لسه حي، لسه بيحب ربنا وبيشتاق له. هي اللي بتروي أرض القلب الجافة. هي صلاة بدون كلام، صرخة من الأعماق بتوصل لقلب ربنا أسرع من أي كلمات منمقة.
​مار أفرام كان يصلي ويقول :
​"يا رب، أعطني دموعًا لا تتوقف، لكي أروي بها جفاف نفسي، ولكي أغسل بها خطاياي. ففي مرارة هذه الدموع أجد حلاوة محبتك الخفية."
​يبقي الطريق للخروج من الظلمة عند مار أفرام مش بيكون بمحاولة استعادة المشاعر الحلوة، لكن بالغوص في ألم غيابها، وتحويل الألم ده لشوق، والشوق ده لدموع، والدموع دي هي اللي بتنقي القلب وتخليه مستعد يشوف النور مرة تانية لما ربنا يقرر يظهره.
========================================
القديس غريغوريوس النيسي :
القديس غريغوريوس النيسي و الـظلمة المنيرة (Luminous Darkness)
​ممكن تستغرب شوية لكن قبل ما تقول إزاي ظلمة و منيرة في نفس الوقت ؟ هو ده بقى عمق القديس غريغوريوس، أسقف نيس وأخو القديس باسيليوس الكبير. الراجل ده مسك قصة موسى النبي في سفر الخروج وحولها لخريطة طريق روحية عبقرية في كتابه (حياة موسى).
​بيقول غريغوريوس إن رحلة النفس مع ربنا بتبدأ بالنور. زي موسى ما شاف النور في العليقة المشتعلة. دي مرحلة التعزيات الأولى، مرحلة حلاوة الصلاة والإحساس بحضور ربنا. النفس بتكون فرحانة بالنور ده.
​لكن، لما موسى حب يقرب أكتر من ربنا، ربنا قاله يطلع على الجبل. وهناك إيه اللي حصل ؟
​"فَدَخَلَ مُوسَى فِي وَسَطِ السَّحَابِ وَصَعِدَ إِلَى الْجَبَلِ." (خروج 24: 18)
​الجبل كان متغطي بسحاب كثيف وضلمة. هنا بيقول القديس غريغوريوس إن دي هي المفارقة العجيبة : كل ما بتقرب من ربنا أكتر، كل ما بتدخل في (ضلمة) أعمق. بس دي مش ضلمة الخطية أو البُعد عن ربنا. دي (ضلمة المعرفة الفائقة).
​إيه معنى الكلام ده ؟ معناه إن ربنا أعظم وأسمى من أي فكرة أو صورة أو إحساس نقدر نحطه فيه. عقلنا البشري المحدود، لما بيحاول يفهم الله غير المحدود، بيوصل لنقطة بيعجز فيها. كل الأنوار العقلية بتنطفي. كل التصورات بتنهار. بتدخل في حالة من (اللا معرفة) أو (الجهل المقدس). أنت بتعرف ربنا بإنك بتدرك إنك (مش عارفه). بتعرفه من خلال عجزك الكامل عن إدراكه.
​غريغوريوس بيقول :
​"إن ما يبحث عنه (موسى) ليس فقط غير مرئي بطبيعته، بل هو أيضًا غير قابل للإدراك، ومحاط من كل جانب بالظلمة... وهذا هو ما يعنيه أن موسى دخل في الظلمة التي كان الله فيها. فالله نفسه هو هذه الظلمة التي تحجب نوره، والتي لا يستطيع العقل البشري أن يخترقها ليرى ما بداخلها."
فالظلمة هنا مش غياب النور، دي (فيض من النور) قوي لدرجة إنه بيعمي أبصارنا العقلية، زي ما بتبص في قرص الشمس مباشرة فعينك بتزغلل ومش بتشوف حاجة. دي ظلمة إيجابية، (ظلمة منيرة)، لأنها بتنور النفس بحقيقة جديدة : حقيقة إن الله فوق كل إدراك، وإن الإيمان الحقيقي هو السير في هذه الظلمة بثقة كاملة، متخلي عن كل معرفة حسية أو عقلية.
========================================
القديس مكاريوس الكبير : حكمة إخفاء النعمة
​القديس مكاريوس، أبو رهبان برية شيهيت، كان كلامه كله عن "القلب". بيقول إن القلب ده ساحة معركة، وإن النعمة لازم تفضل تجاهد جواه عشان تطرده. وفي سياق الجهاد ده، بيقول كلام مهم جدًا عن حكمة ربنا في إنه اوقات "بيستر نعمته" أو بيخفيها عن النفس.
​ليه بيعمل كده ؟ القديس مكاريوس بيقول لسببين :
​عشان يحمينا من الكبرياء : لو النعمة والتعزيات موجودة على طول، هنفتكر إننا بقينا قديسين بشطارتنا، وهنبدأ نتكبر ونحتقر غيرنا. فربنا بيسحب الإحساس ده عشان يفكرنا بضعفنا، وإننا من غيره ولا حاجة.
​عشان يخلينا نجاهد أكتر : لما بنحس بالجفاف والترك، بنصرخ لربنا أكتر، وبنجاهد أكتر عشان نرجع للإحساس الأول. الجهاد ده في حد ذاته بينمي فينا عضلات روحية قوية.
​و كمان بيقول :
​"أحيانًا، تُترك النفس كما لو كانت في حالة يُتم، وتُسلم للتجارب. لكي تتألم وتُجرب وتعرف أنها لم تنل النعمة بعد بالكامل... ولكن حتى في هذه الحالة، تكون النعمة حاضرة معها في الخفاء، وتسندها لكي لا تفشل في التجربة... هذا يحدث لكي تصير النفس أكثر تواضعًا."
يعني حتى في عز إحساسك بالترك، النعمة بتكون موجودة وشغالة في السر، زي المدرب اللي بيسيب اللاعب يعافر لوحده شوية عشان يقوى، بس عينه عليه من بعيد ومستعد يتدخل لو هيقع وقعة جامدة.
========================================
القديس يوحنا الصليبي أو خوان دي لاكروز :
الراجل ده هو مؤسس فكرة او لفظ ليلة النفس المظلمة بلا منازع. هو اللي صك المصطلح ده وخلاه مشهور. القديس الإسباني ده، اللي من الرهبنة الكرملية كتب كتابين اسمهم (صعود جبل الكرمل) و (ليلة النفس المظلمة) يعتبروا أهم وأدق تحليل للتجربة دي في التاريخ المسيحي كله
يوحنا الصليبي بيقسم الليلة دي لمرحلتين أساسيتين :
ليلة الحواس (The Dark Night of the Senses) :
دي المرحلة الأولى اللي اتكلمنا عنها كتير. هي مرحلة الفطام الروحي. ربنا بيسحب فيها كل التعزيات الحسية : المشاعر الحلوة في الصلاة، السلام، الفرح، رؤية ثمر الخدمة. النفس بتحس بجفاف شديد، وبملل، وبإنها مش قادرة تصلي. بتفتكر إنها تراجعت روحياً أو إن ربنا غضبان عليها.
لكن يوحنا بيقول إن دي علامة تقدم مش تراجع دي علامة إن ربنا عايز ينقل النفس من مرحلة (التأمل) البسيط المعتمد على المشاعر، لمرحلة التعقل أو الصلاة الساكنة (Contemplation) اللي هي تواصل مباشر مع الله بالإيمان فقط ، من غير وسيط من المشاعر أو الأفكار. بيعبر عن ده و بيقول :
في هذه الليلة، تجد النفس نفسها جافة ومظلمة. ولكن إذا كان لديها شوق لخدمة الله وحده، ولا تجد لذة في أي شيء آخر، فيجب أن تطمئن، لأن هذه علامة على أن هذا (الجفاف) ليس بسبب فتورها، بل هو من أجل خيرها الأعظم.
المرحلة التانية و هي ليلة الروح (The Dark Night of the Spirit) :
دي بقى المرحلة الأصعب والأعمق والأندر. لو ليلة الحواس بتنقي تعلقاتنا بالمشاعر، فليلة الروح بتنقي روحنا نفسها. بتنقي مفاهيمنا عن ربنا، بتكسر كبريائنا الروحي، بتهاجم جذور حب الذات في أعمق نقطة فيها.
في المرحلة دي، النفس مش بس بتحس بالجفاف، دي بتحس بإن ربنا رفضها . بتحس بإنها نجسة ومليانة خطية، وإنها لا تستحق محبة الله. بتمر النفس بآلام شبه آلام الجحيم. بتحس بالترك الإلهي الكامل، زي صرخة المسيح على الصليب.
يوحنا بيقول إن دي عملية جراحية إلهية مؤلمة . ربنا هنا عامل زي النار اللي بتحرق صدأ المعدن عشان تخليه صافي ونقي. والنفس بتحس بألم الحرق ده.
​"هذه الليلة المظلمة هي تأثير يسببه الله في النفس، ينقيها من كل جهالاتها وعاداتها الناقصة... فتتألم النفس بشكل لا يوصف، لأنها تشعر كما لو أن الله قد رفها... هذا الألم ناتج عن الشعور بعظمة الله ونقاوته من جهة، وبؤس النفس ونجاستها من جهة أخرى."
الهدف من الليلة المرعبة دي ايه ؟ هو إفراغ النفس من ذاتها، عشان تتملي بالكامل من ربنا. عشان توصل لدرجة "الاتحاد الإلهي" الكامل، اللي فيه النفس بتحب وبتعرف وبتشتغل بإرادة ربنا مش بإرادتها هي.
========================================
الفصل الرابع : ليه ربنا بيسمح بالظلمة دي ؟ (الأهداف العميقة)
​طيب، عرفنا إن التجربة دي حقيقية، وإن الكتاب المقدس والآباء اتكلموا عنها. السؤال الأهم: ليه؟ إيه الهدف من كل الوجع ده ؟ ربنا عايز يوصلنا لإيه من خلال ليل الروح المظلم ده ؟
​تنقية الحب (Purification of Love) : زي ما قلنا في الأول، الهدف الأول هو تنقية حبنا. ربنا عايز يفطمنا من "حب التعزيات" ويوصلنا لـ "حب الإله المعزي". عايزنا نحبه هو، مش عشان بيدينا سلام وفرح ومشاعر حلوة. عايز حبنا يكون ناضج، حب بيقول "أنا معاك يا رب، حتى لو مش حاسس بيك. أنا بحبك عشان أنت تستاهل الحب، مش عشان أنا بس بستفيد منك". الحب ده هو الحب الحقيقي اللي بيدوم للأبد.

​اكتساب التواضع الحقيقي (Acquiring True Humility) : طول ما احنا فرحانين وبنصلي كويس وبنحس إننا "كويسين روحياً"، الكبرياء بيتسلل لقلوبنا من غير ما نحس. بنبدأ نعتمد على جهادنا، على صلواتنا، على قوتنا. بتيجي الظلمة دي تكسر فينا كل ده. لما تلاقي نفسك مش قادر تصلي كلمتين على بعض، ومش حاسس بأي حاجة، بتدرك ضعفك وعجزك الكامل. بتعرف إن كل حاجة حلوة كانت في حياتك الروحية كانت مجرد "نعمة" من ربنا، مش شطارة منك. وده بيولد فيك تواضع حقيقي وصادق، مش مجرد تواضع بالكلام. بتصرخ من قلبك بجد "يا رب ارحم، أنا الخاطي".

​توسيع القلب للحب (Expanding the Heart for Love) : القديس أوغسطينوس بيقول إن ربنا اوقات بيؤخر العطاء عشان يوسع وعاء الشوق عندنا. لما بنكون في الظلمة، وبنصرخ لربنا وهو صامت، شوقنا ليه بيزيد وبيكبر وبيتعمق. قلبنا بيكبر، بيبقى عامل زي الأرض العطشانة اللي بتتشقق من الجفاف، ولما المطرة تنزل، بتشرب كل نقطة بشغف. الظلمة دي بتوسع قلبنا عشان لما ربنا يرجع ويعلن عن نفسه تاني، نقدر نستقبل نعم وحب أكبر بكتير من اللي كنا نقدر نستوعبه قبل كده.

​المشاركة في آلام المسيح (Participation in Christ's Sufferings) : دي نقطة عميقة أوي. لما بنمر بالظلمة دي، وبالترك الظاهري، بنكون بنشارك المسيح في صرخته على الصليب طبعا مشاركتنا دي لا تقارن بآلامه، لكنها نوع من الشركة العميقة معاه. بنفهم حتة صغيرة أوي من سر ألمه لأجلنا. وده بيخلق رابطة حب عميقة جدًا بيننا وبينه، رابطة اتصنعت في ورشة الألم والصليب.

​التحرر من الأصنام (Freedom from Idols) : أوقات كتير، الروحانيات نفسها بتتحول لصنم. بنعبد الصلاة الحلوة بنعبد التأمل العميق، بنعبد "الخدمة الناجحة". بنتعلق بالحاجات دي أكتر من ربنا نفسه. الظلمة بتيجي تحطم كل الأصنام دي. بتاخد منك صلاتك الحلوة، وتأملاتك، ونجاحك، عشان متلاقيش قدامك حاجة تتعلق بيها غير ربنا "هو وبس". بتجردك من كل حاجة عشان يبقى هو "الكل في الكل".
========================================
إزاي نعدي في الليل ده ؟ (خريطة الطريق)
​طيب، لو واحد فينا لقى نفسه في قلب العاصفة دي، في قلب الليل المظلم ده، يعمل إيه ؟ هل يستسلم ويقول أنا ضعت ؟ لأ طبعا. الآباء حطوا لنا شوية إرشادات عملية وروحية عشان نعدي الفترة دي بسلام.
​الثبات... ثم الثبات... ثم الثبات (Perseverance) : دي أهم نصيحة. اوعى تبطل صلاة. اوعى تبطل قراءة في الإنجيل. اوعى تبطل تروح الكنيسة وتتناول. حتى لو بتعمل كل ده وإنت مش حاسس بأي حاجة. إنت مش بتعمل ده عشان "تحس"، إنت بتعمله كفعل "إيمان" و"ولاء" و"حب" لربنا اللي مش حاسس بيه. صلاتك في الوقت ده بتكون غالية جدًا عند ربنا، يمكن أغلى من كل صلواتك اللي بدموع وتعزية، لأنها صلاة طالعة من إرادة حرة قررت تحب وتثق في الله رغم كل الظروف. زي الجندي اللي بيحارب بأمانة في الضباب، من غير ما يشوف نتيجة المعركة.

​التسليم الكامل (Complete Surrender) : بطل تحاول "تصلح" الوضع بنفسك. بطل تحاول "ترجع المشاعر" بقوتك. الحل مش في إنك تزود الصلوات عشان "تجبر" ربنا يرد عليك. الحل في إنك تسلم. تقول له "يا رب، أنا في إيدك. لو عايزني أفضل في الظلمة دي لآخر يوم في عمري، أنا موافق. مش مهم أنا حاسس بإيه، المهم إني أعمل إرادتك". التسليم ده هو مفتاح الفرج.

​التمسك بالوصايا (Clinging to the Commandments) : لما نور المشاعر يختفي، إيه النور اللي هتمشي بيه؟ نور الوصية. حياتك تتحول من "أنا حاسس بإيه" لـ "ربنا بيقول إيه". هل الوصية بتقول أحب؟ يبقى هحب قريبي حتى لو مش طايقه. هل بتقول أغفر؟ يبقى هغفر للي ظلمني حتى لو قلبي بيغلي. هل بتقول أخدم؟ يبقى هخدم حتى لو ماليش نفس. بتمشي على كلام ربنا المكتوب، مش على مشاعرك المتقلبة. وده بيبني فيك أساس صخري مش بيتهز.

​الرجاء ضد كل رجاء (Hope Against All Hope) : زي ما بيقول الكتاب عن إبراهيم أبونا. لازم يكون عندك يقين جواك إن الليل ده ليه آخر، وإن الفجر جاي جاي. لازم تثق في أمانة ربنا، إنه عمره ما هيسيبك للأبد. حتى لو كل حاجة جواك وبراك بتقولك إنك ضعت، لازم يكون فيه صوت صغير جواك بيقول "أَنَا عَالِمٌ أَنَّ فادِيَّ حَيٌّ" (أيوب 19: 25).

​أب الاعتراف / المرشد الروحي (The Spiritual Father) : دوره هنا حاسم ومهم . في الظلمة دي، أنت مش شايف الطريق. محتاج حد يكون بره الصورة، يقدر يشوف بنور النعمة ويوجهك. هو اللي هيطمنك ويقولك إن اللي أنت فيه ده طبيعي ومش نهاية العالم. هو اللي هيميز لو كانت الحالة دي (ظلمة روحية) من عند ربنا للتنقية، ولا هي نتيجة خطية معينة محتاجة توبة، أو حتى حالة نفسية زي الاكتئاب في عصرنا محتاجة علاج طبي. المرشد الروحي هو بوصلتك في قلب العاصفة ديه.
========================================
عايزك تتخيل معايا المشهد ده. تخيل إن روحك دي حتة رخام غالية ، حتة رخام خام لسه طالعة من المحجر. شكلها مش حلو، مليانة زوايد وحتت خشنة، ومحدش يقدر يشوف الجمال اللي مستخبي جواها. وجيه النحات الأعظم، ربنا نفسه، وقرر إنه عايز يعمل من حتة الرخام دي تمثال بديع، تحفة فنية على صورته هو، صورة ابنه الحبيب.
​النحات ده مسك أول أداة. الأزميل الكبير والمطرقة التقيلة. وبدأ يكسر في حتة الرخام. كل خبطة بتشيل حتة كبيرة من الحجارة، حتة من الكبرياء، حتة من الاعتماد على الذات، حتة من حب العالم. من وجهة نظر حتة الرخام، اللي بيحصل ده كارثة و عنف، وألم، وضياع. هي مش فاهمة ليه النحات بيعمل كده. كل اللي حاسة بيه هو التكسير والوجع. بتصرخ ومش بتسمع رد. كل اللي بتشوفه هو ضلمة الأزميل وهو نازل عليها بكل قوته. دي مرحلة التجارب الخارجية والضيقات اللي بتشيل مننا كل حاجة بنعتمد عليها.
​بعد ما شال كل الزوايد الكبيرة، مسك النحات أدوات أدق شوية. بدأ ينحت في التفاصيل. ينحت في العينين، في الملامح، في تفاصيل الإيدين. هنا الألم بقى مختلف، بقى ألم دقيق، بيلمس حتت حساسة جوه النفس. دي مرحلة الظلمة الداخلية، مرحلة التنقية الدقيقة للدوافع والنوايا. حتة الرخام هنا حاسة إن النحات بيجرحها، بيخربشها، بيدخل في أعمق حتة فيها. هي لسه مش شايفة الصورة النهائية، كل اللي حاسة بيه هو الاحتكاك المستمر والوجع اللي مش بيخلص.
​ولما قرب يخلص نحت، جاب آخر أداة. الصنفرة. حتة قماش خشنة، وبدأ يصنفر التمثال كله.حركة مملة، ومؤلمة، ومحيرة. مفيش تكسير كبير زي الأول، لكن فيه احتكاك مستمر بيشيل آخر طبقة خشنة، بيخلي السطح ناعم وبيلمع. دي مرحلة الجفاف الروحي، مرحلة (الأكيديا) والضجر. الروح بتحس بالملل، بالتكرار، بالجفاف. حاسة إنها محبوسة في عملية صنفرة مش بتنتهي. هي مش عارفة إن الصنفرة دي هي اللي بتجهزها عشان تعكس النور.
​وفجأة. النحات وقف. ساب كل أدواته. و انتشر الصمت. صمت طويل. حتة الرخام، اللي بقت تمثال شبه مكتمل، واقفة في ضلمة الورشة لوحدها. مفيش صوت مطرقة، مفيش ألم أزميل، مفيش احتكاك صنفرة. مفيش غير الصمت والضلمة. ودي أصعب مرحلة... مرحلة الترك الظاهري. التمثال بيحس إن النحات سابه ومشي. بعد كل الألم والتعب ده، اتساب لوحده في الضلمة. دي لحظة "إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟". لحظة اليقين الداخلي إن كل حاجة انتهت.
​لكن في قلب الصمت ده، كان النحات بيعمل أهم حاجة. كان بينضف الورشة حوالين التمثال، وبيجهز الأضواء، وبيفتح باب الورشة الكبير . وفي اللحظة المناسبة، دخل النحات الأعظم، ومد إيده للتمثال، وشال من عليه آخر قطعة قماش كانت مغطياه... وفي نفس اللحظة، دخل نور الشمس من الباب المفتوح، وضرب في التمثال الرخامي .
​ولأول مرة، التمثال شاف نفسه. مشفش حتة رخام مشوهة، لأ. شاف تحفة فنية بتلمع، بتعكس نور الشمس بشكل عجيب. شاف إن كل خبطة مطرقة، وكل ناحتة أزميل، وكل احتكاك صنفرة، كان ليهم هدف. شاف إن صمت النحات مكنش ترك، لكن كان تحضير لإعلان المجد. شاف إن الظلمة مكنتش نهاية القصة، دي كانت مجرد الورشة اللي اتصنع فيها الجمال.
========================================
مراجع كل اقتباسات الاباء (في منها مش حرفي بشكل كامل بل ترجمة بتصرف مني) :
Climacus, John. The Ladder of Divine Ascent. Translated by Colm Luibheid and Norman Russell. The Classics of Western Spirituality. New York: Paulist Press, 1982.Step 13, "On Despondency,"

Isaac of Nineveh (the Syrian). The Ascetical Homilies of Saint Isaac the Syrian. Translated by the Holy Transfiguration Monastery. Boston, MA: Holy Transfiguration Monastery, 2011.Homily 5/Homily 34 (and others)

Gregory of Nyssa. The Life of Moses. Translated by Abraham J. Malherbe and Everett Ferguson. The Classics of Western Spirituality. New York: Paulist Press, 1978.Book II,Paragraphs 162-169

Macarius the Great. Pseudo-Macarius: The Fifty Spiritual Homilies and the Great Letter. Translated by George A. Maloney. The Classics of Western Spirituality. New York: Paulist Press, 1992.Homily 15

John of the Cross. The Collected Works of St. John of the Cross. Translated and edited by Kieran Kavanaugh and Otilio Rodriguez. Washington, D.C.: ICS Publications, 1991.The Ascent of Mount Carmel : Book I discusses the Night of the Senses. / Dark Night of the Soul : Book I addresses the "Passive Night of the Senses," and Book II addresses the terrifying but transformative "Passive Night of the Spirit."

Jacob of Serugh. Jacob of Sarug's Homilies on Genesis. Translated by Robert A. Kitchen. Piscataway, NJ: Gorgias Press, 2021.(Genesis 32)

Ephrem the Syrian. The Hymns on Faith. Translated by Jeffrey T. Wickes. Fathers of the Church Series 120. Washington, D.C.: The Catholic University of America Press, 2015.
Ephrem the Syrian. Hymns on Paradise. Translated by Sebastian P. Brock. Crestwood, NY: St. Vladimir's Seminary Press, 1990.
========================================
بس لحد هنا انتهي موضوعنا
و سلام المسيح مع جميعكم
#فهم_العقيدة
#ابائيات
Siervo De Jehová
بواسطة : Siervo De Jehová
"لكي تجثو باسم يسوع كل رُكْبَةٍ" (في 2: 10)
Comments