المسيح الطبيب
بسم الاب و الابن و الروح القدس الاله الواحد .امين.:#فهم_العقيدة
==================================
المسيح الطبيب
==================================
المسيح الطبيب : رحلة شفاء البشرية.
فكرة (المسيح الطبيب) أو باللاتيني (Christu Medicus). دي مش مجرد تشبيه أو لقب وخلاص، دي عقيدة متجذرة في قلب الإيمان المسيحي، وشايفها وفهمها الآباء القديسين بعمق يخليك تقف مندهش. دي قصة حب إلهي، قصة طبيب سماوي نزل لأرضنا المريضة عشان يشفينا من أخطر مرض، مرض الخطية والموت
==================================
الفصل الاول : يعني إيه (المسيح الطبيب) ؟ الأصل والمعنى العميق
قبل ما نخش في شرح الآباء و كلامهم، لازم نفهم الأول اللقب ده جاي منين وبيعبر عن إيه بالظبط. فكرة (الله كطبيب) ليها جذور في العهد القديم، بنشوفها في سفر الخروج لما ربنا بيقول لشعبه : "إِنْ كُنْتَ تَسْمَعُ لِصَوْتِ الرَّبِّ إِلهِكَ، وَتَصْنَعُ الْحَقَّ فِي عَيْنَيْهِ، وَتَصْغَى إِلَى وَصَايَاهُ وَتَحْفَظُ جَمِيعَ فَرَائِضِهِ، فَمَرَضًا مَا مِمَّا وَضَعْتُهُ عَلَى الْمِصْرِيِّينَ لاَ أَضَعُ عَلَيْكَ، (لأَنِّي أَنَا الرَّبُّ شَافِيكَ") (خروج 15: 26). هنا ربنا بيقدم نفسه كـ (يهوه روفيكا) يعني "الرب شافيك"، الطبيب اللي بيشفي مش بس الجسد، لكن بيشفي الأمة كلها من أمراضها الروحية.
لما نيجي للعهد الجديد، بنلاقي الفكرة دي بتتجسد وتتوضح بشكل مباشر في شخص السيد المسيح. هو نفسه استخدم التشبيه ده عشان يوصف مهمته ورسالته. لما الفريسيين والكتبة انتقدوه عشان بياكل ويشرب مع العشارين والخطاة، رده كان واضح وصريح: "لاَ يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ الْمَرْضَى. لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَارًا بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَةِ" (لوقا 5: 31-32). بالجملة دي، المسيح مش بس بيدافع عن تصرفاته، ده بيعلن عن هويته ورسالته. هو الطبيب اللي جه مخصوص عشان المرضى، والبشرية كلها في نظره مريضة بالخطية ومحتاجة شفاء.
فا فكرة (المسيح الطبيب) بتعبر عن شوية حاجات أساسية وعميقة :
تشخيص الحالة البشرية : النظرة دي بتشوف إن البشرية بعد السقوط بقت في حالة مرض. الخطية مش مجرد غلطة أو مخالفة للقانون، دي مرض روحي بيصيب الطبيعة البشرية كلها، بيضعفها، بيشوهها، وبيخليها تميل للشر والموت. زي ما المرض الجسدي بيخلي الجسم مش قادر يقوم بوظايفه الطبيعية، الخطية بتخلي الإنسان مش قادر يعيش في الشركة مع الله اللي اتخلق عشانها و الوحدة و النعمة بتاعت ربنا.
طبيعة عمل المسيح الخلاصي : لو البشرية مريضة، يبقى الخلاص هو عملية (شفاء). التجسد، الصلب، والقيامة مش مجرد أحداث تاريخية، دي كلها أدوية وعلاجات بيقدمها الطبيب السماوي. التجسد و التأنس هو زيارة الطبيب بنفسه للمريض في بيته. الصلب هو الجراحة المؤلمة اللي بيشيل بيها الطبيب الورم الخبيث (الخطية والموت). والقيامة هي الدواء اللي بيدي حياة جديدة وصحة كاملة.
علاقة المسيح بكل نفس : هو مش طبيب بيتعامل مع الحالات من بعيد، ده طبيب النفوس والأجساد اللي بيهتم بكل واحد فينا بشكل شخصي. بيلمس الأبرص عشان يطهره، بيفتح عيون الأعمى، بيشفي المفلوج، والأهم، بيغفر الخطايا ويشفي جروح النفس العميقة.
الفكرة دي ازدهرت جدا في الكنيسة الأولى، خصوصا في القرون الأربعة الأولى. ليه ؟ لأن العالم وقتها كان مليان بالفلسفات اللي بتحاول تفهم طبيعة الشر والألم. المسيحية قدمت إجابة مختلفة وجذابة : الشر هو مرض، والمسيح هو الطبيب الشافي. ده كان له صدى قوي جدا في عالم بيقدر الطب والأطباء زي العالم اليوناني الروماني.
==================================
الفصل التاني : المسيح الطبيب في فكر آباء الكنيسة
نبدأ باول شخص و هو القديس إغناطيوس الأنطاكي : الطبيب الواحد والفريد
عشان نشوف الفكرة دي عند الآباء، لازم نبدأ بواحد من أقدمهم، القديس إغناطيوس الأنطاكي (تلميذ يوحنا الرسول واستشهد حوالي سنة 107 م). إغناطيوس في رسائله للكنائس وهو في طريقه للاستشهاد، بيقدم لنا لآلئ لاهوتية ثمينة. في رسالته لأهل أفسس، بيكتب مقطع يعتبر من أقدم وأقوى النصوص اللي بتوصف المسيح كطبيب. بيقول :
"يوجد طبيب واحد، جسداني وروحاني، مولود وغير مولود، الله المتجسد، الحياة الحقيقية في الموت، الذي من مريم ومن الله، أولاً متألمًا ثم الآن غير متألم، يسوع المسيح ربنا."
إغناطيوس بيقول إن المسيح هو "الطبيب الواحد" (εἷς ἰατρός ἐστιν). مفيش غيره يقدر يشفي. وبعدين بيدي وصف مزدوج عجيب للطبيب ده :
جسداني وروحاني : هو طبيب للجسد بيشفي الأمراض الجسدية (زي ما شفنا في الأناجيل)، وهو كمان طبيب للروح بيشفي من الخطية. الشفاء اللي بيقدمه كامل، للإنسان كله، جسد وروح.
مولود وغير مولود : "مولود" من العذراء مريم في الجسد، و"غير مولود" في لاهوته لأنه أزلي مع الآب. دي صياغة دقيقة جدا بتدافع عن لاهوت المسيح وتجسده في نفس الوقت.
الله المتجسد : الطبيب ده مش مجرد نبي أو معلم صالح، ده "الله" نفسه اللي أخذ جسد (ἐν σαρκὶ γενόμενος θεός). عشان كده علاجه فعال، لأن اللي بيقدمه هو مصدر الحياة نفسه.
الحياة الحقيقية في الموت : هو دخل للموت بنفسه، وفي قلب الموت كان هو "الحياة الحقيقية". زي طبيب شجاع بيدخل منطقة موبوءة عشان يجيب الدواء للمرضى. بموته داس الموت وأعطانا الحياة.
من مريم ومن الله : هنا بيأكد انسانية و الوهية المسيح . هو ابن مريم وابن الله في نفس الوقت بيتكلم عن المسيح الواحد و انه رب واحد و ابن واحد و طبيب واحد شفنا مسيح واحد و طبيب واحد من طبيعتينه الالهية و الانسانية. دي هي تركيبة الدواء العجيب اللي بيشفينا.
أولاً متألمًا ثم الآن غير متألم : هو كطبيب، أخذ على نفسه آلامنا وأوجاعنا. اتألم ومات عشان يشفينا، لكنه دلوقتي قام وصعد للسماء في مجده، غير متألم، ومن هناك بيكمل عمله كطبيب للبشرية.
إغناطيوس بيقدم لنا في سطور قليلة خلاصة فكر "المسيح الطبيب". المسيح هو الطبيب الفريد بسبب هويته الفريدة كالإله المتجسد. الدواء اللي بيقدمه هو نفسه، حياته وموته وقيامته.
وفي نفس الرسالة، إغناطيوس بيتكلم عن الإفخارستيا (سر التناول) وبيسميها "دواء الخلود، وترياق لكي لا نموت بل نحيا في يسوع المسيح إلى الأبد"
سر التناول هو الدواء (φάρμακον ἀθανασίας) اللي بيدينا الحياة الأبدية، هو العلاج اللي بيحصنا ضد سم الموت. ده تطبيق عملي لفكرة المسيح الطبيب في حياة الكنيسة.
==================================
القديس أثناسيوس الرسولي : الطبيب الذي يشفي الطبيعة الفاسدة
(ملحوظة في بعض اثناسيوس الكلام الي بين قوسين إضافة مني لتوضيح مقصده)
البابا أثناسيوس الرسولي بطل مجمع نيقية والمدافع الشرس عن لاهوت المسيح. فكر المسيح الطبيب كان محوري في لاهوت أثناسيوس، خصوصا في كتابه العظيم تجسد الكلمة. أثناسيوس بيستخدم التشبيه ده عشان يجاوب على سؤالين مهمين : ليه الكلمة تجسد ؟ وليه مات على الصليب بالذات ؟
أثناسيوس بيوصف حال البشرية بعد السقوط بأنها مش بس مذنبة ومحتاجة غفران، لكنها فاسدة ومريضة محتاجة شفاء وتجديد. الفساد والموت دخلوا للطبيعة البشرية نفسها بالخطية و العصيان. فكان لازم الطبيب يجي عشان يعالج الطبيعة دي من جذورها.
في كتابه تجسد الكلمة بيقول :
"لأنه كما لو أن ملكًا عظيمًا قد دخل إلى مدينة كبيرة، وأقام في أحد بيوتها، فإن هذه المدينة بأسرها تنال كرامة عظيمة، ولا يعود عدو أو لص يقتحمها ليخربها، بل تُحسب جديرة بكل حماية لأن الملك أقام في أحد بيوتها. هكذا هو الحال مع ملك الكل. فإذ قد جاء إلى عالمنا، وأقام في جسد شبيه بأجسادنا، فقد بَطُلَت الآن كل مؤامرة من العدو ضد البشر، وزال فساد الموت الذي كان يسود عليهم من قبل."
هنا التشبيه ملكي، لكن الفكرة هي هي. مجرد وجود الطبيب (الملك) في وسطنا بيغير كل حاجة. جسد المسيح اللي هو واحد مننا، بقى هو البيت اللي سكن فيه اللاهوت، فتقدست الطبيعة البشرية كلها فيه.
أثناسيوس بيستخدم تشبيه الطبيب بشكل أوضح عشان يشرح ليه التجسد كان ضروري. بيقول إن الله كان ممكن يغفر الخطية بكلمة، لكن ده مش هيعالج الفساد اللي دخل للطبيعة. لو واحد مريض، مش كفاية تسامحه على إهماله اللي جاب له المرض، لازم تديله علاج عشان يخف.
"فلو كانت المسألة مجرد خطيئة، وليس فسادًا قد تبعها، لكانت التوبة كافية. ولكن.كان البشر قد فقدوا نعمة الصورة الإلهية، وكانوا غارقين في الفساد الذي أحدثه الموت. فماذا كان على الله أن يفعل؟.. هل كان يليق به أن يصمت أمام هذا الفساد، ويترك البشر يُحملون به ويُهلكون؟... فما الحاجة إذن لخلقهم من الأصل؟... لهذا السبب، أخذ الكلمة لنفسه جسدًا من بشر، لأن البشر كانوا قد تحولوا إلى الفساد، لكي يزيل عنهم الفساد ويعيدهم إلى عدم الفساد مرة أخرى."
فا عند أثناسيوس المسيح هو الطبيب اللي مش بس بيعالج الأعراض (الخطايا الفردية)، لكن بيعالج أصل المرض (الفساد والموت في الطبيعة البشرية بسبب الخطية). عمل إيه ؟ هو كطبيب ماهر، أخذ الطبيعة المريضة دي (الجسد البشري) ووحدها بنفسه (الكلمة الإلهي مصدر الحياة)، وبكده طهرها وشفاها من جوه.
وعن الصليب، أثناسيوس بيشوفه كأداة الجراحة الضرورية. كان لازم الجسد ده يموت عشان يموت فيه الموت نفسه و بيقول :
"وكما أن الطبيب الحكيم، لكي يخلص الجسد كله، يسمح في بعض الأحيان ببتر جزء منه... هكذا فعل مخلص الجميع... لقد قَبِلَ ما لم يكن له (الموت) لكي يهبنا ما ليس لنا (الحياة)."
المسيح، الطبيب الشافي، دخل بنفسه لغرفة العمليات (الصليب)، وأخذ على جسده مبضع الموت، عشان يقتل فيروس الموت نفسه ويدينا كلنا مناعة أبدية ضده.
==================================
كيرلس الأورشليمي : الطبيب في أسرار الكنيسة
نيجي للقديس كيرلس الأورشليمي ، أسقف مدينة اورشليم، واللي اشتهر بمواعظه التعليمية للموعوظين اللي كانوا بيستعدوا للمعمودية. كيرلس كان معلم من الطراز الأول، بيستخدم تشبيهات بسيطة وواضحة عشان يوصل أعمق الحقائق الإيمانية. وفكرة المسيح الطبيب كانت حاضرة بقوة في تعليمه عن أسرار الكنيسة، خصوصا المعمودية والميرون.
كيرلس بيشوف إن الإنسان اللي جاي يتعمد هو إنسان مريض، والكنيسة هي المستشفى الروحية، والأسرار هي الأدوية اللي بيقدمها الطبيب الأعظم، المسيح. في عظاته التحضيرية، بيكلم الموعوظين ويقولهم :
"إنكم الآن على أبواب بيت الملك. فليتكم تدخلون ليس فقط بالجسد بل بالروح أيضًا. أنتم الآن تُحصَون ضمن جيش الملك العظيم. فلتتسلحوا بأسلحة التقوى. أنتم الآن تُستدعَون للشفاء الروحي. فاقتربوا من يد الطبيب."
في عظاته عن سر المعمودية، بيشرح إزاي المعمودية هي عملية شفاء وولادة جديدة. نزول الإنسان في المية وطلوعه منها هو رمز للموت مع المسيح والقيامة معاه. دي مش مجرد رمزية، دي عملية شفاء حقيقية. الطبيب بيستخدم "المية" كأداة عشان يغسل جروح الخطية ويولد الإنسان من جديد إنسان صحيح معافى و بيقول كيرلس :
"أيها المرضى، اقتربوا من الطبيب. يا من سقطتم، قوموا. يا من أُعميتم، استنيروا... إن الطبيب يشفيكم مجانًا... إنه طبيب النفوس والأجساد، يشفي الأجساد المنظورة بالوسائل المنظورة، ويشفي النفوس غير المنظورة بالروح."
كيرلس بيربط بين شفاءات المسيح الجسدية في الإنجيل وبين الشفاء الروحي اللي بيتم في الأسرار. زي ما المسيح قال للمفلوج: "مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ" وبعدين قاله "قُمِ احْمِلْ فِرَاشَكَ وَاذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ!" (متى 9: 2-6)، كيرلس بيشوف إن الشفاء الروحي في المعمودية ليه قوة تغير حياة الإنسان كلها، الجسدية والروحية.
ولما بيتكلم عن سر الميرون (زيت المسحة المقدسة)، بيوصفه كأنه مرهم أو دهان شفائي. زي ما الطبيب بعد ما يطهر الجرح بيحط عليه مرهم عشان يساعده يلتئم ويحميه من العدوى، الروح القدس في سر الميرون هو المرهم الروحي اللي بيقوي النفس وبيحميها من هجمات الشيطان.
الفكرة عند كيرلس الأورشليمي عملية جدا وكنسية. المسيح الطبيب مش مجرد فكرة لاهوتية بنتكلم عنها، ده طبيب حي وبيمارس مهنته دلوقتي جوه الكنيسة من خلال الأسرار المقدسة. الكنيسة هي عيادته، والكهنة هم مساعديه، والأسرار هي أدويته الفعالة.
==================================
فكرة المسيح الطبيب كانت لحن أساسي زي سيمفونية فكر الآباء. كل واحد فيهم عزف على اللحن ده بطريقته الخاصة وأضاف له عمق جديد .
القديس كيرلس عمود الدين : في تفسيراته، بيركز على إزاي المسيح بكلمته كان بيشفي. زي ما قال لقائد المئة : "اذْهَبْ، وَكَمَا آمَنْتَ لِيَكُنْ لَكَ" (متى 8: 13) فبرأ غلامه في نفس الساعة. كيرلس بيشوف إن كلمة الله في الكتاب المقدس ليها نفس القوة الشافية للنفوس. قراءة الكتاب المقدس بتوبة وإيمان هي جلسة علاج عند الطبيب الأعظم.
==================================
القديس يوحنا ذهبي الفم : كراعي عظيم، كان بيستخدم تشبيه المسيح الطبيب في عظاته عشان يشجع الناس على التوبة والاعتراف. بيوصف الكاهن للي بيسمع الاعتراف بأنه مساعد للطبيب، ودوره مش إنه يفضح المريض، لكن إنه يساعده يكشف جرحه للطبيب الحقيقي (المسيح) عشان يشفيه. بيقول في إحدى عظاته :
"هل أخطأت؟ ادخل الكنيسة وتب. هنا يوجد الطبيب، وليس القاضي. هنا لا يُفحَص الخاطئ، بل تُمنَح له مغفرة الخطايا."
و بيقول في عظة اخري ان الكنيسة هي المستشفي :
"لهذا السبب بالتحديد، فإننا لا نُخجِلكم ولا نفضحكم علانية، بل نطلب منكم أن تُظهروا جراحكم للطبيب. هنا يوجد مستشفى (ἰατρεῖον)، وليس محكمة (δικαστήριον)؛ هنا لا يُدان المخطئ، بل ينال غفران خطاياه
==================================
القديس أغسطينوس : في الغرب القديس أغسطينوس استخدم التشبيه ده بكثرة، خصوصا في سياق شرحه لعقيدة الخطية الأصلية. بيشوف إن البشرية كلها ورثت طبيعة مريضة من آدم، والمسيح هو الطبيب اللي جه عشان يشفي الطبيعة دي. أغسطينوس هو اللي صاغ المثل الشهير عن السامري الصالح كتفسير رمزي لعمل المسيح. في المثل ده (لوقا 10)، الإنسان اللي نزل من أورشليم لأريحا ووقع في إيد اللصوص هو رمز لآدم والبشرية كلها. اللصوص هم الشيطان وقواته. الكاهن واللاوي اللي عدوا من جنبه هم رمز للناموس والذبائح في العهد القديم، اللي مقدروش يشفوا الإنسان شفاء كامل. أما السامري الصالح (اللي كان محتقر من اليهود)، فهو رمز للمسيح نفسه بيشرح اغسطينوس و يقول :
"نزل السامري إليه، وربط جراحه، وصب عليها زيتًا وخمرًا. الزيت يرمز للتعزية والرجاء، والخمر يرمز للحماس الروحي. وحمله على دابته (رمز للتجسد، حيث حمل المسيح طبيعتنا)، وأتى به إلى الفندق (رمز للكنيسة)، واعتنى به."
التفسير ده بيوريك إزاي فكرة المسيح الطبيب كانت عدسة بيقروا بيها الآباء الكتاب المقدس كله.
==================================
القديس ساويرس الانطاكي : من اكتر الاباء مع اغسطينوس الي استخدم مثل المسيح الطبيب في عظاتن و واحدة من أشهر عظاته اللي بيفسر فيها إيمان قائد المئة (متى 8: 5-13)، بيقدم القديس ساويرس لوحة فنية رائعة للمسيح كطبيب بيستخدم تواضعه كدواء لعلاج كبريائنا. بيقول :
"لذلك، عندما رأى الطبيب الصالح لنفوسنا وأجسادنا أن مرض الكبرياء القاتل قد استولى على البشر، وأن هذا هو أصل وسبب كل الشرور، أسرع لكي يعالج الضد بالضد، كما يفعل الأطباء الحكماء. لقد استخدم دواء التواضع الشافي. هو، الذي هو الله الكلمة... لم يعتبر خلسة أن يكون مساويًا لله، بل أخلى نفسه، آخذًا صورة عبد... لقد أظهر نفسه كنموذج ومثال لكل من يرغب في أن يشفى ويبلغ إلى الحياة الأبدية. فإنه إذ كان طبيبًا ماهرًا، لم يعالجنا بالأوامر فقط، بل أظهر لنا بنفسه قوة العلاج من خلال أفعاله."
و بيقول في عظة اخري :
"مثلما يأخذ طبيب ماهر، يرغب في القضاء على سم قاتل، بعض الحيوانات التي تسممت بهذا السم، ثم يمزجها بأدوية أخرى شافية من صنعه، ويصنع منها ترياقًا واحدًا فعالًا ضد هذا السم... هكذا فعل الكلمة الإلهي، الطبيب الحقيقي للكل. لقد رأى الطبيعة البشرية وقد تسممت بسم الموت والخطية القاتل... فأخذ منها جسدًا له نفس طبيعتنا، جسدًا قابلاً للألم والموت، ومزجه - إن جاز التعبير - بقوة لاهوته المحيية والشافية، وصنع منه دواءً واحدًا جديدًا واهبًا للحياة. هذا الدواء هو عمانوئيل، الذي هو طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة، الذي من خلال آلام جسده التي هي آلامه الخاصة، قتل السم القاتل."
(في نقطة محتاج اوضحها كلامه هنا مش معناه إن بالامتزاج او ان طبيعة المسيح الانسانية مش موجودة او خيال هو وضح بكلمة اذا جاز هذا التعبير هو بيوضح ان طبيعة المسيح الانسانية اتحد بيها الإلهية و منها نتج طبيعة واحدة متجسدة مركبة لله الكلمة المتجسد من اتحاد طبيعيتن و ده شرح تفصيلي لتعبير القديس كيرلس فا هي مش اوطاخية بل شرح بأسلوب وعظي و اختيار تعابير أمينة في الشرح و هو من الأساس رد علي أكاذيب الخياليين (الاوطاخيين) و أثبت لهم حقيقة الأم المسيح و صلب المسيح الحقيقي و جسد المسيح الحقيقي الكامل مثلنا مش تمثيل أو خيال
ده شرح عشان ميحصلش لبس)
==================================
الفصل التالت الكتاب المقدس : روشتة الطبيب السماوي
كل كلام الآباء ده مش جاي من فراغ، ده متجذر في الكتاب المقدس نفسه. الكتاب المقدس من أوله لآخره هو قصة هذا الطبيب وعمله الشفائي.
في العهد القديم : زي ما شفنا، الله هو الرب الشافي. الأنبياء اتكلموا عن الشفاء اللي هيجي في العصر المسياني. إشعياء بيقول عن المسيا المنتظر : لكِنَّ أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا، وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا. وَنَحْنُ حَسِبْنَاهُ مُصَابًا مَضْرُوبًا مِنَ اللهِ وَمَذْلُولًا. وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا." (إش 53: 4-5). دي نبوة واضحة عن الطبيب اللي هيتألم عشان يشفي مرضاه.
في الأناجيل : حياة المسيح على الأرض كانت تطبيق عملي للقب الطبيب و الأناجيل مليانة بقصص شفاءاته : الأبرص، الأعمى، الأصم، الأخرس، المفلوج، نازفة الدم، ابنة يايرس، لعازر و غيرهم من الي المسيح شفاهم بالإيمان بتاعهم . المعجزات دي مكانتش مجرد استعراض قوة، دي كانت آيات أو علامات بتكشف عن حقيقة أعمق : المسيح عنده سلطان على المرض والموت، لأنه هو مصدر الحياة، وهو جاي عشان يشفي البشرية من مرضها الأكبر : الخطية.
في رسائل الرسل : الرسل كملوا نفس الفكرة. بطرس الرسول بيقتبس نبوة إشعياء ويطبقها مباشرة على المسيح والمؤمنين: "الَّذِي حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى الْخَشَبَةِ، لِكَيْ نَمُوتَ عَنِ الْخَطَايَا فَنَحْيَا لِلْبِرِّ. الَّذِي بِجَلْدَتِهِ شُفِيتُمْ" (1 بطرس 2: 24). الشفاء هنا واضح إنه شفاء روحي من الخطية.
الكتاب المقدس هو الروشتة اللي كتبها الطبيب الأعظم. فيه بنلاقي تشخيص دقيق لمرضنا، وفيه بنلاقي وصف كامل للعلاج الفعال اللي بيقدمه لنا في شخصه.
==================================
الفصل الرابع : ليه التشبيه ده مهم ؟
طيب ممكن يجي فبالك سؤال بعد كل الرحلة دي ليه فكرة او تشبيه المسيح الطبيب مهمة ليا حاليا ؟
ده له كذه سبب :
بتدينا فهم أعمق للخطية : في عالم بيتعامل مع الخطية كأنها مجرد اختيار شخصي أو كسر للقواعد، التشبيه ده بيرجعنا للحقيقة. الخطية مرض مدمر، بيأذينا وبيأذي اللي حوالينا، وبيفصلنا عن مصدر حياتنا. دي مش حاجة بسيطة نتجاهلها، دي حالة محتاجة علاج فوري.
بتورينا حنية الله : صورة القاضي العادل ممكن تكون مخيفة اوقات. لكن صورة الطبيب الحنين بتورينا وجه تاني لربنا. الطبيب مش بيكره المريض، بالعكس، بيحزن على حالته وبيعمل كل اللي يقدر عليه عشان يشفيه. الله بيكره الخطية، لكنه بيحب الخاطي وبيتألم لألمه وبيسعى لشفائه لكن ده لا يمنع انه مازال قاضي عادل بكن صورة الطبيب الشافي بتعرفنا المسيح بشكل كامل انه متعالي و متواضع عادل و رحيم.
بتخلينا نشوف الخلاص كرحلة : الشفاء مش بيحصل في لحظة. فيه تشخيص، وعلاج، وفترة نقاهة، ومتابعة. الخلاص برضه رحلة. بتبدأ بالمعمودية (بداية العلاج)، وبتستمر طول العمر في جهاد روحي وتوبة وأخذ الأدوية (الأسرار وكلمة الله والصلاة) عشان ننمو في حياة النعمة ونوصل للشفاء الكامل في الأبدية.
بتدي للكنيسة دورها الحقيقي : الكنيسة مش نادي اجتماعي أو مؤسسة خيرية. الكنيسة هي مستشفى النفوس. ده المكان اللي المرضى بيروحوه عشان يقابلوا الطبيب ويلاقوا الشفاء. ده بيدينا نظرة مختلفة لدورنا كأعضاء في الكنيسة، إحنا مرضى بنتعافى، وفي نفس الوقت مطلوب مننا نساعد المرضى التانيين ونشاور لهم على الطبيب.
==================================
تخيل معايا في زقاق قديم ومنسي من أزقة العالم الواسع، كان فيه عيادة صغيرة، مش زي أي عيادة. ماكنش ليها يافطة كبيرة ولا أنوار مبهرة. كان بابها الخشب بسيط، مفتوح دايمًا، وجنبه فانوس زيت بينور بنور هادي ودافي. الناس كانوا بيسموه (بيت الشفا). الطبيب اللي كان هناك كان بالنسبة للناس غريب ماكنش بياخد فلوس، وماكنش عنده مواعيد. كان موجود على طول، بالليل زي بالنهار، مستني اللي يجيله.
جه في يوم واحد أعرج، رجليه متيبسة من سنين الكره والحقد اللي شالهم في قلبه. دخل العيادة وهو بيسند على عكازين الكبرياء واليأس. الطبيب بص في عينيه، ما سألوش إيه اللي جابك ؟ أو غلطت في إيه ؟ بل ابتسم وقاله : "أنا عارف وجعك، وجع إنك مش قادر تمشي في طريق الحب". ولمس رجليه. في اللحظة دي، الأعرج حس بحرارة غريبة بتسري في عروقه، حرارة ذوبت سنين الجليد. رمى العكازين وجري لأول مرة في حياته، مش بس على رجليه، لكن بقلب جديد بيعرف يجري ناحية اللي بيحبهم.
ودخلت بعده واحدة مش بتشوف، عينيها مطفية من كتر الدموع اللي بكتها في الظلمة، ظلمة الخوف من المستقبل ومن الناس. كانت فاكرة إن النور مش ليها. الطبيب قرب منها بهدوء، وحط طين على عينيها، طين من تراب الأرض اللي هي جزء منها. وهمس في ودنها : "النور مش حاجة بتشوفيها بعينيكي بس، النور هو إني أشوفك وتشوفيني". ولما غسلت وشها، ما شافتش بس ألوان الشجر والسما، دي شافت لأول مرة قيمة نفسها في عينين الطبيب اللي بيحبها.
وجه واحد أبرص، جلده متآكل من الوحدة والعزلة. الخطية كانت بتاكل في روحه زي ما البرص بياكل في جلده. كان لافف نفسه بخرق بالية من الخزي والعار، وبيصرخ من بعيد : "غير طاهر!". لكن الطبيب عمل اللي محدش عمله قبل كده. قرب منه، وشال الخرق دي بإيده، وحضنه. حضن يضم كل جروحه وكل تاريخه المؤلم. وقاله : "في عينيّ أنت طاهر، لأن دمي بيطهرك". البرص اختفى، مش بس من جلده، لكن من روحه. ورجع يمشي بين الناس وهو حاسس إنه مقبول ومحبوب.
العيادة دي، يا صاحبي، هي الكنيسة. والزقاق هو العالم بتاعنا. وكلنا، بشكل أو بآخر، جينا العيادة دي. فينا الأعرج اللي مش قادر يسامح، الي مش بتشوف و عايشة في الخوف، والأبرص اللي حاسس بالعار. والطبيب لسه هناك، بابه مفتوح، وفانوسه منور. مش مستني مننا غير حاجة واحدة : إننا نعترف بمرضنا، وندخل عيادته بثقة، ونخليه يلمس جروحنا. لأنه هو الطبيب الواحد و الوحيد، اللي الدوا بتاعه هو حبه، والجراحة بتاعته هي صليبه، والشفاء اللي بيديهولنا هو حياته الأبدية. وهو ده المسيح الطبيب
==================================
مراجع اقتباسات الاباء و كلامهم (بعضه مترجم بتصرف لتوصيل المعني لكن الاغلب نصي) :
Ignatius of Antioch, Ephesians 7.2.
Ignatius of Antioch, Ephesians 20.2.
Athanasius,On the Incarnation. 9.1.
Athanasius, On the Incarnation. 7.2–4.
Cyril of Jerusalem, Procatechesis 6.
Cyril of Alexandria, Commentary on Luke, Homily 31.Migne's Patrologia Graeca (PG), Vol. 72, columns 597-600.
John Chrysostom, On the Incomprehensible Nature of God, Homily 3.6.Migne's Patrologia Graeca (PG), Vol. 48, column 724.
Augustine, Sermon 131.6.
Severus Antiochenus, Homiliae Cathedrales, Homilia 77. (Ed. M. Brière, Patrologia Orientalis 22.2).
Severus Antiochenus, Homiliae Cathedrales, Homilia 123. (Ed. E.W. Brooks, Patrologia Orientalis 29.1).
==================================
بس لحد هنا يكون خلص موضوعنا
و سلام المسيح مع جميعكم
#فهم_العقيدة

اكتب رأيك في هذه المقالة