الاتحاد الأقنومي في تعليم القديس ساويرس الأنطاكي.
لقد التزم القديس ساويرس الأنطاكي معلم المسكونة و عمود الدين الانطاكي بالإيمان الأرثوذكسي الذي تسلمه من آباء الكنيسة القديسين وعلى رأسهم القديس البابا كيرلس الإسكندري، وقد تمسك القديس ساويرس الأنطاكي بالتعليم الأرثوذكسي عن طبيعة السيد المسيح له المجد بأنه طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة من طبيعتين بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير ولا تحول ولا انفصال لحظة واحدة ولا طرفة عين، وأنه أقنوم واحد متجسد لله الكلمة من أقنومين، وأنه شخص واحد هو نفسه شخص ابن الله الكلمة الأزلي الذي تجسد وصار إنساناً من أجل خلاصنا.
وقد كتب القديس ساويرس الأنطاكي ضد يوحنا النحوي قائلاً:
[أنظر، لقد أظهرنا بوضوح، كيف عندما نقول من طبيعتين، لا نفهم أن هاتين الطبيعتين هما جوهرين بحسب المعنى العام، أي الذي يجمع أقانيم متعددة، كما لو كان الثالوث القدوس بحسب ضلالك الخبيث - قد تجسد في البشرية جمعاء، أي كل الجنس البشري. بل الأقنوم الواحد الله الكلمة، والذي ندرك استقلاليته بالفكر فقط، وأقنوم واحد للجسد المحيى بالنفس العاقلة، المُتَّخذ من العذراء والدة الإله، ومعروفين في تركيب، بغير تغيير ، وبقيا على ما هما عليه، ليس في استقلالية الوجود أو قائمين بازدواجية الطبائع كما قلنا في مناسبات عديدة - بل باجتماعهما في وحدة، قد أكملا طبيعة واحدة وأقنوم واحد متجسد، وشخص واحد.]
القديس ساويرس الأنطاكي، ضد يوحنا النحوي، الكتاب الأول
Lebon, J. (Ed.). (1938). Severi Antiocheni Liber Contra Impium Grammaticum, Oratione I, p. 187.
يشرح القديس ساويرس الاتحاد الطبيعي والاتحاد الأقنومي بكل بساطة حيث يؤكد أن الاتحاد تم بين الطبيعة الإلهية ليس بشكل عمومي بل بشكل متفرد متخصص في أقنوم الله الكلمة، وبين الطبيعة البشرية ليس في عموميتها بل في أقنوم واحد للجسد ذو النفس العاقلة والمُتَّخَذ من القديسة العذراء حيث وُجِد في الاتحاد من اللحظة الأولى، فيكون المسيح طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة مركبة من طبيعتين، وأقنوم واحد متجسد لله الكلمة مركب من أقنومين بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير ولا تحول، وشخص واحد بسيط هو شخص ابن الله الكلمة الأزلي.
وبالنسبة للقديس ساويرس الأنطاكي فإن مصطلح "أقنوم" ينطبق على جسد المسيح ذو النفس العاقلة، أي ينطبق على إنسانيته الكاملة، بحيث يمكنه التحدث عن أن التجسد هو اتحاد أقنومين، فيقول:
[هل تسمي الجسد الذي يمتلك نفسًا عاقلة، الذي أخذه الله الكلمة طواعية لنفسه أقنوميًا بلا أي تغيير شيئًا متعينًا أم شيئًا عامًا، أي أقنوم واحد ذو نفس، أم عموم الطبيعة البشرية كلها ؟ من الواضح إنه إذا أردت أن تقدم إجابة بفكر سليم، ستقول جسدًا واحدًا ذا نفس. بالتالي نقول إنه منه ومن أقنوم الله الكلمة تم الاتحاد الذي لا يوصف؛ لأن كامل الطبيعة الإلهية وكامل الطبيعة الإنسانية لم يرتبطا في اتحاد طبيعي بشكل عمومي، بل في أقانيم خاصة.]
Brooks E. W. A Collection of Letters of Severus of Antioch. 1915. p. 16.
وربما تتسائل عزيزي القاريء، كيف يمكن اعتبار التجسد هو اتحاد أقنومين؟ أليس بذلك يكون اتحاد شخصين كما قال نسطور ؟!
والإجابة هي إن تعريف الأقنوم عند القديس ساويرس الأنطاكي كما عند القديس كيرلس الإسكندري هو الطبيعة متفردة ومتخصصة؛ وليس بالضرورة يكون للأقنوم شخص في كل الحالات، وهو ما يؤكده القديس ساويرس قائلاً:
[ولا تظن أن "الأقانيم" في كل الحالات لها شخص متمايز مرتبط بها، بحيث يُظَن أننا نتكلم، مثل نسطور الشرير، عن اتحاد شخصين، وأننا نسير في اتجاه مضاد لكلمات القديس كيرلس التي قالها بإلهام من الله، الذي في الرسالة الثانية إلى نسطور نفسه يتكلم هكذا : "لكن إن كان هذا هكذا فلن يساعد بأي حال مبدأ الإيمان الصحيح، حتى ولو نشر بعض الأشخاص شيء بشأن اتحاد شخصين. لأن الكتاب المقدس لا يقول إن الله الكلمة قد وحد نفسه بشخص إنسان، بل أنه قد صار جسدًا ..]
Brooks E. W. A Collection of Letters of Severus of Antioch. 1915. p. 17.
فنفهم من ذلك أن الاتحاد الأقنومي عبارة عن اتحاد:
أقنوم الله الكلمة (أي طبيعة إلهية كاملة متخصصة في أقنوم الله الكلمة) وهذا الأقنوم له شخصه وهو شخص الكلمة الأزلي
وأقنوم واحد للجسد ذو النفس العاقلة (أي طبيعة إنسانية كاملة متخصصة) وهذا الأقنوم ليس له شخص إنساني ولم يكن موجوداً قبل الاتحاد، وإنما وُجِد في الاتحاد من اللحظة الأولى، ووَجَد شخصه في الاتحاد وهو شخص ابن الله الكلمة الأزلي المتجسد.
وبالاتحاد الأقنومي صار أقنوم واحد متجسد لله الكلمة مركب من الأقنومين، طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة مركبة من طبيعتين، شخص واحد بسيط وليس مركب، وهو شخص ابن الله الكلمة الأزلي ولا يوجد أي شخص إنساني دخل في الاتحاد، لأن الكتاب المقدس لا يقول إن الله الكلمة قد وَحَّد نفسه بشخص إنسان، بل أنه قد صار جسدًا.
من مجهود صفحة Orthopatristics التعليم الآبائي المستقيم ♥

اكتب رأيك في هذه المقالة