========================================
ده جزء من وصف المؤرخ روفينوس الاكويلاني في تاريخه الكنسي لجرايم الوثنين بحق شعوبنا المسيحية و ده السياق الكامل لاستشهاد ابائنا الاطهار :
ولكن عندما اندلع هذا الحريق وتحوّل إلى لهيبٍ عظيم اجتاح الشعوب والكهنة، صار من المستحيل إحصاء عدد الذين كانوا يُستشهَدون يوميًا في كل مدينة وإقليم تقريبًا.
8:5. ففي نيقوميديا مثلًا، ما إن رأى أحد الرجال البارزين، المتميّز بشرفه ومكانته الدنيوية، المراسيم القاسية المعلّقة في الساحة ضد عابدي الله، حتى اشتعل بحرارة إيمانه الشديدة، وأمام أعين الناس أمسك بالوثيقة التي تحوي ذلك القانون الجائر، وأنزلها ومزّقها إربًا، وذلك بينما كان إمبراطور (أوغسطس) مقيمًا في تلك المدينة مع قيصر.
فلما أُخبروا بما فعله هذا الرجل التقيّ والمكرّم، أطلقوا عليه كل ألوان الوحشية، لكنهم لم يستطيعوا حتى أن يجعلوه يبدو حزينًا في عذاباته؛ بل ظل وجهه متهلّلًا ومبتهجًا، حتى بينما كانت أحشاؤه تذوب من شدة الألم، وكان فرح روحه ظاهرًا على ملامحه. وهكذا صار جلّادوه هم الأكثر ألمًا، إذ استنفدوا كل أنواع العذاب على رجلٍ لم يستطيعوا حتى أن يُحزنوه.
8:6.1. وبعد ذلك تحوّل هذا الهياج إلى أحد رفقاء دوروثيوس، من العاملين في بلاط رئيس حجّاب القصر، الذين كانوا يُعتَبَرون دائمًا كالأبناء الأعزاء.
إذ إنه عندما اعترض علنًا على العذابات القاسية التي أُنزِلت بالشهيد المذكور، أُمر هو نفسه أن يتقدّم ويُجبَر على تقديم الذبائح، ولما رفض، أُمر أن يُعلَّق ويُمزَّق جسده كله بالسياط، لكي يُجبِره الألم على ما لم يُرِد أن يفعله.
ولما بقي ثابتًا لا يتزعزع، أُمر أن يُصبّ الخلّ والملح على أحشائه بعدما نُزِع جلده. ومع ذلك احتمل هذا العذاب أيضًا بشجاعة وثبات. فأُمر بعد ذلك أن تُوضَع مشواة عليها جمر متّقد في الوسط، وأن يُوضَع عليها ما تبقّى من جسده بعد أن أضعفته الضربات، ولكن ليس دفعة واحدة، بل تدريجيًا وببطء، لكي يطول العذاب.
وكان خَدَم الشرّ يُقلّبون جسده هنا وهناك، فيُحدِثون الألم في أعضائه عضوًا عضوًا، ويجدّدون العذاب، راجين أن يجبروه على الخضوع؛ لكنه بقي ثابتًا في الإيمان، متهلّلًا في الرجاء، ومبتهجًا بإيمانه، حتى أسلم الروح الأخير، وقد استُهلك جسده، ومات في النار.
هكذا كانت الشهادة التي تزيّن بها بطرس، إذ كان هذا هو اسمه: وارثًا حقيقيًا لإيمان بطرس واسمه.
وكان معلّمه في العقيدة ومدبّر الخدمة في القصر هو دوروثيوس، رئيس حجّاب القصر، وكان نظيره في الخدمة والإيمان وعظمة النفس زميله غورغونيوس. وبفضل إرشادهما الصالح، ثابر تقريبًا جميع خدام القصر بثبات وحرية في إيمانهم بالله.
فلما رأى دوروثيوس وغورغونيوس بطرس وهو يحتمل بشجاعة تلك العذابات الوحشية، قالا: «يا مولانا، لماذا تعاقب بطرس على اعتقاد نشترك فيه جميعًا؟ لماذا يُتَّهم بما نعترف به كلنا؟ هذا هو إيماننا، وهذه ديانتنا، وهذا هو الاعتقاد الواحد المشترك بيننا».
ومع ذلك استدعاهما وأمر بقتلهما شنقًا بعد أن أُخضعا تقريبًا لنفس العذابات.
وفي ذلك الوقت أيضًا، نال أنثيموس أسقف تلك المدينة إكليل الشهادة بقطع الرأس، إذ ثبت في اعترافه بالرب يسوع المسيح. وكاد كل شعبه أن يتبعه، كراعٍ صالح يقود قطيعه إلى الشهادة.
وقد حدث أن جزءًا من القصر في نيقوميديا احترق في ذلك الوقت، فظنّ الإمبراطور ظلمًا أن المسيحيين هم الذين فعلوا ذلك، واشتعل غضبًا شديدًا، فأمر بالقبض على جميع المسيحيين دون تمييز: بعضهم ليُقتَل بالسيف، وآخرون ليُحرَقوا بالنار.
لكن نار الإيمان كانت أشد اشتعالًا فيهم بنعمة الله، حتى إن الموظفين عندما كانوا يسألونهم واحدًا واحدًا إن كانوا يريدون النجاة بتقديم الذبائح، لم يكن الرجال ولا النساء ينتظرون السؤال، بل كانوا من تلقاء أنفسهم يندفعون إلى النار أو يتسابقون لكشف أعناقهم للسيوف.
ولما أرعبت هذه القسوة المفرطة حتى المتفرجين، عمد أعوان الشرّ إلى إلقاء بعض الناس في قوارب، وأخرجوهم إلى عرض البحر، ولما ظلّوا ثابتين في إيمانهم، طرحوهم في الأعماق.
وبلغت وحشيتهم حدًّا أنهم نبشوا جثث خدم القصر الذين استُشهدوا وكانوا قد دُفنوا بكرامة، وألقوا بها في البحر، قائلين: «لا ينبغي أن يصيروا آلهة للمسيحيين، لئلا يبدأ الذين يرفضون عبادة الآلهة بعبادة عبيدنا». إذ كانوا يظنون أننا نُقدّم إكرامًا إلهيًا للشهداء.
وبينما كان هذا يحدث في نيقوميديا، حيث كان صاحب هذا الاضطهاد الدموي يتلذّذ بدماء الأتقياء، لم يكن هناك فتور في مقاطعة مليتين ولا في سوريا، إذ أُودِع رؤساء الكنائس جميعهم السجون وقُيِّدوا بالسلاسل حسب الأوامر الإمبراطورية، ومعهم رجال ونساء من الشعب، من مختلف الطبقات.
8-9. فصار المشهد بائسًا ومروّعًا في كل مكان: صمتٌ مفاجئ في المدن، واكتظاظ في السجون، شوارع خالية من الناس، وسجون لا موضع فيها فارغ، حتى بدا الأمر كأن المدينة كلها قد نُقلت إلى السجن.
فالسلاسل التي صُنعت للقتلة والزناة والسحرة وناهبي القبور، كانت الآن تُقيِّد أعناق الأساقفة والكهنة والشمامسة والقراء وجميع الأتقياء، حتى لم يبقَ للمجرمين لا قيود ولا أماكن في السجون.
ولما علم الإمبراطور أن السجون قد امتلأت، ولم يعد فيها مكان للمجرمين بسبب معاقبة الأبرياء، أصدر أوامر جديدة بأن يُطلق سراح المسجونين إن هم قدّموا الذبائح، أما الذين يرفضون فيُقتلون بطرق مختلفة.
وهكذا صار عدد الشهداء في كل إقليم، خاصة في أفريقيا وموريتانيا وطيبة ومصر، فوق كل قدرة على الإحصاء.
rufinus-of-aquileia-history-of-the-church. p325-328
صور من الكتاب :
صفحة 328
صفحة 327
صفحة 326
صفحة 325
صور توصف الاضطهاد




اكتب رأيك في هذه المقالة