ثيودوسيوس و مذبحة تسالونيكي
بسم الاب و الابن و الروح القدس الاله الواحد .امين.:#تاريخ_كنسي
============================
ثيودوسيوس و مذبحة تسالونيكي
============================
جوه الإمبراطورية الرومانية ، في أواخر القرن الرابع الميلادي، الدنيا ما كانتش هادية زي ما ممكن نتخيل. كانت الإمبراطورية بتترج، زي سفينة عملاقة في بحر هايج. من ناحية، البرابرة على الحدود بيضغطوا وعايزين يدخلوا، ومن ناحية تانية، جوه الإمبراطورية نفسها كان فيه صراعات دينية عنيفة بين المسيحين و الاريوسيين في عصر المسيحية كانت لسه بتثبت أقدامها كدين رسمي للدولة، والوثنية القديمة اللي بترفض تموت، وحتى بين المسيحيين نفسهم كان فيه خلافات طاحنة زي الخلاف بين أتباع مجمع نيقية والأريوسيين. في قلب العاصفة دي، كان بيحكم واحد من أقوى وأهم أباطرة روما المتأخرة، ثيودوسيوس الأول، الراجل اللي التاريخ هيلقبه بـ"العظيم"، لكن نفس الراجل ده ارتبط اسمه بواحدة من أبشع المذابح في التاريخ الروماني : مذبحة تسالونيكي سنة 390 ميلادية.
القصة دي مش مجرد حكاية عن دم وقتل، دي قصة عن صراع السلطة بين الإمبراطور والكنيسة، عن الغضب والعقاب، عن التوبة والندم. دي الحكاية اللي خلت إمبراطور روما، سيد العالم المعروف وقتها، يقف شهور بره الكنيسة، محروم من الصلاة، بيترجي ويطلب الغفران من أسقف واحد بس،القديس أمبروسيوس أسقف ميلان. عشان نفهم إيه اللي حصل بالظبط، لازم نرجع بالزمن لورا شوية، ونشوف الدنيا كانت عاملة إزاي وقتها.
============================
الموضوع هنشرحه في صورة فصول فا ركز معايا في كل جزء عزيزي القارئ
============================
الفصل الاول : العالم في عصر ثيودوسيوس إمبراطورية علي وشك السقوط.
عشان نفهم حجم الكارثة اللي حصلت في تسالونيكي، لازم الأول نرسم صورة للعالم اللي كانت عايشة فيه. الإمبراطورية الرومانية في أواخر القرن الرابع ما كانتش روما بتاعة يوليوس قيصر وأغسطس. كانت إمبراطورية شاخت وتعبت، ومتقسمة لشرق وغرب، وكل جزء له إمبراطور ومشاكله. ثيودوسيوس نفسه كان إسباني الأصل، مش من النخبة الرومانية القديمة، وده بيبين قد إيه تركيبة الجيش والسلطة اتغيرت.
الإمبراطور ثيودوسيوس الأول : القائد التقي سريع الغضب
فلافيوس ثيودوسيوس (Flavius Theodosius) اتولد سنة 347 ميلادية في إسبانيا لعائلة عسكرية ليها وزنها. أبوه، اللي كان اسمه ثيودوسيوس برضه (عشان كده بيسموه ثيودوسيوس الأكبر)، كان قائد عسكري كبير ومحترم. فالولد اتربى على الولاء للإمبراطورية والصرامة العسكرية. حياته اتقلبت لما أبوه اتغدر بيه واتعدم لأسباب سياسية غامضة سنة 376. ثيودوسيوس الشاب وقتها انسحب من الحياة العسكرية ورجع لمزرعته في إسبانيا، وهو حاسس بالظلم والخطر.
لكن الزمن كان ليه رأي تاني. سنة 378، حصلت كارثة عسكرية ضخمة في معركة أدريانوبل. الجيش الروماني في الشرق، بقيادة الإمبراطور فالنس (Valens)، اتسحق على إيد القوط (Goths)، وفالنس نفسه اتقتل في المعركة. دي كانت ضربة قاصمة للإمبراطورية، مش بس خساير عسكرية، دي كانت صدمة نفسية ومعنوية. الإمبراطورية فجأة بقت من غير إمبراطور في الشرق، والحدود مفتوحة على الاخر للقبائل الجرمانية.
الإمبراطور الغربي وقتها، جراتيان (Gratian)، كان شاب صغير ومحتاج راجل تقيل يلم الدنيا في الشرق. مين أحسن من ثيودوسيوس ؟ الشاب اللي عنده خبرة عسكرية و ولاءه مضمون. وبالفعل، في سنة 379، استدعى جراتيان ثيودوسيوس من عزلته وعينه "أغسطس" أو إمبراطور على الشرق.
ثيودوسيوس كان راجل مركب. من ناحية، كان قائد عسكري شاطر وسياسي محنك. قدر يلم بقايا الجيش الروماني المهزوم ويعمل معاهدة مع القوط سنة 382، سمحت لهم يعيشوا جوه أراضي الإمبراطورية كـ "فيديراتي" (foederati) أو حلفاء، بس بشرط يخدموا في الجيش الروماني. دي كانت خطوة براجماتية جداً، لأنه ماكانش عنده القوة الكافية عشان يطردهم، فقرر يستفيد منهم. بس في نفس الوقت، ده خلق حالة من التوتر الدائم، لأن وجود جيش "بربري" جوه الجيش الروماني كان قنبلة موقوتة، وكتير من الرومان كانوا بيبصوا للقوط دول على إنهم دخلاء ومتوحشين.
من الناحية التانية، ثيودوسيوس كان مسيحي نيقاوي متعصب جداً. هو اللي أصدر سنة 380 مرسوم تسالونيكي (Edict of Thessalonica)، اللي خلى المسيحية على إيمان مجمع نيقية الامين (اللي بيقول إن الابن مساوٍ للآب في الجوهر) هي الدين الرسمي والوحيد للإمبراطورية الرومانية. أي حد على إيمان تاني، زي الأريوسيين (اللي كانوا بيقولوا إن الابن اله مخلوق وأقل من الآب)، بقى يعتبر مهرطق. وبدأ حملة شرسة ضد الوثنية، وقفل المعابد ومنع تقديم القرابين للآلهة القديمة. تدينه ده كان حقيقي وصادق، لكنه كان ممزوج بطبعه الحاد وسريع الغضب. لو حس إن سلطته أو دينه اتهانوا، كان ممكن رد فعله يبقى عنيف جدا وغير متوقع.
============================
أمبروسيوس أسقف ميلان : رجل الله الذي لا يخشى الأباطرة
على الناحية التانية من القصة، عندنا شخصية لا تقل قوة عن الإمبراطور، لكن قوته من نوع مختلف . أوريليوس أمبروسيوس (Aurelius Ambrosius) اتولد حوالي سنة 339 في مدينة ترير (في ألمانيا دلوقتي)، لعائلة أرستقراطية رومانية عريقة. أبوه كان حاكم بلاد الغال (فرنسا حاليا)، يعني الولد اتربى في قلب السلطة والسياسة. درس القانون والبلاغة في روما، وكان ماشي في طريقه عشان يبقى سياسي كبير زي أبوه.
وبالفعل، ذكاءه وموهبته خلوه يوصل بسرعة لمنصب حاكم إقليم ليجوريا وإميليا، وعاصمته كانت ميلان (Mediolanum). ميلان وقتها ماكانتش مجرد مدينة، دي كانت العاصمة الفعلية للإمبراطورية الرومانية الغربية، يعني الإمبراطور كان عايش فيها. أمبروسيوس كان الحاكم المدني للمدينة، مسؤول عن الأمن والنظام.
سنة 374، مات أسقف ميلان الأريوسي، أوكسنتيوس. المدينة كانت مقسومة نصين بين المسيحين والأريوسيين، وكان فيه خطر كبير تحصل فتنة وقت اختيار الأسقف الجديد. أمبروسيوس، بصفته الحاكم، راح الكنيسة عشان يهدي الناس ويمنع أي شغب. وهو واقف بيلقي كلمة، فجأة صوت طفل صغير طلع من وسط الزحمة وصرخ: "أمبروسيوس أسقفاً!" (Ambrosius episcopus!).
الصرخة دي كانت زي الشرارة. فجأة، كل الناس، مسيحين وأريوسيين، بدأوا يهتفوا باسمه وعايزينه هو يبقى الأسقف. المشكلة إن أمبروسيوس ماكانش رجل دين أصلا هو كان لسه "موعوظ" (catechumen)، يعني بيتعلم أصول المسيحية ولسه حتى ما اتعمدش. هو حاول يهرب ويرفض بكل الطرق، شايف إنه مش مؤهل للمنصب ده. لكن إصرار الناس والإمبراطور فالنتينيان الأول (Valentinian I) خلاه في الآخر يوافق. وفي خلال أسبوع واحد بس، أمبروسيوس اتعمد، وبعدها اترسم كاهن، وبعدها بقى أسقف ميلان.
أمبروسيوس أثبت إنه ماكانش اختيار عشوائي. هو وهب نفسه بالكامل للكنيسة. باع كل ممتلكاته ووزعها على الفقراء، وبدأ يدرس الكتاب المقدس واللاهوت بعمق شديد على إيد كهنة متخصصين. شخصيته القوية، تعليمه الراقي، وخلفيته السياسية، كل ده اداله كاريزما وهيبة ماكانتش عند أي أسقف تاني. بقى واحد من أهم آباء الكنيسة اللاتينية، وواعظ مفوه الناس بتيجي من كل حتة عشان تسمعه (القديس أغسطينوس نفسه اتحول للمسيحية بعد ما سمع عظات أمبروسيوس و بعدها الي ثبت ايمانه تعاليم القديس انطونيوس).
لكن أهم حاجة بتميز أمبروسيوس هي فكرته عن علاقة الكنيسة بالدولة. هو كان مؤمن إن "الإمبراطور جوه الكنيسة، مش فوق الكنيسة" (Imperator intra Ecclesiam, non supra Ecclesiam est). يعني الإمبراطور، زيه زي أي مسيحي، يخضع لسلطة الكنيسة الروحية والأخلاقية. لو الإمبراطور غلط، من واجب الأسقف إنه يواجهه ويخليه يتوب. الفكرة دي كانت ثورية جدا وقتها، وماكانش حد بيتجرأ يقولها، لكن أمبروسيوس ماكانش بيقولها بس، ده كان عايشها. وكان ليه مواقف قوية قبل كده مع أباطرة تانيين، زي الإمبراطورة الأم يوستينا الأريوسية، ورفض يسلمها كنيسة في ميلان. علاقته بثيودوسيوس كانت علاقة احترام متبادل، و اوقات صداقة، لكنها كانت برضه علاقة ندية. أمبروسيوس كان بيشوف نفسه مسؤول عن روح الإمبراطور قدام المسيح
============================
الفصل التاني : الشرارة الي أشعلت الحريق سائق عربات وسجين وقائد قوطي
نرجع بقى لمكان الأحداث : مدينة تسالونيكي (Thessalonica)، اللي هي سالونيك في اليونان دلوقتي. تسالونيكي في القرن الرابع كانت مدينة كبيرة ومهمة جدا. كانت عاصمة إقليم مقدونيا، وميناء رئيسي، وقاعدة عسكرية مهمة على طريق "فيا إجناتيا" (Via Egnatia) اللي بيربط روما بالقسطنطينية. المدينة كان فيها سكان كتير من أعراق مختلفة، وكان فيها كمان حامية عسكرية كبيرة، أغلبها من الجنود القوط اللي دخلوا الجيش الروماني بعد معاهدة 382.
الوجود القوطي ده كان مصدر توتر. الرومان العاديين كانوا بيبصوا للقوط دول كبرابرة، دمهم حامي، وعاداتهم غريبة، وكانوا بيحسوا إنهم محتلين بلدهم. خصوصا إن القادة العسكريين الكبار في المنطقة كانوا برضه قوط، وده كان بيزود إحساس السكان المحليين بالغربة والظلم.
قائد الحامية العسكرية في تسالونيكي سنة 390 كان راجل قوطي اسمه بوثيريك (Butheric). كان بيحمل رتبة "ماجيستر ميليتوم" (Magister Militum)، يعني القائد الأعلى للجيش في منطقة إليريكم كلها، وده منصب عسكري رفيع جدا. بوثيريك ده، زي ما المؤرخين بيوصفوه، كان راجل عسكري صارم وحازم، ومهمته كانت الحفاظ على النظام بالقوة لو لزم الأمر.
في قلب المدينة، كان فيه مكان هو محور حياة الناس ومصدر التسلية الأول والأخير : الهيبودروم (Hippodrome) أو ميدان سباق العجلات الحربية. السباقات دي ماكانتش مجرد رياضة، دي كانت زي الكورة دلوقتي وأكتر. الناس كانت متعصبة جداً للفرق (اللي كانت بتتميز بألوان زي الزرق والخضر)، والـ"عربجية" أو سواقين العجلات كانوا نجوم مجتمع، ليهم شعبية جارفة.
القصة، زي ما بيحكيها المؤرخ الكنسي سوزومين (Sozomen) بعد حوالي 50 سنة من الأحداث، بدأت بواقعة تبان تافهة. كان فيه "سائق عربات" مشهور جدا في تسالونيكي، الناس بتحبه بجنون. السائق ده، لسبب ما، اتقبض عليه بأمر من القائد بوثيريك. إيه السبب ؟ الروايات بتختلف، لكن أغلبها بيقول إن العربجي ده اتحرش جنسياً (أو حاول يغتصب) ساقي شاب جميل في حانة، أو حسب رواية تانية، حاول يتحرش بخادم شخصي لبوثيريك نفسه. في رواية تالتة أقل انتشاراً، إنه اتحرش ببوثيريك شخصياً. المهم إن التهمة كانت "ممارسة الجنس ضد الطبيعة"، ودي كانت جريمة عقوبتها الإعدام حسب القوانين اللي ثيودوسيوس نفسه كان أصدرها عشان ينشر الأخلاق المسيحية ضد الفساد الوثني المنتشر.
بوثيريك، كرجل عسكري منضبط بينفذ القانون، أمر بالقبض على السائق النجم ده وحبسه. الخبر انتشر في المدينة زي النار في الهشيم. قرب معاد السباق الكبير اللي جاي، والجمهور عايز يشوف النجم بتاعه. الناس اتجمعت وراحت تطالب بوثيريك إنه يفرج عن العربجي عشان يشارك في السباق. بوثيريك، رفض بازدراء لطلبات "الغوغاء" دول بحسب وصفه، رفض تماما.
هنا بقى انفجر الموقف. المطلب اللي بدأ كطلب رياضي، اتحول لانتفاضة شعبية. الغضب من رفض بوثيريك، اتخلط مع الكره القديم للقوط، والإحساس العام بالظلم. الجماهير الغاضبة، اللي كانت متجمعة عند الهيبودروم، هاجمت الحامية العسكرية. الروايات بتقول إنهم قتلوا بوثيريك نفسه، وسحلوا جثته في الشوارع، وقتلوا عدد من كبار ضباطه وموظفيه. كانت حالة من الفوضى العارمة، وثورة دموية ضد السلطة الرومانية اللي بيمثلها القوط.
============================
الفصل الثالث : غضب الإمبراطور و قرار المذبحة
الخبر وصل لميلان، مقر إقامة ثيودوسيوس. تخيل معايا الموقف : الإمبراطور، اللي بيشوف نفسه ظل الله على الأرض، واللي بيحاول يوحد الإمبراطورية تحت راية الدين والنظام، يوصله خبر إن شوية "رعاع بحسب وصفه" في مدينة من مدنه قتلوا القائد الأعلى للجيش بتاعه ومثلوا بجثته. دي ماكانتش مجرد جريمة قتل، دي كانت إهانة شخصية لسلطة الإمبراطور، وتمرد صريح على هيبة الدولة.
طبع ثيودوسيوس الناري انفجر. المؤرخ المهرطق ثيودوريتوس القورشي (Theodoret of Cyrus)، اللي كتب بعد فترة أطول شوية من سوزومين، بيوصف غضب الإمبراطور بأنه كان "زي غضب الأسد". العقل والمنطق طاروا، ومابقاش فيه مكان غير للرغبة في الانتقام. الانتقام مش من القتلة بس، لكن من المدينة كلها اللي سمحت بده يحصل.
هنا بييجي دور حاشية الإمبراطور. البلاط الإمبراطوري كان مليان بالوشايات والمؤامرات والمصالح المتضاربة. كان فيه مستشارين كتير حوالين ثيودوسيوس، وكل واحد بيحاول يوجه قراره لصالحه. المؤرخين بيذكروا بالاسم واحد من أهم وأخطر رجال البلاط وقتها، وهو روفينوس (Rufinus). روفينوس كان "قائد التشريفات" (Magister Officiorum) وبعدها بقى "البريفيكتوس البريتوري" (Praetorian Prefect) للشرق، يعني زي رئيس وزراء. كان راجل ذكي وطموح وقاسي، وكان ليه أعداء كتير في البلاط، زي القادة العسكريين الكبار تيماسيوس (Timasius) وبروموتوس (Promotus). فيه تحليل بيقول إن روفينوس وغيره من المستشارين المتشددين صبوا الزيت على نار غضب الإمبراطور، وشجعوه على رد فعل عنيف عشان يثبتوا هيبة السلطة، ويمكن كمان عشان يتخلصوا من أي تعاطف شعبي ممكن يشجع مدن تانية على التمرد.
في المقابل، كان فيه صوت تاني بيحاول يهدي الأمور. الصوت ده كان صوت أساقفة الكنيسة اللي موجودين في ميلان. المؤرخين بيركزوا طبعا على أمبروسيوس، لكن من المؤكد إن أساقفة تانيين حاولوا يتدخلوا. هما حاولوا يقنعوا الإمبراطور إن الغضب مش هو الحل، وإن المسيح بيعلمنا العفو والرحمة، وإن معاقبة مدينة كاملة بذنب شوية مجرمين ده ضد العدل الإلهي.
و حصل فعلا إن محاولاتهم نجحت في الأول. ثيودوريت بيحكي إن الإمبراطور هدي شوية، واقتنع بكلام الأساقفة، وقرر يلغي أمر الانتقام اللي كان في دماغه، ويأمر بتحقيق عادي عشان يوصلوا للمجرمين الحقيقيين ويتعاقبوا.
لكن هنا بتحصل التغير. المستشارين المتشددين، وعلى رأسهم روفينوس، ماعجبهمش الكلام ده. رجعوا تاني للإمبراطور، وقالوا له إن التراجع ده هيبينك ضعيف، وإن المدن التانية هتستغل ده وتعمل شغب هي كمان. فضلوا يزنوا على دماغه لحد ما أقنعوه إن قراره الأول بالانتقام هو اللي كان صح. وبحسب رواية ثيودوريت، الإمبراطور في لحظة غضب جديدة، وقّع على الأمر. أمر بانتقام دموي ووحشي من مدينة تسالونيكي.
الأمر الإمبراطوري كان خبيث جداً في تنفيذه. السلطات في تسالونيكي أعلنت عن إقامة سباق عجلات جديد في الهيبودروم كعربون صلح ومسامحة من الإمبراطور. الناس، اللي كانت قلقانة من رد فعل الإمبراطور، فرحت جداً بالخبر ده، واعتبروه علامة على إن الأزمة عدت. في اليوم الموعود، أهالي تسالونيكي راحوا بالآلاف وملوا مدرجات الهيبودروم، كانوا جايين يتفرجوا على سباق، ماكانوش يعرفوا إنهم جايين يتفرجوا على موتهم.
لما المدرجات اتملت بالرجالة والستات والأطفال، الأبواب اتقفلت فجأة. والجنود القوط، اللي كانوا مستخبيين ومستعدين، نزلوا على الناس العزل دول بالسيوف. كانت مجزرة بكل معنى الكلمة. لمدة تلات ساعات، الجنود كانوا بيقتلوا أي حد قدامهم من غير تفرقة. الصريخ والعويل ملى المكان. الناس اللي كانت جاية تهتف للرياضة، بقت بتصرخ من الألم والخوف. المصادر التاريخية بتختلف في عدد الضحايا، لكن الأرقام بتتكلم عن 7000 قتيل على الأقل، وفيه مصادر بتوصل الرقم لـ 15000. رقم مرعب، خصوصا إن الضحايا كانوا مواطنين رومان عزل، اتقتلوا غدراً بأمر من إمبراطورهم.
============================
الفصل الرابع : المواجهة و الحرم :
خبر المذبحة وصل ميلان، ووقع على أمبروسيوس زي الصاعقة. الأسقف اللي كان بيحاول يمنع الكارثة، اكتشف إن الإمبراطور خدعه (أو تراجع عن وعده)، وارتكب جريمة بشعة. أمبروسيوس هنا اتحط في اختبار صعب جداً: هل هيسكت ويحافظ على علاقته الكويسة بالإمبراطور القوي؟ ولا هينفذ مبادئه ويواجه الإمبراطور بجريمته، مهما كانت العواقب؟
أمبروسيوس اختار الاختيار التاني. بس عمل ده بحكمة سياسية وروحية كبيرة. هو ما راحش يواجه الإمبراطور في قصره على طول. هو الأول انسحب من المدينة، وراح على مكان بعيد شوية، عشان ما يقابلش الإمبراطور وجهاً لوجه وهو لسه مصدوم وغضبان. ومن عزلته دي، كتب رسالة لثيودوسيوس. الرسالة دي، المعروفة في التاريخ بـ "الرسالة رقم 51" (Epistola 51)، هي واحدة من أهم الوثائق في تاريخ العلاقة بين الكنيسة والدولة، وهي المصدر الأساسي والأكثر موثوقية لفهم موقف أمبروسيوس.
نص الرسالة : كلمات من حديد :
الرسالة دي مش مجرد عتاب، دي إعلان موقف صارم وحاسم. أمبروسيوس بيبدأ الرسالة بلغة دبلوماسية، وبيفكر الإمبراطور بصداقتهم القديمة، لكنه بيدخل في الموضوع على طول. بيقوله إنه سمع باللي حصل في تسالونيكي، وإنه "مافيش حد نفاه، بل بالعكس محدش قدر يقلل من بشاعته". وبعدين بيقوله الكلام اللي نزل على ثيودوسيوس زي الصخرة :
"ما أكتبه هذا لا أكتبه لإهانتك، بل لمنفعتك... إن ما حدث في تسالونيكي هو فعل لم يسبق له مثيل في الذاكرة... وهو فعل، يا سيدي الإمبراطور، لم أستطع التخفيف من حدته. وعندما أُعلن في مجلس الأساقفة، لم يكن هناك من ينظر إليه بتساهل... لا أجرؤ على تقديم القربان (القداس) إذا كنت أنت تنوي الحضور. فهل يكون ما لا يُسمح به بعد سفك دم إنسان واحد، مسموحاً به بعد سفك دماء الكثيرين؟ لا أعتقد ذلك."
هنا أمبروسيوس بيحط الإمبراطور قدام مسؤوليته. هو بيقوله بوضوح : إيدك ملطخة بالدم، ودم الأبرياء بيصرخ لربنا. وأنا، ككاهن لله، مقدرش أسمح لك تشارك في الأسرار المقدسة وأنت في الحالة دي. ده مش قراري أنا، ده قرار ربنا. هو بيفكره بقصة النبي داود لما زنى مع بثشبع وقتل زوجها أوريا الحثي، وإزاي النبي ناثان واجهه بخطيئته. بيقوله :
"أنا كتبتلك اللي لازم أقوله. داود الملك أخطأ، وتاب. افعل أنت أيضاً ما فعله هو" قال نصا :
"الخطيئة لا تُمحى إلا بالدموع والتوبة. لا الملائكة ولا رؤساء الملائكة يقدرون أن يغفروها. الرب نفسه، الذي وحده يستطيع أن يقول "أنا معكم"، هو الذي يغفر لنا، ولكن فقط لمن يتوبون."
الرسالة دي بتورينا قوة أمبروسيوس. هو مش بيهدد الإمبراطور بالسلاح أو بالثورة. هو بيستخدم أقوى سلاح عنده : السلطة الروحية. هو بيعلن "الحرمان الكنسي" (Excommunication) على الإمبراطور. يعني بيمنعه من دخول الكنيسة ومن التناول. في عصر الإيمان زي ده، ده كان عقاب نفسي وروحي رهيب. الإمبراطور، سيد العالم، بقى منبوذ من بيت ربنا.
=====================
رد فعل ثيودوسيوس :
ثيودوسيوس لما قرا الرسالة، فهم حجم المأزق اللي هو فيه. هو كان راجل مؤمن بجد، وفكرة إنه بقى عدو لله دي كانت بتعذبه. حاول يتجاهل الموضوع في الأول. لكن لما جه يوم الأحد وراح يدخل الكنيسة الكبيرة في ميلان، حصلت المواجهة اللي التاريخ كله بيحكي عنها.
ثيودوريت بيوصف المشهد بالتفصيل و بيقول : إن أمبروسيوس وقف بنفسه على باب الكنيسة ومنع الإمبراطور من الدخول. وقال له كلام مباشر وقاسي :
"قف مكانك! لا تحاول أن تدخل هنا، أيها الرجل الملطخة يداه بالدم البريء. لا تزد خطيئتك الأولى بخطيئة ثانية، وتقبل هذا القيد الذي يفرضه عليك الله، قاضي الجميع. فهذا القيد هو دواء لشفائك."
الإمبراطور حاول يدافع عن نفسه، وقال : "ما هو داود الملك قتل وزنى، وربنا سامحه". رد عليه أمبروسيوس الرد الشهير: "لقد قلدته في خطيئته، فقلّده في توبته" (Quem in peccando sequebaris, in paenitendo sequere).
ثيودوسيوس، اللي كان متعود إن كل الناس تخاف منه وتنحني له، لقى نفسه قدام راجل مش خايف منه، وبيكلمه باسم سلطة أعلى، سلطة ربنا. الإمبراطور العظيم انهار. رجع قصره وهو حزين. المؤرخين بيقولوا إنه قضى 8 شهور كاملة في حالة حداد وتوبة. كان لابس لبس التائبين الخشن (الخيش)، وقاعد في قصره ندمان على اللي عمله.
خلال الشهور دي، مستشاره روفينوس، اللي كان من ضمن اللي شجعوه على المذبحة، حاول يتدخل. راح لأمبروسيوس عشان يتوسط للإمبراطور. أمبروسيوس طرده وقاله كلام مهين، بحسب الروايات، وقاله "وقاحتك زي وقاحة الكلاب".
============================
الفصل الخامس : التوبة و الإمبراطور يبكي على الأرض
بعد 8 شهور، ومع اقتراب عيد الميلاد سنة 390، ثيودوسيوس ماقدرش يستحمل أكتر. فكرة إنه هيحتفل بميلاد المسيح وهو محروم من الكنيسة كانت فوق طاقته. بعت لروفينوس تاني، وقاله يروح لأمبروسيوس ويترجاه يسمح له بالدخول.
أمبروسيوس، بعد ما حس إن توبة الإمبراطور حقيقية وصادقة، وافق، لكن بشرط. الشرط ده بيبين قد إيه أمبروسيوس كان كمان سياسي محنك. قاله مش هرفع عنك الحرمان إلا لما تصدر قانون جديد يمنع تكرار المذبحة دي في المستقبل. القانون ده بيقول إن أي حكم بالإعدام أو بمصادرة الأملاك يصدره الإمبراطور، لازم يتأجل تنفيذه لمدة 30 يوم بعد صدوره. الفترة دي بتدي فرصة للإمبراطور إنه يراجع نفسه لو كان أخد القرار وهو غضبان، وبتدي فرصة للمظلومين إنهم يدافعوا عن نفسهم. ثيودوسيوس وافق علي طول وأصدر القانون.
في يوم عيد الميلاد، راح ثيودوسيوس الكنيسة. لكنه ما دخلش كإمبراطور. دخل كـ"تائب". قلع كل ملابسه الإمبراطورية الفاخرة، ولبس لبس التوبة البسيط. وبحسب رواية أمبروسيوس نفسه في عظة ألقاها بعد وفاة ثيودوسيوس، الإمبراطور دخل الكنيسة وهو بيعيط بصوت عالي، ورمى نفسه على الأرض قدام كل الناس، وكان بيخبط راسه في الأرض وبيشد في شعره، وبيكرر كلمات المزمور : "لَصِقَتْ بِالتُّرَابِ نَفْسِي، فَأَحْيِنِي حَسَبَ كَلِمَتِكَ" (مزمور 119: 25).
كان مشهد مهيب ومؤثر. إمبراطور روما، أقوى رجل في العالم، ساجد على الأرض بيبكي وبيطلب المغفرة قدام شعبه كله. أمبروسيوس وقتها بس سامح له، وسمح له يقوم ويشارك في الصلاة ويتناول من الأسرار المقدسة.
============================
القصة دي وصلتلنا بشكل أساسي من خلال المؤرخين المسيحيين الكنسيين. أهمهم :
سوزومين و روفينوس الأكويلاني و المهرطق ثيودوريتوس أسقف كورش و القديس امبروسيوس نفسه في رسالته رقم 51 و في عظته بعد وفاة ثيودوسيوس
الغريب بقى هو صمت المؤرخين الوثنيين عن الحادثة. أهم مؤرخ في الفترة دي هو زوسيموس (Zosimus)، اللي كان بيكره ثيودوسيوس جدا وبيحمله مسؤولية انهيار الإمبراطورية بسبب سياسته الدينية والعسكرية. الغريب إن زوسيموس، اللي كان بيدور على أي غلطة لثيودوسيوس، ما ذكرش مذبحة تسالونيكي خالص. ليه ؟ المؤرخين المعاصرين عندهم نظريات مختلفة. ممكن يكون شايف إن قتل شوية مواطنين في مدينة متمردة ده شيء طبيعي من وجهة نظر الدولة الرومانية التقليدية وما يستاهلش الذكر. وممكن يكون تجاهل القصة كلها عشان ما يديش للكنيسة وأمبروسيوس أي فضل أو سلطة أخلاقية على الإمبراطور. صمته ده في حد ذاته دليل على قد إيه القصة دي كانت بتخدم التأريخ المسيحي عن انتصار الإيمان على السلطة الزمنية.
============================
مراجع المقالة :
(1) Ambrose. Letters. Translated by Mary Melchior Beyenka. The Fathers of the Church, vol. 26. Washington, D.C.: The Catholic University of America Press, 1954. (Letter 51 can be found in this volume).
(2) Theodoret. The Ecclesiastical History. Translated by Blomfield Jackson. In A Select Library of Nicene and Post-Nicene Fathers of the Christian Church, Second Series, Vol. 3, edited by Philip Schaff and Henry Wace. Oxford: Parker, 1892. (Reprinted by Hendrickson Publishers).Book 5, Chapter 17.
(3) Sozomen. The Ecclesiastical History. Translated by Edward Walford. In A Select Library of Nicene and Post-Nicene Fathers of the Christian Church, Second Series, Vol. 2, edited by Philip Schaff and Henry Wace. New York: Christian Literature Publishing Co., 1890.Book 7, Chapter 25.
(4) Rufinus. The Church History of Rufinus of Aquileia, Books 10 and 11. Translated by Philip R. Amidon. New York: Oxford University Press, 1997.Book 11, Chapter 18.
(5) Williams, Stephen, and Gerard Friell. Theodosius: The Empire at Bay. New Haven, CT: Yale University Press, 1995.Chapter 8: "Massacre and Penance
(6) Lippold, Adolf. "Theodosius I., römischer Kaiser." In Reallexikon für Antike und Christentum, vol. 12, edited by Theodor Klauser, 1047-1065. Stuttgart: Hiersemann, 1983.
(7) Cameron, Alan. "The 'Sack of Thessalonica'." The Journal of Roman Studies 80 (1990): 164-166.

اكتب رأيك في هذه المقالة