تعزية ماريعقوب السروجي لأهل مدينة امد
#تاريخ_كنسيمن ميمرات القديس يعقوب السروجي عن الشهداء المسيحين في مدينة أمد.
قبل ما نعرض الميمرات لازم نعرف الخلفية التاريخية للي حصل .
================================
زمان على الحدود بين تركيا وسوريا والعراق دلوقتي، المنطقة دي كانت ساحة خناق عالمي بين قوتين كبار : الإمبراطورية الرومانية البيزنطية المسيحية، والإمبراطورية الفارسية الساسانية اللي كانت ديانتها الزرادشتية.
المسيحيين اللي كانوا عايشين جوه الدولة الفارسية أو على حدودها زي مدينة الرها وآمد، كانوا دايما في موضع شك عند الفرس. ليه ؟ عشان إمبراطور بيزنطة أنستاسيوس الأول في القسطنطينية كان مسيحي زيهم. فالفرس كانوا شايفينهم ولاؤهم مش لبلدهم لكن لعدوهم.
زود على كده إن الكهنة الزرادشتيين، اللي كانوا بيتقال عليهم "المجوس"، كانوا متعصبين جدًا، شايفين إن المسيحية دي ديانة دخيلة على أرضهم ولازم تتشال من جذورها. يعني الوضع كله كان زي قنبلة موقوتة مستنية بس شرارة سياسة عشان تنفجر.
وده اللي حصل فعلًا في بداية القرن السادس، حوالي سنة 502 م، الملك الفارسي "قُباذ الأول" شن حرب ضخمة على الروم، وقرر يضربهم في أهم مدنهم على الحدود: مدينة "آمد" (ديار بكر دلوقتي).
آمد دي كانت مدينة مسيحية كبيرة جدًا ومتحصنة. الفرس حاصروها شهور طويلة، ولما دخلوها عملوا مجازر بشعة تتقال عليها "إبادة جماعية". قتلوا عشرات الآلاف، والباقيين سبوهم وباعوهم عبيد. الكنايس اتحرقت والمدينة بقت خرابة.
نفس المصير كان ممكن يحصل لمدينة الرها، اللي كانت مركز الروحانية السريانية، لكن أهلها دافعوا بشراسة وقدروا يصدوا الفرس بعد حصار طويل.
الأخبار دي لما وصلت لباقي المدن المسيحية كانت زي صدمة كهربا، عملت رعب وحزن، وفي نفس الوقت ولّعت الإيمان أكتر في قلوب الناس.
الأخبار ما كانتش مجرد كلام، كانت زي دخان طالع من حريق جوا أسوار آمد. مش كلمات، لكن أنين، وصرخات لابسة هدوم اللاجئين اللي هربوا. وصلوا لمدن زي الرها وسروج بعيون فاضية ورجلين متورمة، كل اللي شايلينه معاهم صورة الموت.
الناس في سروج شافوا جيرانهم القدامى اللي كانوا أغنيا وأصحاب كرامة، دلوقتي بقوا تراب ورماد، بيحكوا عن جيش فارسي ما بيرحمش، عن سيوف لمعت جوه الكنائس في الضلمة، عن نهر دجلة اللي جرى دم أيام وليالي، عن أطفال اتسحبوا من حضن أمهاتهم عشان يتباعوا في أسواق العبيد.
ما كانش في جرائد ولا إذاعات، القصة كانت بتتنقل زي جمرة مولعة من فم لأذن في الشوارع، في الأسواق، وفي الكنايس اللي مليانة بالناس المذعورين.
وفي وسط البحر ده من الألم والخوف، كان فيه راجل اسمه يعقوب السروجي، أسقف وشاعر. يعقوب شاف اللي محدش غيره شافه. ما شافش اللاجئين مجرد ناس بائسين، لكن شافهم أيقونات حية للمسيح المتألم. ما سمعش بس قصص موت، لكن سمع تراتيل شهداء رايحين بإيمان لسيوف جلاديهم.
يعقوب استقبل الأخبار دي مش كسياسي بيحسب خسارة ومكسب، لكن كأب روحي بيجمع شعبه الممزق. وقف في كنيسته، صوته ما كانش بيرتعش من الخوف، بالعكس، كان صوته بيرج بالإيمان. قعد يكتب ويكتب، مش تاريخ، لكن لاهوت شعري. حول المأساة لميمر عظيم، لقصيدة تعزية وبطولة. حول صرخات الضحايا لنشيد نصر أبدي.
ما قعدش يلعن الظلام، لكن ولّع شمعة رجاء. بقى يقول للناس: بصّوا على إخواتكم في آمد، ما ماتوش، دول اتولدوا في السما. ما انهزموش، دول انتصروا، لأنهم مسكوا في المسيح لآخر نفس.
النار اللي حرقوا بيها أجسادهم اتحولت لنور إلهي فتحلهم الطريق للملكوت. سيوف الفرس بقت مفاتيح الفردوس.
الناس كانوا بيسمعوا كلامه مش كعظة وخلاص، لكن كبلسم بيتحط على جروحهم. كانوا شايفين في شعره لغة يفهموا بيها مصيبتهم، وعدسة يشوفوا بيها إيد ربنا حتى في قلب المذبحة.
يعقوب والمؤمنين استقبلوا أخبار الموت بالدموع آه، بس كمان بالتراتيل. حولوا المقابر لمذابح مقدسة، وشافوا في دم الشهداء بذور لإيمان أعمق وأقوى.
الهزيمة ما كانتش هزيمة، كانت شهادة هزّت العالم وأثبتت إن في قوة ما فيش سيف يقطعها ولا نار تحرقها : قوة الإيمان اللي بيحوّل أبشع الجرائم لأعظم انتصار روحي.
================================
هنا نيجي لميمراته العظيمة و المؤثرة في نفس الوقت :
في رثاء مدينة امد المنكوبة :
يا ليت يوسف النجار كان قد رآكِ، يا آمد، عندما كنتِ تُهدمين، لكان قد صنع لكِ تابوتاً من خشب لا يسوس.
لقد بُنيتِ على أساس متين، ومن كان يظن أن أسواركِ ستهوي؟
أيتها العذراء التي كانت مزينة بالحُلي، كيف نُزع عنكِ بهاؤكِ وجُلّلتِ بالرماد؟
لقد صمتتْ فيكِ أصوات التراتيل، وعلا في شوارعكِ صوت النحيب.
الموت يجول فيكِ كالحاصد، ويجمع الرجال والنساء والأطفال كأكداس الحنطة."
=======
في حواره اللاهوتي مع الله عن سبب الكارثة :
رباه، لقد تركتَ كرمك يُنهب بأيدي الغرباء، فاجتاحوه ومزّقوا سياجه.
إن كانت خطايانا هي السبب، فإننا نعترف بها أمامك. لقد عظمت آثامنا فاستحقت هذا التأديب.
ولكن، أين هي مراحمك التي عُرفت بها منذ الأزل؟ هل ستغلقها دوننا إلى الأبد؟
لقد ضربتَ، ولكننا نطلب منك أن تشفي. لقد جرحتَ، ويدك وحدها تقدر أن تُجبّر.
عد إلينا بنعمتك، وأعد بناء ما تهدم، لأننا لا نعرف رباً سواك نلتجئ إليه في ضيقتنا."
==============
استشهاده بالاجداد الشهداء في الرها
القديس يعقوب ذكر في تعزيته لشعبه و للناجين في مدينة الرها ٣ قديسين بالاسم في كلامه عن شهداء الرها القدماء و هم (شمعون و جوريا و حبيب) لكنه ذكر قبل قصة الشهيد حبيب الي احرق بالحيا، سبقه بطلان هم شمعون وجوريا، اللي تحملوا انواع عظيمة من العذاب الجسدي. ده وصف القديس يعقوب في ميمره عنهم و هو بيعزي المؤمنين بقصتهم الي استشهدوا عصر الاضطهاد الوثني للامبراطور دقلديانوس بعدها الامبراطور ليسينيوس هو بيفكرهم و يعزيهم بانهم لازم يتحلوا بايمان اجدادهم :
في وصف حوارهما وثباتهما أمام الحاكم :
مقطع يصف ثباتهما أمام الحاكم موسيونيوس :
"وقف الاثنان أمام الديوان، وكانا كمن يرتديان المجد لا الخوف.
قال لهما الحاكم: 'لماذا تعصيان أمر الملك وتهينان الآلهة؟'
أجابه البطلان: 'لدينا ملك لا يموت في السماء، وأمره يفوق أمر ملكك الفاني. لن نسجد إلا للإله الذي خلق السماء والأرض.'
قال الحاكم: 'سأُذيقكما عذابات لم يسمع بها أحد من قبل.'
أجابا: 'إن الجسد الذي تهدده هو تراب زائل، أما نفوسنا فهي للمسيح. افعل بجسدنا ما تشاء، فهو لك. أما نفوسنا، فلن تقدر أن تلمسها.'"
======
مقطع يصف عذابهما :
"عُلّقا على الخشبة، ومُزّقت أجسادهما بالمماخض (أمشاط حديدية).
كل جرحٍ كان يُفتح في جسديهما، كان فماً جديداً يسبّح المسيح.
عندما أُلقيا في الحفرة المظلمة، لم تكن ظلمة بالنسبة لهما، لأن نور المسيح كان يشرق في قلبيهما.
ضاقت بهما الأرض، لكن السماء كانت تتسع لهما. كان السجان يحرس أجسادهما، بينما كانت الملائكة تحيط بأرواحهما.
==========
وصف ثبات الشهيد حبيب :
البطل الذي اشتاق إلى إكليله، أسرع نحو النار كما يسرع العريس إلى حجلته (خدره).
لم ينظر إلى اللهيب بعين الخوف، بل بعين الإيمان التي رأت المسيح ينتظره.
مد قدميه إلى الجمر المتقد، وكأنه يدخل إلى مياه المعمودية المقدسة.
النار التي التهمت جسده، لم تقدر أن تلمس محبته التي كانت أشد اتقاداً.
وقف في وسط الأتون، ليس كضحية تُحرق، بل ككاهنٍ يقدّم ذاته ذبيحة طاهرة على مذبح سماوي."
===========
حواره عن والدة الشهيد حبيب :
جاءت أمه، لا لتنوح عليه، بل لتزفه إلى عرسه الأبدي.
كانت تشجعه قائلة: 'اصبر يا ابني، فساعة الألم هذه قصيرة، والمجد الذي ينتظرك أبدي.'
لم تكن ترى النار التي تحرقه، بل الإكليل الذي يُوضع على رأسه.
لقد قدّمت ابنها قرباناً حياً، عالمةً بأنها لم تفقده، بل .أودعته في يد الملك السماوي الأمين."
================================
في الآخر بيمجد و يمدح شهداء الرها و هو بيعزي شعبه و بيعزي الناجين من مذبحة امد :
النص بالسرياني :
ܒܰܡܘܽܬܟ݂ܘܽܢ ܝܰܥܠܽܘܒ݂ܶܐ ܐܶܬܥܰܬܪܰܬ ܐܽܘܪܗܳܝ. ܕܰܒܟ݂ܠܺܝܠܰܝܟ݁ܘܽܢ ܘܰܒܚܰܫܰܝܟ݁ܘܽܢ ܨܰܒܶܬܬܽܘܽܗ̇.
ܗܘܰܝܬ݁ܘ݂ܢ ܠܰܢ ܫܽܘܪ̈ܶܐ ܠܡܰܕܝܢ݈ܬ݁ܰܢ. ܘܰܐܝܟ݂ ܒ݁ܶܝܬ݂ ܓܰܘܣܳܐ ܢܶܥܪܽܘܩ ܠܘܳܬܟ݂ܽܘܢ."
ترجمة النص بالعربي :
"بموتكم أيها المباركون، اغتنت الرها، لأنكم بأكاليلكم وآلامكم زينتموها.
لقد صرتم لنا أسواراً لمدينتنا، وكمَلجأٍ نهرب إليكم."
================================
مراجع الميمرات :
(1) Harvey, Susan Ashbrook. "The Martyr's Voice: Jacob of Serug on Habib the Martyr." Journal of Early Christian Studies 1, no. 1 (1993): pp. 39-55.
(2) Jacob of Serugh, "Homily on Habib the Martyr," in Homiliae Selectae Mar-Jacobi Sarugensis, ed. Paul Bedjan, vol. 6 (Paris: Imprimerie Nationale, 1910).
(3) Jacob of Serugh, "Homily on Shamona and Guria" in Homiliae Selectae Mar-Jacobi Sarugensis, ed. Paul Bedjan, vol. 6 (Paris: Imprimerie Nationale, 1910).

اكتب رأيك في هذه المقالة