القديس مارفلكسينوس المنبجي


 أسد السريان اللي مات مخنوق عشان الإيمان

​ حكايات قديسينا اللي بجد، اللي حياتهم كانت ملحمة من الإيمان والتعب والحب لربنا. حكايتنا النهاردة عن بطل من أبطال الكنيسة السريانية الأرثوذكسية، أسد دافع عن الإيمان المستقيم بكل قوته، لدرجة إنه دفع حياته تمن لكلمة الحق. هنتكلم عن القديس العظيم مارفلكسينوس المنبجي.

=========================

الفصل الأول : غريب بس مش غريب (الميلاد والنشأة)

​الحكاية بتبدأ في نص القرن الخامس الميلادي، في حتة اسمها "تحل" في بلاد فارس . في الوقت ده، كان فيه اضطهاد كبير على المسيحيين هناك من الملك الفارسي يزدجرد التاني والكهنة الزرادشتيين. وسط النار دي، اتولدت عيلة مسيحية تقية، خلفت ولد سموه "أخسنويو". الاسم ده بالسرياني معناه "الغريب"، وكأنهم كانوا حاسين إن ابنهم ده هيعيش حياته غريب عن الدنيا وشرورها، وعينه على السما وبس

عشان يهربوا من الاضطهاد ده، خدت العيلة بعضها وهاجرت لشمال ما بين النهرين، واستقروا في قرية جنب "طورعبدين"، الجبل المقدس للسريان. وهناك، في دير قرتمين العظيم، اتربى الطفل "أخسنويو". في الدير ده شرب من ينابيع المعرفة والإيمان. درس علوم الدين واللغة السريانية واليونانية على إيدين رهبان قديسين. 

الولد ده كان فيه حاجة مختلفة، ذكاءه كان لامع، وحبه للعلم والإيمان كان مالي قلبه. عشان كده، كمل رحلته العلمية وراح مدرسة الرها، اللي كانت منارة للعلم في الوقت ده. هناك تعمق أكتر في الفلسفة واللاهوت. بس للأسف، كانت المدرسة دي بدأت تتأثر بأفكار نسطور اللي بتفصل بين طبيعتين المسيح، وده كان زي الشوك في قلب "أخسنويو" اللي كان مؤمن بأن طبيعة السيد المسيح واحدة زي ما علم و قال الاباء (طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة).

بعدها راح دير "تلعدا" في أنطاكية، وهناك بقى اتمكن من السريانية واليونانية أكتر، وترهبن واترسّم كاهن. الاسم اللي اتسمى بيه لما اترسم أسقف بعد كده، "فيلوكسينوس"، كان اسم يوناني معناه "محب الغربة". وكأن ربنا كان بيأكد على الاسم اللي اتولد بيه، هو "غريب" و"محب للغرباء"، غريب عن العالم ومحب لأولاد ربنا الغرباء في الدنيا دي

=========================

الفصل الثاني : سيف الحق (كهنوته وأسقفيته)

​في الوقت ده، الكنيسة كانت بتموج بصراعات لاهوتية كبيرة جداً، خصوصاً بعد "مجمع خلقيدونية" سنة 451م، اللي سبب انقسام كبير في الكنيسة. القديس فيلوكسينوس، بغيرته المتقدة وإيمانه المستقيم، مقدرش يسكت. بدأ يكتب ويهاجم بقوة تعاليم نسطور وتعاليم مجمع خلقيدونية اللي بتتكلم عن طبيعتين للمسيح بعد الاتحاد. بالنسبة له و لكل اصحاب التعليم الامين، ده كان تشويه لصورة المسيح الواحد، الإله المتجسد.

كتاباته كانت زي السيف، قوية وبليغة وحاسمة. كان عنده قدرة عجيبة على استخدام اللغة السريانية ببراعة، وكلامه كان بيدخل القلوب والعقول. عشان كده، السلطات الكنسية الخلقيدونية في أنطاكية طردته. لكن ربنا كان ليه ترتيب تاني.

سنة 485م، حصل تغيير سياسي، والإمبراطور زينون كان بيميل أكتر للجانب اللاخلقيدوني. البطريرك بطرس القصار، بطريرك أنطاكية، شاف في الكاهن الشجاع ده أسد يقدر يحمي الإيمان. فرسمه أسقف على مدينة "منبج" (أو هيرابوليس)، ومن هنا اتعرف باسم "فيلوكسينوس المنبجي". 

ده جزء خطابه للامبراطور زينون عن ايمان كنائس المسيح الميافيزية الامينة :

أنني أحرم نسطور المنافق، وتعليمه الذي يميز طبيعتين وأقنومين في المسيح الواحد، وينسب العجائب إلى الله والآلام إلى الإنسان، وينكر جهرًا سياسة الكلمة (الخلاصية) الذي تأنس.

أحرم إلى جانب هذا، أوطيخا أيضًا المبتدع ورأيه، ذاك الذي ينكر التجسد الحقيقي الذي صار للإله من العذراء، ويعتبر سر تجسده خيالًا.

وفيما أنني أحرم هذه التعاليم، أقبل الأسفار القدسية، وأسلك وفقًا لتقليد الآباء الذين تسلمت منهم الإيمان الحق الرسولي، الذي بواسطته استحققت الحياة والحرية والتبني مع جميع المعمدين.

=========================

من أول يوم ليه كأسقف، وهو حط على عاتقه مهمتين: الأولى، تعليم الشعب وتثبيتهم في الإيمان الأرثوذكسي السليم. والتانية، محاربة كل البدع والهرطقات اللي بتحاول تتسلل للكنيسة. كان بيجول في إيبارشيته، بيعلم، وبيعظ، وبيكتب رسايل ومنشورات لاهوتية عميقة جداً. كان أب لشعبه، ومحارب شرس ضد أعداء الإيمان. وهو اللي شجع البطريرك ساويرس الانطاكي يعمل مجمع في أنطاكية عشان يثبتوا الإيمان القويم

=========================

الفصل الثالث : في وش العاصفة (الاضطهاد والنفي)

​الأيام الحلوة مبتدومش. الإمبراطور أنسطاسيوس الاول اللي كان بيحمي الإيمان اللاخلقيدوني مات، وجه بعده الإمبراطور يوستين الأول سنة 518م. الإمبراطور الجديد ده كان خلقيدوني متعصب، ومن أول يوم ليه وهو حاطط في دماغه إنه يقضي على كل الأساقفة اللي مش بيعترفوا بمجمع خلقيدونية.

​وكان على رأس القائمة دي مين؟ طبعاً، أسد منبج، مارفلكسينوس، وصاحبه في الجهاد، القديس ساويرس الأنطاكي. بدأ الإمبراطور يصدر أوامر بنفي كل الأساقفة دول. وبالفعل، اتحكم على مارفلكسينوس بالنفي. اتجرد من كرسيه، واترمى في طريق طويل من العذاب والتعب.

تخيلوا معايا المشهد، أسقف عظيم، عالم جليل، محبوب من شعبه، فجأة يلاقي نفسه مطرود وشريد. اتنفى الأول لحتة اسمها "فيليبوبوليس" في تراقيا (بلغاريا حالياً)، وبعدين اتنقل لحتة تانية اسمها "غانغرا". في المنفى، العذاب كان ألوان. برد قارس، وجوع، وإهانات من الحراس ومن الخلقيدونيين اللي كانوا مسيطرين على الأماكن دي.

لكن هل الأسد بيستسلم؟ أبداً. المنفى متحولش لسجن، لكن اتحول لمنارة. مارفلكسينوس مسكتش، فضل يكتب رسايل لشعبه وللرهبان وللأساقفة اللي زيه، يثبتهم ويشجعهم. كانت رسايله من المنفى من أروع ما كتب، مليانة بالتعزية والقوة والإيمان. كان بيقولهم: "الراهب اللي بيخاف من السلطان وبيسكت عن الحق، ده ميعرفش المسيح. الراهب اللي النعمة بتفتقده وبيسكت عن الإيمان، بقه هيتسد في اليوم الأخير". 

كان بيشبه الكنيسة اللي بتتألم بالسفينة اللي في نص البحر والعواصف بتضربها من كل ناحية، لكن ربانها هو المسيح، وعمرها ما هتغرق. كان بيعلمهم إن الألم والاضطهاد ده شركة مع آلام المسيح، وهو ده اللي بيمتحن الإيمان الحقيقي.

=========================

الفصل الرابع: النفس الأخير : شهادة حق (الاستشهاد)

​أعداء الإيمان مشبعوش من نفيه وتعذيبه. شافوا إن وجوده حي، حتى لو في المنفى، خطر عليهم. فكره لسه بينتشر، وكلامه لسه بيوصل وبيثبت المؤمنين. عشان كده، قرروا يخلصوا منه نهائياً.

​ حبسوه في أوضة ضيقة، ومكنش فيها أي منفذ للهوا. وبعدين ولعوا تحتها دخان كتير جداً. فضل الدخان يدخل الأوضة، ومارفلكسينوس محبوس جواها. بدأ الهوا يقل، والنفس بقى صعب. لكن وسط الخنقة دي، كانت روحه بتتنفس السما.

تخيلوا معايا آخر لحظاته. وهو بيستنشق آخر أنفاسه ممزوجة بالدخان، كانت عينه على المسيح اللي اتألم علشانه. كانت شفايفه بتصلي، وقلبه بيسبح. مسلمش إيمانه، مفاوضش على كلمة الحق. فضل ثابت زي الجبل، لحد ما روحه الطاهرة طلعت للسما في يوم 10 ديسمبر سنة 523م. مات مخنوق بالدخان، لكنه اتولد في حضن المسيح شهيد عظيم.

=========================

إرث مارفلكسينوس : كلام من نور

​مارفلكسينوس مسبش لينا بس قصة جهاد واستشهاد، لكنه ساب كنز من الكتابات اللاهوتية والروحية العميقة جداً. من أهم كتاباته :

​"طريق الكمال" : وده كتاب عظيم عن الحياة الروحية والجهاد ضد الخطية.

​"الرسائل العقائدية" : ودي مجموعة رسايل بتشرح الإيمان المستقيم وبتفند هرطقات النساطرة والخلقيدونيين.

​"ميامر" (عظات) : عن مواضيع روحية كتير زي الإيمان، والبساطة، ومخافة ربنا، والحياة الرهبانية.

​كتاباته دي لحد النهاردة بتعتبر من أهم مصادر اللاهوت السرياني، وبتتميز بالعمق والبلاغة والروحانية العالية. هو مش مجرد عالم لاهوتي، لكنه كان أب روحي اختبر الكلام اللي كتبه وعاشه

=========================

مراجع :

كتاب "الأحاجي في جهاد القديس مار فيلوكسينوس المنبجي" للبطريرك مار إغناطيوس يعقوب الثالث.

​محاضرة لنيافة الحبر الجليل مار سويريوس روجيه أخرس حول سيرة القديس مار فيلكسينوس المنبجي 

كتاب "الآباء الحاذقون في العبادة" للقديس فيلوكسينوس المنبجي، مقدمة الدكتور مراد كامل 

موقع دائرة المعارف السريانية

Siervo De Jehová
بواسطة : Siervo De Jehová
"لكي تجثو باسم يسوع كل رُكْبَةٍ" (في 2: 10)
Comments