القداس الباسيلي


بسم الاب و الابن و الروح القدس الاله الواحد .امين.:
#طقس_كنسي
================================
القداس الباسيلي
================================
حكايتنا بتبدأ في القرن الرابع الميلادي، في مكان اسمه قيصرية الكبادوك، ودي حتة في تركيا حالياً. كان فيه قديس عظيم، راهب وعالم وفيلسوف وأسقف، اسمه "باسيليوس الكبير". الراجل ده مكنش شخص عادي، ده كان عمود من عمد الإيمان في وقت الكنيسة كانت بتمر فيه بعواصف و هرطقات تهد الجبال. أكبر هرطقة كانت موجودة وقتها هي هرطقة "آريوس"، اللي كان بيقول إن المسيح مش ازلي، لأ ده اله مخلوق يعني بيقول في الهين الاب و ده منزه عن التجسد فا خلق الابن الي هو المسيح ده اله مخلوق و ادني و اداه مهمة الخلق و الروح القدس اول مخلوقاته الكلام ده كان بيضرب المسيحية في مقتل، بيفرّغ الصليب من معناه والفداء من قوته و كمان في تعدد الهة صريح
القديس باسيليوس، بعلمه وقداسته، وقف زي الأسد يدافع عن الإيمان السليم. كتب ووعظ وناظر، بس حس إن فيه سلاح أقوى لازم يستخدمه. السلاح ده هو "العبادة". هو شاف إن الناس ممكن تنسى الوعظ، وممكن متفهمش الكتب اللاهوتية المعقدة، لكن اللي بيصلوا بيه وبيعيشوه كل أسبوع في الكنيسة، ده اللي بيتشربوه في دمهم وبيشكّل إيمانهم. قالك بس، أنا لازم أجمع صلوات الكنيسة اللي استلمناها من الرسل والآباء اللي قبلنا، وأرتبها في شكل قداس يكون واضح وقوي في عقيدته، ويكون رحلة روحية الناس تعيشها وتتحد فيها بربنا، وفي نفس الوقت يكون رد عملي على كل الهرطقات دي.
يبقى نقدر نقول إن أول هدف للقداس الباسيلي كان هدف "تعليمي عقائدي". القديس باسيليوس مكانش بيألف صلوات من دماغه، لأ، هو كان عامل زي الصايغ الماهر اللي بيجمع جواهر ولآلئ موجودة ومتبعترة (صلوات قديمة، آيات من الكتاب المقدس، تأملات آبائية)، وينظمها في عقد واحد بديع. عشان كده لما هتسمع صلوات القداس الباسيلي، هتحس إنك بتسمع صدى للكتاب المقدس نفسه، هتلاقي عبارات من العهد القديم والجديد منسوجة جوه الصلوات بشكل عبقري. هو كان عايز يقول لآريوس ولكل اللي زيه : "انتوا بتقولوا المسيح مخلوق؟ تعالوا اسمعوا الكنيسة كلها وهي بتصلي وبتقول إيه". القداس كله بيصرخ بألوهية المسيح، وبإن الآب والابن والروح القدس إله واحد مثلث الأقانيم.
بس الهدف مكنش تعليمي بس، كان كمان هدف "روحي رعوي". باسيليوس كان راعي بيحب شعبه لانه كان اسقف قيصرية، وعايز يدوقهم حلاوة العلاقة مع ربنا. القداس بالنسبة له مش مجرد طقوس بنعملها، دي رحلة حب بين السما والأرض. رحلة بتبدأ بالإنسان الخاطي اللي حاسس بضعفه، وبتنتهي بيه وهو متّحد بجسد الرب ودمه، وممتلئ بالنعمة والقوة. القداس هو المصنع اللي الكنيسة بتدخل فيه كل أسبوع عشان تتجدد وتتقدس وتطلع للعالم كنور وملح.
يبقى صاحب الحكاية دي هو القديس باسيليوس الكبير، كتبه في القرن الرابع الميلادي، وأهدافه كانت الدفاع عن الإيمان، تعليم الشعب العقيدة السليمة، وإدخال المؤمنين في رحلة روحية عميقة يتحدوا فيها بالله. والقداس ده هو مزيج عبقري بين صلوات مسيحية قديمة جداً استلمها الآباء، وبين آيات من الكتاب المقدس اللي بتشكل العمود الفقري لكل صلاة.
================================
القداس الباسيلي هو أشهر وأكثر قداس بتصليه الكنيسة القبطية الأرثوذكسية على مدار السنة. هو عامل زي "الوجبة اليومية" الروحية بتاعتنا. بنصليه في كل الأيام العادية (أيام الأسبوع)، وفي معظم أيام الآحاد على مدار السنة، وفي أصوام الكنيسة زي الصوم الكبير وصوم الميلاد وصوم الرسل. هو القداس الرئيسي اللي الكاهن بيصليه لو مفيش مناسبة كنسية ليها قداسها الخاص.
ليه هو منتشر أوي كده ؟ لسببين. الأول، لأنه قداس شامل وعميق وفي نفس الوقت واضح ومباشر. كلماته قوية ومؤثرة، وبتلمس احتياجات كل نفس بشرية. السبب التاني، هو إن القداسين التانيين اللي بنصليهم ليهم أوقاتهم الخاصة. مثلاً، "القداس الغريغوري" (اللي كتبه القديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات، صاحب القديس باسيليوس)، ده قداس معروف بألحانه الفرايحي الطويلة وتأملاته العميقة في طبيعة الابن الكلمة، عشان كده بنصليه في الأعياد الكبيرة زي عيد الميلاد والغطاس والقيامة. أما "القداس الكيرلسي" (اللي أصله يرجع لمارمرقس الرسول نفسه والقديس كيرلس عمود الدين أضاف عليه ورتبه)، فده قداس بيتسم بالخشوع العميق، وبنصليه في أوقات معينة زي شهر كيهك والصوم الكبير.
يبقى القداس الباسيلي هو "قداس كل يوم"، هو اللي بيرافقنا في رحلتنا الروحية اليومية.
طب مين الكنايس اللي بتصلي بيه ؟ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بتعتبره القداس الأساسي بتاعها. وكمان الكنائس الأرثوذكسية الشرقية زي الكنيسة البيزنطية عندهم نسخة من القداس الباسيلي، أطول شوية وفيها اختلافات عن النسخة القبطية ، لكن الأصل للكنيسة القبطية لان هذه الكنيسة هي الي وضعت قانون الايمان و ممتلكة حاليا اقدم نسخة من هذا القداس عشان كده الكنيسة القبطية هي الي فيها اصل القداس الباسيلي و مفهاش إضافات الكنائس البيزنطية لكن في العموم انتشاره في اماكن كتير ده بيوريك قد إيه القداس ده قديم وأصيل ومعترف بيه في كنايس العالم كله.
وبيتصلى كام مرة في السنة ؟ مئات المرات. تقريباً كل يوم فيه قداس باسيلي بيترفع على مذبح في كنيسة قبطية في مكان ما في العالم. هو النفس اللي الكنيسة بتتنفسه.
طب سؤال مهم، الصلاة في القداس ده بتروح لمين أكتر في الأقانيم ؟ القداس الباسيلي، وخصوصاً في الجزء الأهم فيه اللي بنسميه "الأنافورا" أو صلاة التقديس، بيكون موجه في الأساس "للآب". بنبدأ الصلاة بـ "يا الله العظيم الأبدي..." وبنكلم الآب، وبنقدم له الشكر على خليقته ومحبته، وبنقدم له ابنه الوحيد كذبيحة مقبولة عنه. لكن ده مش معناه إننا بننسى الابن والروح القدس، لأ طبعاً. القداس كله إعلان عن الثالوث القدوس. إحنا بنصلي "للآب" "بالابن" "في الروح القدس". يعني بنقدم صلاتنا للآب، والشفيع بتاعنا والوسيط هو الابن يسوع المسيح، والقوة اللي بتخلينا نقدر نصلي ونتقدس هي قوة الروح القدس. هتلاقي ذكر للأقانيم الثلاثة في كل حتة في القداس، لكن التوجيه الرئيسي للصلاة، زي ما المسيح نفسه علمنا نصلي ونقول "أبانا الذي في السموات"، بيكون للآب السماوي.
================================
تعال بقى يا صاحبي نمسك الرحلة دي من أولها لآخرها. القداس مش بيبدأ لما أبونا يقول "ارفعوا قلوبكم"، لأ ده بيبدأ من قبلها بكتير. القداس رحلة ليها محطات، وكل محطة بتسلمنا للي بعدها بشكل منطقي وروحي بديع :
الجزء الأول : الاستعداد للرحلة (قداس الموعوظين)
زمان، مكنش كل الناس بتحضر القداس كله. كان فيه جزء بيحضره "الموعوظين"، اللي هما الناس اللي لسه بيتعلموا الإيمان وبيستعدوا للمعمودية. الجزء ده كان عبارة عن صلوات وقراءات من الكتاب المقدس، عشان كده بنسميه "قداس الكلمة" أو "قداس الموعوظين". وبعد القراءات والعظة، كان الشماس بيقول "احنوا رؤوسكم أيها الموعوظون ... اخرجوا بسلام"، وكانوا بيخرجوا، ويكمل المؤمنون بس الجزء التاني اللي فيه الأسرار المقدسة و التقسيمة دي لسه موجودة وليها معناها.
=================
تقديم الحمل :
الرحلة بتبدأ من بره الهيكل. أبونا بيلف وسط الشعب وهو لابس لبس الخدمة الأبيض، ومعاه الشمامسة، وبيدور على "الحمل"، اللي هي القربانة اللي هتتحول لجسد المسيح. بيختار أحسن قربانة، تكون كاملة ومستديرة ومختومة. المشهد ده بيفكرنا بإيه؟ بيفكرنا بالمسيح نفسه، "حمل الله الذي يرفع خطية العالم"، اللي جه واتولد في وسطنا. اختيار أبونا للحمل وسط كذا قربانة، رمز للمسيح اللي اختاره الآب من وسط البشرية كلها عشان يكون هو الفادي والمخلص. أبونا بيشيل الصينية اللي عليها الحمل وبيحطها على راسه وبيدخل بيها الهيكل، كأنه بيقدم المسيح للعالم.
صلوات المزامير والقراءات :
بعد تقديم الحمل، بنبدأ نسمع صوت ربنا لينا. بنقرأ أجزاء من الكتاب المقدس.
البولس : جزء من رسايل معلمنا بولس الرسول.
الكاثوليكون : جزء من الرسايل الجامعة (يعقوب، بطرس، يوحنا، يهوذا).
الإبركسيس : جزء من سفر أعمال الرسل، اللي بيحكي قصة الكنيسة الأولى.
كل قراءة من دول بتدينا درس روحي وبتحضرنا للقاء ربنا.
السنكسار : بنقرأ قصة قديس اليوم. وده مهم أوي، عشان الكنيسة بتقولنا إننا مش بنعبد لوحدنا، إحنا حوالينا سحابة من الشهود، القديسين اللي سبقونا، وهما بيصلوا معانا ومن أجلنا.
المزمور والإنجيل : دي قمة قداس الكلمة. بنسمع صوت المسيح نفسه في الإنجيل. قبلها بنصلي المزمور اللي بيكون متماشي مع معنى الإنجيل. وقبل ما أبونا يقرأ الإنجيل، بيصلي صلاة اسمها "أوشية الإنجيل"، بيطلب فيها من ربنا إنه يفتح أذهاننا وقلوبنا عشان نفهم كلامه ونعمل بيه. "اجعلنا مستحقين أن نسمع ونعمل بإنجيلك المقدس بطلبات قدييسك...".
العظة :
بعد الإنجيل، أبونا بيشرح القراءات دي وبيطبقها على حياتنا. العظة هي الأكل الروحي اللي بنهضم بيه كلمة ربنا اللي سمعناها.
لحد هنا، بينتهي قداس الموعوظين. الكنيسة اعتبرت إن اللي سمع كلمة ربنا وعظته، بقى مستعد يدخل للمرحلة الأعمق، مرحلة الأسرار.
=================
الجزء الثان: قلب الرحلة (قداس المؤمنين)
هنا بقى بندخل لقدس الأقداس بتاع الرحلة. الجزء ده بيبدأ بصلاة عظيمة بتلخص كل حاجة.
صلاة الصلح :
دي مش مجرد صلاة عادية، دي ملحمة لاهوتية بتحكي قصة البشرية كلها في كام دقيقة. أبونا بيبدأ يخاطب الله الآب: "يا الله العظيم الأبدي، الذي جبل الإنسان على غير فساد، والموت الذي دخل إلى العالم بحسد إبليس، هدمته بالظهور المحيي الذي لابنك الوحيد الجنس ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح...".
الصلاة دي بتحكي إزاي ربنا خلقنا عشان نعيش معاه في حياة أبدية، وإزاي بغواية الشيطان سقطنا في الخطية ودخل الموت لحياتنا. لكن ربنا من محبته مسبناش، "هدم" الموت ده بتجسد المسيح وفدائه. الصلاة بتكمل وتحكي إزاي المسيح ملأ الأرض بالسلام اللي من السما.
بعد ما بنفتكر قصة الخلاص العظيمة دي، أبونا بيطلب طلب مهم أوي: "... طهرنا من كل دنس، ومن كل غش، ومن كل رياء، ومن كل فعل خبيث، ومن تذكار الشر الملبس الموت. واجعلنا مستحقين كلنا يا سيدنا، أن نقبل بعضنا بعضاً بقبلة مقدسة...".
الكنيسة بتقولنا قبل ما تتقدموا وتتناولوا من جسد الرب ودمه، لازم الأول تتصالحوا مع ربنا (بالتوبة وتطهير القلب)، وتتصالحوا مع إخواتكم (بالقبلة المقدسة). مينفعش أكون شايل من أخويا وأروح أتناول. عشان كده الشماس بيصرخ ويقول "قبلوا بعضكم بعضاً". بنكتفي بالسلام والمصافحة أو بمجرد الانحناء لبعضنا البعض، كعلامة على المصالحة والمحبة.
قانون الإيمان
بعد ما اتصالحنا مع بعض، كلنا كجسد واحد بنعلن إيماننا المشترك. بنقول بصوت عالي "بالحقيقة نؤمن بإله واحد...". قانون الإيمان ده هو الهوية بتاعتنا، هو ملخص كل اللي بنؤمن بيه. وقولنا ليه كلنا مع بعض بيعلن وحدتنا في الإيمان ده.
=================
صلاة التقديس (الأنافورا) : درة تاج القداس
هنا بقى بنوصل لأخطر وأهم وأجمل جزء في القداس كله. كلمة "أنافورا" يونانية معناها "صعيدة" أو "رفعة". هنا أبونا بيرفع القرابين (الخبز والخمر) للسما، وبيرفع معاها قلوبنا كلنا.
الحوار بيبدأ بين أبونا والشعب:
أبونا: "الرب مع جميعكم"
الشعب: "ومع روحك أيضاً"
أبونا: "ارفعوا قلوبكم"
الشعب: "هي عند الرب"
أبونا: "فلنشكر الرب"
الشعب: "مستحق وعادل"
الحوار البسيط ده عميق جداً. كأن أبونا بيقولنا : "يا جماعة سيبوا بقى أي اهتمامات أرضية، ارفعوا أفكاركم وقلوبكم لفوق، للسما، لأننا داخلين على حضرة الملك نفسه". وإحنا بنرد عليه ونقوله قلوبنا فعلاً سابت الأرض وهي دلوقتي عند ربنا.
وبعدين أبونا يبدأ الصلاة العظيمة دي، وهو بيشكر ربنا الآب : "مستحق وعادل، مستحق وعادل، بالحقيقة مستحق وعادل. أيها الكائن السيد الرب الإله الحق...". بيمجد ربنا على عظمته وإنه الخالق اللي عمل كل حاجة، وإنه خلقنا على صورته ومثاله. وبيكمل ويقول: "الذي يقف أمامه الملائكة ورؤساء الملائكة والرئاسات والسلطات والكراسي والأرباب والقوات... الشاروبيم ذوو الأعين الكثيرة والسيرافيم ذوو الستة أجنحة، يسبحون دائماً بغير سكوت قائلين...".
هنا أبونا بيفتح عينينا على حقيقة سماوية. بيقولنا إننا في اللحظة دي مش بنصلي لوحدنا، لأ ده احنا بنشارك السماويات نفسهم في تسبيحهم. وإحنا والشعب كله بننضم لجوقة الملايكة دي ونصرخ بصوت واحد:
"قدوس، قدوس، قدوس، رب الصباؤوت. السماء والأرض مملوءتان من مجدك وكرامتك".
التسبحة دي اسمها "تسبحة الشاروبيم"، وهي متاخدة بالنص من سفر إشعياء النبي (إصحاح 6). تخيل معايا المشهد، الكنيسة كلها، الأرضيين مع السمائيين، بيسبحوا بنفس التسبحة قدام عرش الله.
بعد التسبحة دي، أبونا بيكمل صلاة الشكر ويقول "قدوس قدوس قدوس. بالحقيقة أيها الرب إلهنا...". وبيبدأ يحكي قصة تدبير الخلاص تاني، إزاي لما سقطنا بضعفنا، ربنا مقبلش إننا نهلك، لكن "تعهدتَنا بأنبيائك القديسين. وفي آخر الأيام، ظهرت لنا نحن الجلوس في الظلمة وظلال الموت، بابنك الوحيد الجنس...". وهنا بيوصل أبونا للحظة تأسيس السر.
"... وأخذ خبزاً على يديه الطاهرتين اللتين بلا عيب ولا دنس، الطوباويتين المحييتين. ونظر إلى فوق نحو السماء إليك يا الله أبيه وسيد كل أحد، وشكر، وباركه، وقدسه...".
هنا أبونا بيعمل نفس الحركات اللي المسيح عملها ليلة العشاء الأخير. بياخد القربانة (الخبز)، و"يشكر" (عشان كده السر ده اسمه سر الشكر أو الإفخارستيا)، و"يبارك"، و"يقدس". وبعدين يقول كلمات المسيح نفسه: "... وقسمه، وأعطاه لتلاميذه القديسين ورسله الأطهار قائلاً: خذوا كلوا منه كلكم، لأن هذا هو جسدي...".
وبعدين ياخد الكاس ويقول: "... وهذه الكأس أيضاً... هذا هو دمي الذي للعهد الجديد...".
في اللحظات دي، أبونا مش بيمثل، هو بيكون "أيقونة المسيح". المسيح نفسه هو اللي بيقدم جسده ودمه من خلال خدمة الكاهن.
بعد ما بنفتكر تأسيس السر، بنعلن إيماننا بسر الفداء كله، وبنصرخ كلنا :
"آمين آمين آمين. بموتك يا رب نبشر، وبقيامتك المقدسة وصعودك إلى السموات نعترف. نسبحك، نباركك، نشكرك يا رب، ونتضرع إليك يا إلهنا".
الجملة دي هي جوهر إيماننا المسيحي كله : موت وقيامة وصعود المسيح.
=================
حلول الروح القدس (الإبيقليمس Epiclesis) :
بعد ما قدمنا الذبيحة، بنوصل للحظة اللي بيتحول فيها الخبز والخمر لجسد ودم المسيح الحقيقيين. أبونا بيسجد قدام المذبح وبيصلي صلاة سرية عميقة جداً، بيطلب فيها من الله الآب إنه يرسل "الروح القدس" على القرابين دي.
"... ونتضرع إليك... أيها الصالح محب البشر، أن يحل روحك القدوس، علينا، وعلى هذه القرابين الموضوعة، ويطهرها، وينقلها، ويظهرها قدساً لقديسيك".
هنا الكاهن بيرشم الخبز ويقول : "وهذا الخبز يجعله جسداً مقدساً له". والشعب كله يسجد ويقول "آمين".
ويرشم الكأس ويقول : "وهذه الكأس أيضاً دماً كريماً للعهد الجديد له". والشعب يسجد ويقول "آمين".
"ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح. يُعطى لمغفرة الخطايا وحياة أبدية لكل من يتناول منه". والشعب يرد "آمين".
دي هي اللحظة اللي السماء بتنزل فيها على الأرض. بالصلاة وبقوة الروح القدس، الخبز والخمر اللي على المذبح مبقوش مجرد خبز وخمر، دول بقوا جسد ودم المسيح حقيقي. مش رمز، مش ذكرى، لكن حضور حقيقي وفعلي و القربان و الخمر تحولوا سرائريا لجسد و دم مبارك بتاع المسيح القدوس
=================
الأواشي (الطلبات) :
بعد ما المسيح بقى حاضر بجسده ودمه على المذبح، الكنيسة بقى عندها "دالة" وجرأة تطلب أي حاجة. فبتبدأ سلسلة من الصلوات اسمها "الأواشي" (جمع أوشية، كلمة قبطية معناها صلاة أو طلبة).
أوشية السلامة : بنصلي عشان سلام الكنيسة في العالم كله.
أوشية الآباء : بنصلي عشان البابا البطريرك والأساقفة والكهنة والشمامسة.
أوشية الموضع : بنصلي عشان سلام المكان اللي إحنا فيه، بلدنا مصر.
أوشية المياه أو الزروع أو الأهوية : حسب طبيعة الوقت في السنة، بنصلي عشان ربنا يبارك الطبيعة ويبعت الخير للأرض.
أوشية القرابين : بنصلي عشان الناس اللي قدموا التقدمات دي (القربان والخمر وباقي احتياجات الكنيسة).
=================
المجمع :
بعد ما صلينا عشان الكنيسة المجاهدة اللي على الأرض، بنبدأ نذكر الكنيسة المنتصرة اللي في السما. بنقول: "وأيضاً فلنذكر جميع القديسين الذين أرضوا الرب منذ البدء...". وعلى رأسهم بنذكر "الكلية الطهر، المملوءة مجداً، العذراء كل حين، والدة الإله القديسة الطاهرة مريم".
المجمع ده بيأكد عقيدتنا في "شركة القديسين". إحنا مش جزر منعزلة، إحنا عيلة واحدة، اللي على الأرض واللي في السما، والمسيح هو رأس العيلة دي كلها.
الترحيم :
بعد ما ذكرنا القديسين اللي في الفردوس، بنذكر إخواتنا الراقدين اللي سبقونا، وبنطلب من ربنا نياحاً وراحة لأرواحهم : "اذكر يا رب جميع الراقدين الذين رقدوا في الإيمان بالمسيح... نيحهم جميعاً في حضن آبائنا القديسين إبراهيم واسحق ويعقوب...".
=================
القِسمة والصلاة الربانية :
أبونا بياخد الجسد المقدس وبيبدأ يقسمها لقطع صغيرة بطريقة طقسية معينة وهو بيصلي صلاة اسمها "صلاة القسمة". القسمة دي رمز لآلام المسيح وجراحاته اللي كانت عشان خلاصنا. وبعدين، كاستعداد أخير للتناول، كلنا بنصلي الصلاة اللي المسيح نفسه علمها لنا: "أبانا الذي في السموات...". وقبل ما نقولها، أبونا بيصلي مقدمة جميلة بيقول فيها: "... لكي بقلب طاهر وشفتين نقيتين... نجسر بدالة بغير خوف أن ندعوك يا الله أباً لنا الذي في السموات ونقول...". يعني إحنا بنقدر نقول لربنا "يا أبانا" مش عشان إحنا نستاهل، لكن بسبب فداء المسيح اللي خلانا أولاده بالتبني.
=================
الاعتراف والتناول :
خلاص، المائدة السماوية جاهزة. أبونا بيرفع الصينية والكاس وبيقول "القدسات للقديسين". يعني الجسد والدم المقدس دول مُعَدّين للناس القديسين. والشعب كله بيرد "مبارك الآتي باسم الرب. بالحقيقة واحد هو الآب القدوس، واحد هو الابن القدوس، واحد هو الروح القدس القدوس. آمين". إعلان إيمان أخير بالثالوث، وإعلان إن قداستنا مش من نفسنا، لكن من الله القدوس.
وبعدين بيتقال اعتراف أخير قبل التناول : "آمين آمين آمين. أؤمن أؤمن أؤمن، أن هذا هو الجسد المحيي...".
وبعدين الشعب يتقدم بخشوع عشان يتناول من الأسرار المقدسة. اللحظة دي هي قمة القداس، هي لحظة الاتحاد الحقيقي بالمسيح. لما بنتناول، إحنا مش بناخد حتة عيش وشوية خمر، إحنا بنستقبل المسيح نفسه جوانا، بروحه وجسده ولاهوته وناسوته. بنبقى "حاملين للمسيح". زي ما بيقول القديس كيرلس الكبير: "كما أن من يربط قطعتي شمع معاً بالنار يصيران قطعة واحدة، هكذا من يتناول جسد الرب ودمه يتحد به فيصيران واحداً".
التوزيع والبركة الختامية :
بعد ما كل المؤمنين بيتناولوا، أبونا بيصلي صلاة شكر، وبيناول الشمامسة "البركة" (قربان مكنش على المذبح لكن اتقال عليه صلوات)، وبيوزعها على الشعب. وبعدين بيدي التسريح الأخير للشعب : "امضوا بسلام، سلام الرب يكون معكم".
كده الرحلة السماوية بتكون خلصت. بنخرج من الكنيسة وإحنا مش زي ما دخلنا. دخلنا خطاة ومحتاجين، بنخرج وإحنا متبررين ومتحدين بالمسيح، وشايلين نعمة وقوة تخلينا نقدر نعيش حياتنا في العالم كأولاد لربنا بحق.
================================
لو فضلت أحكي عن القداس الباسيلي من هنا لسنين جاية، الكلام مش هيخلص. بس عايزك عزيزي القارئ تطلع من قعدتنا دي بحاجة واحدة : القداس مش مجرد صلوات بنقولها، ولا طقوس بنشوفها. القداس هو "حياة". هو المسيح نفسه اللي بيجي مخصوص عشان يقابلنا، عشان يكلمنا في الإنجيل، وعشان يوحدنا بيه في التناول.
تخيل معايا القديس باسيليوس وهو واقف بيصلي أول مرة القداس ده. كان شايف بعين الإيمان شعبه اللي حواليه، وشايف البدع اللي بتحاول تخطفهم، فكان بيصرخ من قلبه بكل كلمة في القداس ده عشان يثبتهم في الإيمان ويشبّعهم بربنا. والنهاردة، بعد أكتر من 1600 سنة، نفس الكلمات دي لسه بتتقال في كنايسنا بنفس القوة ونفس الروح. لما بنقول "قدوس قدوس قدوس"، إحنا صوتنا بيتحد بصوت باسيليوس نفسه، وبصوت الملايكة، وبصوت كل القديسين اللي سبقونا.
القداس عامل زي سفينة نوح. العالم بره غرقان في بحر من الهموم والخطايا والضياع. والكنيسة بتقولك: "تعالى اركب السفينة". جوه القداس، إنت في أمان. جوه القداس، إنت بتترفع فوق المية، بتوصل لحد السما نفسها. ولما بتنزل من السفينة دي بعد القداس، إنت مش بتنزل عشان تغرق تاني، لأ، إنت بتنزل ومعاك "غصن زيتون" بتاع السلام، ومعاك "حمامة" الروح القدس ساكنة فيك، ومعاك "قوس قزح" بتاع عهد ربنا الجديد اللي بيقولك "أنا معاك لآخر يوم".
================================
و انهي المقالة بكلام القديس باسيليوس نفسه عن ان صلاتنا لاقنوم في الثالوث معناه بالضرورة الصلاة لكل الاقانيم معا لانهم واحد في الجوهر متمايزين في الاقنومية :
القديس باسيليوس الكبير :
لأن طريق المعرفة بالله يأتي من الروح الواحد، عبر الابن الواحد، إلى الآب الواحد. وبالعكس، فإن الصلاح الطبيعي والتقديس بحسب الطبيعة والكرامة الملكية تمتد من الآب، من خلال الابن الوحيد، إلى الروح. وهكذا، فإن الأقانيم يتم الاعتراف بها دون إخلال بعقيدة الوحدانية
و كمان بيضيف في موضوع اخر بيقول :
"لذلك نحن نمجد الله الآب في الروح، كما نمجده بالابن... لا يمكن فصل الروح عن الابن، كما لا يمكن فصل الابن عن الآب."
Basil the Great, "De Spiritu Sancto," Caput XVIII, § 47.(Patrologia Graeca - PG), Migne, J. P. (Ed.). (1886). Patrologiae Cursus Completus, Series Graeca. Tomus 32, col. 153B.
==================================
بس لحد هنا اكون خلصت موضوع المقالة
و سلام المسيح مع جميعكم
#طقس_كنسي

Siervo De Jehová
بواسطة : Siervo De Jehová
"لكي تجثو باسم يسوع كل رُكْبَةٍ" (في 2: 10)
Comments