بسم الاب و الابن و الروح القدس الاله الواحد .امين.:#فهم_العقيدة
#ابائيات
==================================
لاهوت الدموع
==================================
لو رجعنا بالزمن لورا شوية مش كتير أوي ورحنا قعدنا مع آباء البرية و القديسين اللي كانوا عايشين في الصحرا هنلاقي عندهم طريقة مميزة في تواصلهم مع ربنا و صلواتهم. هنلاقي إن طريقتهم المميزة ديه كانت بالدموع. الدموع دي مش ضعف، دي قوة جبارة لان دي أصدق صلاة. مش مجرد بكية دي لغة الأرواح النقية اللي بتكلم ربنا وش لوش.
مسمي (لاهوت الدموع) هو مفهوم روحي عميق مش علم لاهوت مستقل زي لاهوت المسيح أو لاهوت الروح القدس و لكن تقليد روحي مرتبط بالحياة النسكية بتاعت الآباء الرهبان و الاباء في البرية و الاباء النساك بالأخص في بلاد المشرق مصر و الشام و اسيا الصغري
==================================
المقالة طويلة و مقسمة لفصول فا اقراها للنهاية صديقي القارئ
==================================
الفصل الاول : اصل المعني و مصطلحاته :
تقريبا عزيزي القارئ انت اول مرة تسمع المفهوم ده او اللفظ دن لكن عشان نفهم القصة صح لازم نعرف إن الآباء مقسموش الدموع كده و خلاص دي متقسمة زي فصول الكتاب . فيه نوعين أساسيين من الدموع الروحية، وكل نوع فيهم ليه طعم ولون وريحة . النوعين دول هما اللي بيلخصوا رحلة الإنسان مع ربنا من أول ما يكتشف إنه خاطي لحد ما يدوب في حب ربنا في فكر الآباء الرهبان
النوع الأول : الدموع المُرّة او دموع البنثوس (Penthos)
الكلمة دي يونانية (πένθος) ومعناها الحزن والندم العميق. دي دموع البدايات. دي الدموع اللي بتنزل منك لما فجأة كدة زي ما يكون نور ضرب في عينك، تشوف نفسك على حقيقتها. تشوف خطاياك اللي كنت بتداريها، ضعفك اللي كنت بتبرره، البعد اللي بينك وبين ربنا اللي كنت بتحاول تتجاهله.
الدموع دي طعمها مر، زي طعم الخل. بتنزل حامية على خدك تحرقك. دي دموع الخوف. الخوف من الدينونة الخوف الخوف من إنك كسرت قلب اللي حبك أكتر واحد في الكون. دي بالظبط دموع بطرس الرسول بعد ما أنكر المسيح. الكتاب المقدس بيقول: "فَخَرَجَ بُطْرُسُ إِلَى خَارِجٍ وَبَكَى بُكَاءً مُرًّا" (متى 26: 75). شوفت الكلمة ؟ "مُرًّا". هو ده طعم البنثوس. دمعة بتغسل، لكن غسيلها مؤلم زي ما تكون بتطهر جرح عميق بالكحول.
القديس يوحنا الدرجي، أو يوحنا السلمي، اللي كتب كتاب "سلم الصعود إلى السماء" خصص درجة كاملة من سلمه الـ30 للحزن والدموع دي. في الدرجة السابعة بيقول كلام يهز : "الحزن بحسب الله هو كآبة في النفس، تنشأ عن إحساس بالخطايا، وتتوق بحرارة وشوق أكيد إلى ما ترجوه. فتسعى وراءه سعيًا دؤوبًا، ولما تفشل في بلوغه، تتبعه بمرارة، وتنوح عليه بمرارة".
يعني إيه الكلام ده ؟ يعني الحزن ده مش مجرد "أنا زعلان". لأ، دي حالة من الوعي الكامل بغلطك، بتخليك مش طايق نفسك، وفي نفس الوقت عندك شوق رهيب ترجع لحضن ربنا. بتحاول، فبتفشل، فبتصرخ بدموعك. الدموع دي هي صرخة "يا رب أنا ضايع من غيرك، أنا وحل، أنا تراب، ارحمني!".
العلامة مار إسحق السرياني، اللي يعتبر من أهم المؤثرين في فكر لاهوت الدموع ده، بيقول كلام عبقري عن الحالة دي. بيقول إن الدموع دي هي العلامة اللي بيها النفس بتعرف إنها ابتدت تولد الولادة الروحية الحقيقية. زي ما الطفل بيتولد بصرخة، النفس بتتولد من جديد بدموع التوبة. نقرأ بيقول ايه : "كما أنه بعد خروج الجنين من البطن لا يمكنه أن يتنفس هواء هذا العالم ما لم يصرخ، هكذا النفس أيضاً لا يمكنها أن تتنعم بنسيم ذلك العالم الجديد الأبدي، ما لم تذرف الدموع أولاً. لأن الدموع هي علامة ولادة النفس من العالم الحاضر ودخولها في العالم الآتي".
شفت العمق ؟ الدموع دي مش نهاية العالم، دي بداية عالم جديد خالص. دي شهادة ميلادك الروحية.
==============
النوع الثاني : الدموع الحلوة او دموع الخاريس (Charis)
بعد ما بتمشي في طريق التوبة، ودموعك المرة دي بتغسل قلبك وتنضفه، وربنا برحمته بيقبلك وبيطبطب عليك، بتبتدي مرحلة تانية خالص. مرحلة دموع من نوع مختلف . دي دموع الخاريس (χάρις)، كلمة يونانية معناها النعمة أو الفرح.
الدموع دي طعمها حلو، زي العسل. بتنزل باردة على خدك تطفي أي نار. دي مش دموع خوف، دي دموع حب وشوق. بتنزل لما تحس بحضور ربنا جنبك بشكل حقيقي، لما تدوق حلاوة عشرته، لما تفهم قد إيه هو بيحبك حب ملوش آخر. بتنزل وأنت بتصلي، مش عارف تقول إيه من كتر الحب اللي مالي قلبك، فالدموع هي اللي بتتكلم بالنيابة عنك. بتنزل وأنت بتقرا الإنجيل وتحس إن الكلام ده مكتوب ليك أنت شخصيا. بتنزل وأنت بتتناول جسد المسيح الواحد و دمه النقي الكريم وتحس إنك شايل السما كلها جواك.
دي دموع مريم المجدلية لما غسلت رجلين المسيح بدموعها ومسحتها بشعر راسها. دي مكنتش دموع خوف من الدينونة، دي كانت دموع حب صافي، حب واحدة شافت بعنيها الرحمة اللي غيرت حياتها كلها. "وَوَقَفَتْ عِنْدَ قَدَمَيْهِ مِنْ وَرَائِهِ بَاكِيَةً، وَابْتَدَأَتْ تَبُلُّ قَدَمَيْهِ بِالدُّمُوعِ، وَكَانَتْ تَمْسَحُهُمَا بِشَعْرِ رَأْسِهَا" (لوقا 7: 38). الدموع دي كانت أغلى من كل كنوز الدنيا في عينين المسيح.
مار إسحق السرياني برضه بيوصف الحالة دي وبيقول إنها عطية من ربنا، موهبة الدموع. مش أي حد بياخدها. دي للناس اللي قلبها صفي وبقى شفاف، لدرجة إنهم بقوا بيشوفوا النور الإلهي. بيقول : "عندما تبلغ الصلاة إلى منطقة الدموع، حينئذ تعرف أن نفسك قد بدأت تعبر من هذا العالم... لأن الدموع التي من أجل الله أحلى من العسل".
الدموع دي بتيجي من الشوق، الشوق للسما، الشوق للمسيح نفسه. بتبقى عامل زي واحد مسافر في بلد غريبة ووحشه بيته وأهله، فبيبكي من كتر الشوق. إحنا في الدنيا دي غربا، وبيتنا الحقيقي في السما. فالنفس اللي بتصحى وبتدرك ده، بتبكي شوق لوطنها. القديس يوحنا السلمي بيقول : "الذي يبكي على نفسه هنا، لن يبكي إلى الأبد هناك. والذي لا يبكي على نفسه هنا، سيبكي إلى الأبد هناك".
يبقى كدة يا صاحبي، عرفنا أول خريطة في رحلتنا : دموع مُرّة بتاعة التوبة (البنثوس)، ودموع حلوة بتاعة الحب (الخاريس). والاتنين مش عكس بعض، دول بيكملوا بعض. الأولى بتنضف الأرض، والتانية بتخلي الزرع يطلع. الأولى بتكسر القلب الحجر، والتانية بتخلي القلب لحم بيعرف يحب.
==================================
الفصل الثاني : الدموع بتعمل إيه ؟ عمل النعمة الإلهية في النفس
طيب، عرفنا أنواع الدموع. السؤال بقى : هي بتعمل إيه بالظبط ؟ يعني مجرد فضفضة ومشاعر وخلاص ؟ الآباء بيقولوا لا دي مش فضفضة، دي اشبه بعملية تنقية للنفس، نقدر نوصفها و نقول جراحة إلهية بتصلح كل اللي اتكسر جوانا. تعال نشوف إزاي.
اولا الدموع تعتبر (معمودية تانية) :
من أعمق التشبيهات اللي قالها الآباء في الموضوع ده و هم بيشرحوا لن كلنا اتعمدنا وتطهرنا من الخطية الأصلية و رجعنا ابناء الله. لكن بعدين بهدلنا نفسنا بخطايانا واختياراتنا الغلط الثوب الأبيض النضيف اللي لبسناه في المعمودية اتلوث عليه بال طين وبهدلناه نعمل إيه ؟ هل نتعمد تاني ؟ مينفعش النعمة تعطي مرة واحدة و المعمودية مرة واحدة مدام صحيحة و بأيمان الكنيسة الجامعة لكن الآباء بيقولوا إن ربنا برحمته ادانا معمودية تانية، معمودية مش بالمية لكن بالدموع.
دموع التوبة الصادقة بتغسل النفس من كل قذارة عملتها بعد المعمودية الأولى القديس غريغوريوس النزينزي بيقول : "أعرف معمودية خامسة، وهي الأكثر إيلامًا ومشقة، وهي معمودية الدموع. التي تغسل الفراش كل ليلة بالدموع، وتجعل من الخطية أمرًا مكروهًا".
والقديس يوحنا السلمي بيقول كلام مباشر جدا عن ده بيقول: "ما قد لطّخته الخطايا بعد المعمودية، تطهّره الدموع. المعمودية التي نلناها في طفولتنا قد دنّسناها، ولكننا نطهّرها من جديد بالدموع. ولو لم تكن محبة الله للبشر لامتناهية، لما وُجدت هذه المعمودية الثانية".
تخيل معايا المشهد ده : كل دمعة ندم بتنزل منك، هي نقطة مية مقدسة بتنضف حتة من ثوبك المتسخ، لحد ما يرجع أبيض تاني. دي مش مجرد صورة شعرية الآباء كانوا بيعيشوا الحقيقة دي.
=======
الدموع صلاة من غير كلام :
كتير أوي بنقف نصلي، ومش بنلاقي كلام نقوله. يا إما عقلنا مشتت، يا إما حاسين إن أي كلام هنقوله قليل أوي ومش هيعبر عن اللي جوانا. هنا بقى بيجي دور الدموع.
الدموع هي صلاة القلب المنسحق اللي مش لاقي كلام. هي الصرخة الصامتة اللي بتوصل لعرش ربنا أسرع من أي كلام متزوق. ربنا مش بيسمع بأدنه، هو بيشوف القلوب. ولما بيشوف قلب بيبكي قدامه بصدق، دي عنده أعلى درجة من الصلاة.
و عندنا مثال لشخص في الكتاب المقدس و هي حنة أم صموئيل النبي كانت واقفة في الهيكل بتصلي عشان ربنا يديها طفل. الكتاب بيقول : "أَمَّا حَنَّةُ فَكَانَتْ تَتَكَلَّمُ فِي قَلْبِهَا، وَشَفَتَاهَا فَقَطْ تَتَحَرَّكَانِ، وَصَوْتُهَا لَمْ يُسْمَعْ... فَصَلَّتْ حَنَّةُ وَبَكَتْ بُكَاءً" (1 صموئيل 1: 10، 13). عالي الكاهن افتكرها سكرانة، لكن هي كانت في أعلى درجات الصلاة، صلاة الدموع اللي من القلب. واستجابت صلاتها علي طول.
القديس يوحنا ذهبي الفم ليه جملة عظيمة في الموضوع ده بيقول : "لا تطلب شيئًا بالكلمات عندما تذرف الدموع، لأن الله في ذلك الوقت يقف بجانبك، ويقبل دموعك كصلاة ثمينة".
يعني لما تلاقي نفسك مش عارف تصلي، مش عارف تقول إيه، نزل راسك، وارمي نفسك قدام ربنا، وسيب دموعك هي اللي تتكلم. صدقني، هو هيفهم اللغة دي أحسن من أي لغة تانية.
=======
الدموع سلاح ضد الشياطين :
آباء الصحرا كانوا في حرب روحية مستمرة مع الشياطين. واكتشفوا مع الوقت إن فيه أسلحة معينة الشيطان بيخاف منها وبيهرب. من أقوى الأسلحة دي هي الدموع.
ليه بقى ؟ لأن الشيطان كائن متكبر، شايف نفسه أعظم حاجة في الكون. أكتر حاجة بيكرهها وبيستحقرها هي التواضع والانسحاق. لما بيشوف إنسان واقف قدام ربنا منكسر، بيعيط على خطاياه، وبيقول "أنا ولا حاجة من غيرك يارب"، الشيطان بيحاول يخرجه منها . المنظر ده بيفكره بسقوطه بسبب كبرياؤه، وبيفضح ضعفه قدام قوة التواضع الإلهي.
الدموع بتعمل زي "دايرة نار" حوالين الإنسان اللي بيصلي. الشيطان ميقدرش يقرب منها. القديس مكاريوس الكبير بيقول : "إن الشياطين تخاف من صلاة المتواضع المصحوبة بالدموع، أكثر مما تخاف من صلاة الفيلسوف المتكبر".
وكمان الدموع بتكشف حيل الشيطان. ساعات الشيطان بيحاربنا باليأس، يقولك "خلاص مفيش فايدة، ربنا مش هيسامحك، أنت غرقان في الخطية ". دموع الرجاء اللي بتنزل منك وأنت بتقول "حتى لو أنا وحش، رحمتك يارب أكبر" بتفشل كل خططه. وساعات يحاربك بالكبرياء، يقولك "شوف أنت قديس إزاي وبتصلي"، فتنزل منك دمعة وأنت بتقول "أنا تراب ورماد يارب، كل ده نعمتك أنت"، فبتحرقه وبتمشي خططه.
=======
الدموع "بتليّن القلب القاسي :
قلوبنا مع الوقت، من كتر الخطايا والهموم والانشغال بالعالم، بتبقى عاملة زي الأرض الناشفة المشققة. تيجي كلمة ربنا، زي الميية، تنزل عليها فتتزحلق ومبتدخلش جواها. القلب بيبقى قاسي، مبيحسش، مبيتأثرش.
الدموع هنا بتلعب دور المطر. بتنزل على أرض القلب الناشفة دي، تبتدي ترطبها وتلينها شوية بشوية. كل دمعة بتروي حتة ميتة في القلب. ومع الوقت، القلب القاسي الحجر ده بيرجع تاني قلب لحم، طري، بيعرف يحس، بيعرف يحب، بيعرف يتأثر بكلام ربنا.
مار إسحق السرياني بيقول : "القلب القاسي هو نبع الأفكار الشريرة. أما إذا تروّى بالدموع، فإنه يصير نبعًا للأفكار الإلهية".
عشان كدة الآباء كانوا بيطلبوا دايما من ربنا (ينبوع دموع) عشان هم كانوا عارفين إن الينبوع ده هو اللي هيروي أرض قلبهم و يخليها صالحة إنها تطلع ثمر للروح القدس. داود النبي في المزامير كان بيصرخ ويقول : "قَدْ صَارَ لِي دَمْعِي خُبْزًا نَهَارًا وَلَيْلاً" (مزمور 42: 3) الدموع كانت الأكل والشرب بتاعه اللي بيها قلبه كان بيفضل حي
==================================
الفصل التالت : أمثلة حية علي هذا التعليم الجميل النقي
تعالى بقى ناخد الموضوع بشكل عملي أكتر. تعالى ندخل قلايات الناس اللي عاشت الكلام ده، ونشوف الحكاية على أرض الواقع. كل واحد من دول مدرسة لوحده في لاهوت الدموع.
القديس أرسانيوس : معلم الملوك اللي بقى تلميذ الدموع :
أرسانيوس ده كان شخص كبير و له شأن و يعتبر كان مربي ولاد الإمبراطور ثيؤدوسيوس الكبير في القصر في روما. يعني عايش في عز ما بعده عز. لكن قلبه كان في حتة تانية. فضل يصلي لربنا ويقوله "يارب، دلني على طريق خلاصي". فسمع صوت بيقوله : "يا أرسانيوس، اهرب من الناس، تسلم".
ساب كل حاجة، المجد والفلوس والسلطة، وهرب على صحراء مصر، على برية شيهيت. هناك عاش حياة تقشف وصمت رهيبة. الناس كانت بتسميه "أرسانيوس الغريب" لأنه مكنش بيكلم حد تقريبا. لكن كان عنده لغة تانية بيتكلم بيها مع ربنا : لغة الدموع.
تلاميذ القديس أرسانيوس بيقولوا عنه موضوع عجيب . إنه من كتر البكاء في صلواته، رموش عينيه وقعت و كان عنده عادة غريبة، كان بيحط جنبه وهو بيشتغل في ضفر الخوص (شغل الرهبان وقتها) فوطة أو منديل. مش عشان يمسح عرقه من حر الصحرا، لأ. ده عشان يمسح دموعه اللي كانت بتنزل من غير توقف.
والأعجب من كدة، قصة بتقول إن الدموع المستمرة دي عملت زي مجرى أو خد على خدوده. زي ما ماية النهر بتحفر مجرى في الصخر، دموع القديس أرسانيوس حفرت طريقها على وشه. شوف قد إيه البكاء ده كان جزء من حياته اليومية، زي الأكل والشرب.
لما حد سأله مرة : "يا أبانا، ليه بتبكي كدة؟" رد عليهم رد عميق : "أنا أبكي على الساعة التي سأقف فيها أمام الديان العادل. فإني قضيت عمري في مُلك أرضي، ولم أعمل شيئًا يرضي الله". الراجل العظيم ده، بعد كل النسك والعبادة دي، كان لسة شايف نفسه ولا حاجة، ومحتاج لرحمة ربنا. هي دي دموع "البنثوس" في أنقى صورها.
==================
القديس يوحنا السلمي (الدرجي) : مؤلف سلم الدموع :
يوحنا السلمي اتكلمنا عنه من شوية لكن لازم نقف عنده تاني القديس يوحنا ده كان عامل زي المهندس الروحي مسك الحياة الروحية وفصصها درجة درجة، 30 درجة زي سنين حياة المسيح على الأرض قبل الخدمة. والدرجة السابعة سماها (عن الحزن المنجي أو عن البكاء المفرح)
في الدرجة دي بيدينا رسالة كاملة عن الدموع. بيقول إن فيه ناس دموعها بتنزل من طبيعتها (يعني بيبكوا بالفطرة)، وناس دموعها بتنزل من الألم والتعب، وناس دموعها بتنزل من الكبرياء والغرور (عشان يوروا الناس إنهم قديسين الي هي المرائية و التقوي المزيفة). كل ده ولا يسوى حاجة. الدموع اللي ليها قيمة هي اللي بتنزل من التفكير في الخطية وفي الدينونة الأبدية
القديس يوحنا بيقول :"لا تثق بفيض دموعك قبل أن تتنقّى تمامًا من أهوائك. فالخمر الجديدة (الدموع) التي توضع في زقاق قديمة (قلب غير نقي)، غالبا لا تفسد"
يعني بيقولك اوعى تفرح بدموعك وتفتكر نفسك قديس، لو قلبك لسة مليان شهوات وحقد وكبرياء. لازم الدموع تكون نتيجة جهاد وتنقية، مش مجرد مشاعر وقتية.
وبيدينا تدريب عملي، بيقول : "اجتهد أن ترفع فكرك من البكاء الجسدي إلى البكاء الروحي. اجلس في مكان هادئ، وفكّر في يوم موتك، وفي وقوفك أمام الله، وفي إجاباتك التي ستقدمها عن حياتك. هذا الفكر سيُولد فيك دموعًا حقيقية لا تتوقف".
يعني بيوصف لينا الزناد اللي بيفجر ينبوع الدموع الحقيقية : "ذِكر الموت والدينونة". مش عشان يخوفنا ويعقدنا، لكن عشان يفوقنا من الغفلة اللي إحنا فيها.
==================
مار إسحق السرياني : شاعر الحب الإلهي المذروف بالدموع
ده كان علامة كبير عايش في القرن السابع، أسقف نينوى، لكنه ساب الأسقفية بعد 5 شهور بس وهرب للصحرا، لأنه حس إن قلبه مش هيلاقي راحته غير في الوحدة مع ربنا. كتاباته كلها عبارة عن قصايد حب مكتوبة لربنا، والحبر بتاعها كان الدموع.
مار إسحق هو اللي شرح بعمق الفرق بين النوعين بتوع الدموع. هو اللي علمنا إن الدموع ممكن تكون "حامية" (بتاعة الخوف من الخطية) وممكن تكون "باردة" أو "حلوة" (بتاعة الفرح بحضور ربنا).
من أجمل أقواله اللي بتلخص فلسفته كلها : "الدموع أثناء الصلاة هي علامة قبول الله للصلوات، وأن النفس قد بدأت تدخل في ميدان النقاء. فإذا فاضت الدموع منك بغزارة في صلاتك دون إرادة منك، فابتهج، لأنك قد عبرت بحر هذا العالم ودخلت الميناء الإلهي"..
شوف التشبيه، كأنك راكب مركب في بحر الدنيا الهائج، والدموع دي هي العلامة إنك خلاص وصلت المينا بأمان.
وعنده قول تاني مرعب في جماله، بيوصف إزاي القلب اللي داق حلاوة الدموع دي مبيقدرش يعيش من غيرها : "النفس التي ذاقت حلاوة الدموع الإلهية، لا تستطيع أن تُحرم منها ولو ليوم واحد دون أن تشعر بألم مرير، كمن يُفطم عن ثدي أمه".
يعني الدموع عنده مكنتش واجب ولا فرض، دي كانت "لذة"، كانت "متعة روحية". زي ما واحد بيستمتع بأغنية حلوة، هو كان بيستمتع باللحظات اللي بيقضيها باكيًا قدام ربنا، لأن في اللحظات دي كان بيحس إنه قريب من ربنا أكتر من أي وقت تاني.
==================
الأنبا بموا (بيمن) : حكمة الصحراء في دمعة
الأنبا بموا ده كان من أشهر آباء الصحراء في القرن الرابع، وكان معروف بحكمته الشديدة. أقواله كانت قصيرة ومختصرة لكن زي الرصاصة، بتصيب الهدف علطول. مكنش فيلسوف او علامة زي مار إسحق، لكنه كان راجل عملي جدا.
له كلام مهم جدا بيلخص أهمية البكاء في كلمتين. سألوه مرة : "يا أبانا، ماذا يفعل الإنسان ليهرب من دينونة الله؟". فرد عليهم وقال : "ابكِ على الدوام. ابكِ في كل وقت. إن استطعت أن تبكي، فابكِ".
ولما سألوه عن واحد راهب مشهور الناس كلها بتقول عليه قديس، الأنبا بموا قالهم : "مادام الإنسان لا ينوح على نفسه كل يوم، فليس هو راهبًا". يعني المقياس عنده للرهبنة الحقيقية مش كتر الصوم ولا الصلاة، لكن القلب المنسحق اللي بيبكي على خطاياه باستمرار.
وعنده قصة بيقول انه مرة كان قاعد مع شوية رهبان، وفضل ساكت خالص. أخوه اللي معاه قاله : "قولنا كلمة يا أبانا عشان نستفيد". بص لهم الأنبا بموا وقال : "ماذا أقول لكم؟ فمي مملوء من مرارة خطاياي، فكيف أفتح فمي لأعلمكم؟" وبعدين ابتدى يبكي بمرارة. الرهبان لما شافوا المنظر ده، حسوا إنهم خدوا أعظم عظة في حياتهم من غير ولا كلمة، مجرد إنهم شافوا انسحاق القديس ده ودموعه.
الناس دي مكنتش بتمثل، دي كانت حياتهم. الدموع كانت لغة، كانت صلاة، كانت سلاح، وكانت شهادة ميلاد لعلاقة حقيقية مع ربنا.
==================
الفصل الرابع : إزاي نوصل للنشوة الروحية ديه و فايدتها في حياتنا ؟
ممكن تقولي الكلام ده جميل وتقيل، بس ده كلام قديسين كبار عايشين في الصحرا لكننا مش زيهم ابو بنفس قوتهم و تحملهم ؟
و عندك حق بس الآباء نفسهم مجوش قالوا إن الدموع دي بتيجي بالطلب أو بالضغط على النفس. دي "موهبة"، يعني عطية من ربنا. لكن زي أي عطية، لازم نجهز المكان عشان نستقبلها. زي ما بتنضف بيتك وتجهزه عشان تستقبل ضيف عزيز، لازم نجهز قلبنا عشان نستقبل "موهبة الدموع" دي. إزاي ؟
===========
او حاجة متصطنعش الدموع :
أول وأهم حاجة. أوعى في يوم تحاول "تعيط بالعافية". الآباء بيحذروا من دي وبيسموها "دموع الرياء". إنك تعصر في نفسك عشان تنزل دمعتين قدام الناس فيبان إنك خاشع وتقي. دي خطية كبرياء بشعة و رياء و مرائية. ربنا مش عايز دموعك، هو عايز قلبك. لو قلبك منسحق بجد، الدموع هتنزل لوحدها. ولو منزلتش، مش مهم. المهم الحالة اللي جوه القلب.
القديس يوحنا كاسيان بيقول : "هناك دموع خطيرة، وهي التي تنبع من الكبرياء، عندما يبكي الإنسان لا على خطاياه، بل ليُظهر للآخرين تقواه. هذه الدموع لا تطفئ نار الشهوات، بل تزيدها اشتعالاً".
فالخطوة الأولى هي الصدق والأمانة مع النفس. اطلبها من ربنا بصدق، لكن متجبرش نفسك عليها و خليك امين.
==================
ازرع البذور اللي بتجيب مطر الدموع :
الدموع زي المطر، مبتنزلش من السما على أرض بور. لازم تكون الأرض متجهزة ومزروعة. إيه هي البذور دي؟
كلمة ربنا والمزامير : خلي ليك كل يوم وقت، حتى لو 10 دقايق، تقرا فيهم الإنجيل بهدوء. مش قراية جرايد. اقرا واسأل نفسك : "الكلام ده بيقولي إيه أنا النهاردة ؟". والمزامير بالذات، دي كانت كتاب صلاة آباء الصحراء. المزمور 51 (مزمور التوبة) لوحده كفيل يفجر ينابيع دموع لو صليت بيه بقلبك : "اغْسِلْنِي كَثِيرًا مِنْ إِثْمِي وَمِنْ خَطِيَّتِي طَهِّرْنِي... قَلْبًا مُنْكَسِرًا وَمُنْسَحِقًا يَا اَللهُ لاَ تَحْتَقِرُ".
الخلوة والصمت : في وسط دوشة اليوم، حاول تخطف لنفسك 5 دقايق صمت. اقفل الموبايل، اقفل التلفزيون، اقعد لوحدك. بس كدة. في الصمت ده هتبتدي تسمع صوت نفسك، وهتبتدي تشوف حالك عامل إزاي. الدوشة بتخلينا نهرب من نفسنا، والصمت بيواجهنا بيها. والمواجهة دي هي أول طريق للدموع.
ذِكر الموت : مش عشان نكتئب، لكن عشان نفوق و نطلب الحياة الأبدية مع الرب القدوس الآباء كانوا بيقولوا : "تذكّر موتك في كل لحظة، فلا تخطئ إلى الأبد". لما تفكر إن العمر ده لحظة وهيخلص، وإنك هتقف قدام ربنا، كل تفاهات الدنيا بتصغر في عينك، وبتبتدي تركز في المهم. الفكرة دي لوحدها بتكسر الكبرياء وبتجيب انسحاق حقيقي.
أعمال الرحمة : من أغرب الحاجات اللي الآباء اكتشفوها. إنك لما بتحس بآلام الناس وتساعدهم، قلبك بيرق وبيحس. لما تزور مريض، لما تساعد محتاج، لما تطبطب على حزين، قسوة قلبك بتدوب. والقلب الرقيق ده هو اللي بيعرف يبكي قدام ربنا. مار إسحق بيقول : "القلب الرحيم هو الذي يلتهب بالحب من أجل الخليقة كلها... وهذا يجعله يصلي بدموع في كل ساعة".
==================
طب لو مش بعرف ادمع خالص ؟
ده سؤال مهم . فيه ناس طبيعتها كدة، دموعها مش قريبة. هل ده معناه إنهم بعيد عن ربنا ؟ طبعا لأ.
الآباء بيقولوا إن "الدموع الداخلية" أهم من "الدموع الخارجية". يعني إيه ؟ يعني حزن القلب وانسحاقه اللي جوه أهم من الدموع اللي بتنزل على الخد. ممكن واحد يكون بينوح من جواه وبيتلوى من ألم خطيته، لكن مفيش دمعة واحدة بتنزل من عينه. ده عند ربنا مقبول جدا، ويمكن أكتر من واحد دموعه سيول لكن قلبه من جوه ناشف.
الأنبا إشعياء الإسقيطي ليه كلام جميل في النقطة دي بيقول : "لا تحزن إذا لم تكن لك دموع جسدية، ولكن احزن بالحري إذا لم يكن لقلبك دموع داخلية. لأن الله لا ينظر إلى الدموع التي تسيل من العينين، بل إلى الدم الذي يسيل من القلب بسبب الألم على الخطايا".
فالهدف مش العياط في حد ذاته. الهدف هو "القلب المنسحق". الدموع مجرد علامة خارجية جميلة على الحالة دي، لكن لو العلامة مش موجودة والجوهر موجود، فده كفاية جدا في عيون ربنا اطلب من ربنا "حزن القلب"، وهو لوحده لو شايف إن الدموع مفيدة ليك، هيبعتهالك كعطية في وقتها.
الرحلة دي يا صاحبي مش سباق سرعة، دي رحلة عمر. يوم فوق ويوم تحت. يوم قلبك ناشف زي الحجر، ويوم تاني تلاقيه بينزل دموع زي المطر من كلمة واحدة سمعتها. المهم منستسلمش، ونفضل دايما بنجهز الأرض، وبنطلب من ربنا "مطر نعمته".
==================================
عايز أختملك الرحلة دي بمشهد بنعيشه كل أسبوع، لكن يمكن مابنركزش فيه قوي. مشهد القداس الإلهي. عايزك المرة الجاية لما تحضر قداس، تشوفه بعين تانية، تشوفه كـسيمفونية دموع متكاملة، بتلخص كل اللي حكينا فيه ده.
تخيل معايا... إنت داخل الكنيسة شايل على كتفك هموم أسبوع بحاله، خطاياك اللي بتقع فيها كل شوية، ضعفك اللي كرهته، الناس اللي زعلتها والناس اللي زعلوك، قلبك مقفول ومطفي. بيبتدي قداس الموعوظين، بتسمع البولس بيحذرك، الكاثوليكون بيشجعك، الإبركسيس بيحكيلك عن قوة الروح القدس. كل ده بيبتدي يجهز قلبك، يفك القفلة اللي فيه شوية. وبعدين، بيتقري الإنجيل. كلمة ربنا الحية بتدخل زي النور في حتة ضلمة. بتقف تسمع العظة، ممكن كلمة فيها تخبط فيك، تحس إنها ليك، فتبتدي تحس بوخزة في قلبك. هنا بتبدأ رحلة دموع "البنثوس" المُرّة.
في أوشية المرضى والراقدين والمسافرين، بتفتكر كل الناس اللي بتتألم، فقلبك بيوجعك عليهم. وبعدين بنقول "كيرياليسون" أربعين مرة، "يارب ارحم"، بنصلي من جوانا الصلاة دي هي قلب دموع التوبة. قلبك بينسحق، بتعترف بينك وبين نفسك إنك خاطي ومستاهلش.
وبعدين... بتحصل المعجزة. أبونا بيرفع الصليب وبيقول "السلام لجميعكم"، وبياخد الحل من فم المسيح نفسه ويدهولنا. هنا فيه نقلة بتحصل. زي ما يكون ربنا بيطبطب على كتفك ويقولك "خلاص يا ابني، أنا سامحتك، توبتك مقبولة". القلب اللي كان منسحق بالندم، بيبتدي يحس بالسلام.
وهنا بتبتدي المرحلة التانية من السيمفونية. بيبتدي قداس المؤمنين، رحلة دموع "الخاريس" الحلوة. بتبتدي صلوات التقديس، الكلام اللي بيتقال ده مش كلام عادي، ده كلام حب بين السما والأرض. بتسمع "آجيوس، آجيوس، آجيوس"، قدوس، قدوس، قدوس، بتحس برهبة الحضور الإلهي، بتحس إنك واقف مع الملايكة بترنم. هنا ممكن تنزل منك دمعة، مش دمعة ندم، دي دمعة رهبة وخشوع من عظمة اللي بيحصل.
الكاهن بيكمل وبيحكي قصة الخلاص كلها، إزاي ربنا خلقنا، وإزاي سقطنا، وإزاي مجاش ملاك ولا رئيس ملايكة، لكن هو بنفسه نزل واتجسد واتصلب وقام عشان يفدينا. وإنت بتسمع قصة الحب العجيبة دي، قلبك بيدوب. "إزاي بتحبني كدة يارب؟ أنا اللي عملت فيك كل ده، وإنت لسة بتحبني الحب ده كله؟". هنا بتنزل دمعة تانية، دمعة حب وامتنان، دمعة الواحد اللي مش مصدق كمية الحب اللي بتتدلق عليه.
وتوصل السيمفونية للذروة بتاعتها. لحظة حلول الروح القدس على الخبز والخمر عشان يحولهم لجسد ودم المسيح الحقيقيين. الكنيسة كلها بتسجد، والصمت بيبقى رهيب، مفيش غير صوت الشماس وهو بيقول "اسجدوا لله بخوف ورعدة". في اللحظة دي، إنت مش على الأرض، إنت في السما. دموع الشوق بتنزل منك. الشوق إنك تتحد باللي بتحبه ده.
وبعد القسمة، وتلاوة أبانا الذي، بتيجي اللحظة اللي مستنيها. لحظة التناول. بتمشي في الزفة دي، بتقرب من المذبح، وقلبك بيدق. بتاخد في فمك الجسد والدم، بتاخد الحياة الأبدية نفسها جواك. بترجع مكانك، بتغمض عينك، وإنت حاسس إنك شايل الكون كله جواك. في اللحظة دي بالذات، ممكن تنزل منك دمعة أخيرة. دمعة هادية، دافية، وحلوة. دمعة مش بتتكلم، لكنها بتقول كل حاجة. بتقول "شكرًا"، وبتقول "بحبك"، وبتقول "خليني معاك علطول". الدمعة دي مش مجرد مية مالحة، دي خلاصة رحلتك كلها. دي مرارة الندم اللي اتحولت لحلاوة الحب. دي النفس اللي كانت ميتة ورجعت عاشت تاني.
==================================
مراجع المقالة :
St. John Climacus, The Ladder of Divine Ascent (especially Step 7: "On Joy-Making Mourning").
St. Isaac the Syrian, The Ascetical Homilies.
Apophthegmata Patrum (trans. The Sayings of the Desert Fathers ).
St. Gregory of Nazianzus, Oration 39: On the Holy Lights.
St. John Chrysostom, Homilies on Repentance.
St. John Cassian, The Conferences (especially Conference 9: "On Prayer").
Abba Isaiah of Scetis, The Ascetical Discourses (Asceticon).
==================================
بس و سلام المسيح مع جميعكم
#فهم_العقيدة
#ابائيات
بس و سلام المسيح مع جميعكم
#فهم_العقيدة
#ابائيات

اكتب رأيك في هذه المقالة