الرسالة إلى ديوجنيتس

بسم الاب و الابن و الروح القدس الاله الواحد .امين.:
#ابائيات
#تاريخ_كنسي
================================
الرسالة إلى ديوجنيتس
================================
الرسالة إلى ديوجنيتس دي بيسموها علماء التاريخ واللاهوت درة و جوهرة و لؤلؤة الأدب و الدفاع المسيحي المبكر. هي مش مجرد رسالة عادية دي تعتبر واحدة من أقدم وأقوى الدفاعيات (Apologetics) عن المسيحية.
الرسالة دي بتتميز بأسلوب أدبي راقي جدا، لغة يونانية فخمة، وعمق روحي كبير هي مش مجرد رسالة وعظ دي تعتبر أجمل وأرق دفاع عن المسيحية اتكتب في العصور الأولى. لغتها يونانية فصيحة جدا، وأسلوبها بلاغي عالي، وفيها روح مختلفة عن كل كتابات الدفاع اللي كانت موجودة وقتها. هي بتوصف المسيحيين وصف ساحر الرسالة دي بتجاوب على أسئلة وجودية كان بيسألها واحد وثني محتار، وعاوز يعرف إيه سر الايمان الجديد الي بقي موجود (المسيحية) هي بتشرح : مين هم المسيحيين ؟ عايشين إزاي ؟ وإيه سر إيمانهم ؟
================================
الفصل الاول : الاساس و الاكتشاف و اصل الرسالة
الرسالة دي فضلت مجهولة خالص لمئات السنين. محدش من المؤرخين الكبار زي يوسابيوس القيصري أو جيروم او ابو التاريخ الكنسي الاول هيجيسيبوس و غيرهم جاب سيرتها. وفجأة، في سنة 1436م (يعني في القرن الـ 15)، راهب إيطالي شاب اسمه توماس دي أريتسو كان بيتمشى في القسطنطينية (إسطنبول دلوقتي). دخل محل سمك (أو مكان بيبيع ورق خردة، الروايات اختلفت بس الفكرة إنها كانت مهملة)، ولقى كراسة قديمة مليانة تراب وسط كومة ورق كانت هتترمي أو يتلف فيها بضاعة.
المخطوطة دي اتنقلت من إيد لإيد لحد ما استقرت في مكتبة ستراسبورغ في فرنسا. العلماء بدأوا يدرسوها وعرفوا قيمتها الرهيبة. لكن للاسف في سنة 1870م، وأثناء الحرب الفرنسية البروسية، المكتبة دي انضربت واتحرقت، والمخطوطة الأصلية الوحيدة في العالم اتحولت لرماد لكن من حظ البشرية إن قبل الحريقة دي بكام سنة، كان فيه علماء نُسّاخ نقلوا النص بدقة شديدة وعملوا منه نسخ مطابقة للأصل اهمهم هو الناسخ و الكاتب هنري إستيين. فاللي بين إيدينا دلوقتي هو النسخ دي، ولولاهم كان الكنز ده ضاع للأبد.
================================
هذه التحفة التاريخية منعرفش مين كتبها و ده أكبر لغز في الرسالة. المخطوطة الأصلية مكنش عليها اسم الكاتب لكنه سمى نفسه في النص ماثيتيس (Mathetes) هو صفة. الراجل ده كان بلاغي، فيلسوف، لغته اليونانية عالية جدا،
و كلمة ماثيتيس دي كلمة يونانية معناها تلميذ. يعني هو بيقدم نفسه بصفته تلميذ للرسل
العلماء والباحثين قعدوا سنين يحاولوا يخمنوا مين العبقري اللي كتب الكلام ده. وفيه كذا رأي :
القديس كوادراتوس (Quadratus) : وده رأي قوي جدا. كوادراتوس ده كان مدافع مسيحي قدم دفاع للإمبراطور هادريان، وفيه تشابه كبير بين أسلوبهم.
أريستيدس (Aristides) : فيلسوف أثيني مسيحي و مدافع مؤثر.
هيبوليتوس الروماني (Hippolytus) : وده رأي لبعض العلماء الكبار، بيقولوا إن الأسلوب واللاهوت قريبين منه.
بانتينوس (Pantaenus) : مدير و ناظر مدرسة الإسكندرية اللاهوتية (معلم اكليمندس السكندري)، وده رأي مرجح لأن الرسالة فيها نفس عمق وفلسفة مدرسة الإسكندرية.
لكن حتي الان الكاتب مجهول الاسم، لكنه معروف الروح. هو تلميذ للرسل وعايش في قلب الحدث احنا منعرفش اسمه الحقيقي، بس نعرف روحه. هو شخص مثقف جدا، ضليع في الفلسفة اليونانية، ومتمكن جدا من الكتاب المقدس، وعنده قلب ناري بيحب المسيح

بخصوص بقي المرسل إليه (ديوجنيتس) :
هنا نسأل مين الشخصية المهمة دي اللي واحد مسيحي بيكتب له رسالة طويلة جدا و دسمة عشان يقنعه بالإيمان ؟
كلمة ديوجنيتس معناها المولود من زيوس (ابن الآلهة)، وده كان لقب تشريف.
الاحتمال الأكبر : هو كلوديوس ديوجنيتس، وده كان حاكم
(Procurator) في مصر سنة 197م تقريبا و كان المعلم الخاص للإمبراطور الفيلسوف ماركوس أوريليوس
(ماركوس اوريليوس كان فيلسوف لكن مجرم لانه اضطهد المسيحين جدا و قتل عشرات الالاف منهم في مدن كتير اشهرهم مذبحة ليون و غيرها و له معلم اخر و هو الحاكم الروماني روستيكوس الي عذب و قتل الشهيد يوستينوس الفيلسوف و المدافع هو و تلاميذه)
نرجع للموضوع الراجل ده كان وثني، مثقف، عنده أسئلة وجودية عميقة، وكان بيستفسر بجدية : مين هو إله المسيحيين؟ وليه مش خايفين من الموت ؟ وليه الدين ده ظهر دلوقتي مش زمان ؟
================================
الفصل التاني : محتويات الرسالة :
الرسالة دي متقسمة لـ 12 فصل، كل فصل فيها بيضرب على وتر معين هنشوفهم مع بعض :
المقدمة (الفصل 1) : ترحيب بديوجنيتس ومدح لرغبته في المعرفة.
الهجوم على الوثنية (الفصل 2) : تكسير أصنام (حرفيا وفكريا).
الهجوم على الطقوس اليهودية (الفصل 3-4) : نقد للشكليات.
حياة المسيحيين في العالم (الفصل 5-6)
اللاهوت وإعلان الله (الفصل 7-8) : مين هو الله ؟
التجسد والفداء (الفصل 9)
الخاتمة (الفصل 10-12): دعوة للإيمان (وفي شك إن الفصلين 11 و12 مضافين من عظة تانية لنفس الكاتب، بس بيكملوا المعنى).
نيجي للمهم و ركز معايا في الكلام اللي ده لأنه هو اهم ما كتب في تاريخ المسيحية المبكرة و هو اللي خلت الرسالة دي تعيش اكتر من 1850 سنة :
اولا بيبدأ بالترحيب و بيمدح انه بيحبث عن الحقيقة و في المسيحية و بيقول الكاتب للحاكم في الفصل الاول الاتي :
يا ديوجنيتوس الكريم، أرى أنك تتوق بشدة لمعرفة كيف يعبد المسيحيون إلههم. لقد طرحت أسئلتك عنهم بعناية وإخلاص: ما الذي يميز الإله الذي يؤمنون به، وشكل الدين الذي يتبعونه، والذي يجعلهم ينظرون إلى الدنيا بازدراء ويحتقرون الموت؟ لماذا يرفضون الآلهة اليونانية والخرافات اليهودية على حد سواء؟ وماذا عن المودة التي تجمعهم؟ ولماذا ظهرت هذه الجماعة الجديدة وممارساتها مؤخرًا فقط؟
أرحب ترحيبًا حارًا برغبتك هذه، وأتضرع إلى الله، الذي يرزقنا الكلام والسمع، أن يمنحني القدرة على الكلام، حتى أسمع أنك قد استفدت، وأن يمنحك القدرة على السمع، حتى لا أندم على كلامي.

بعدين بيبدأ بكسير دماغ الوثنية ونقد الأصنام
الكاتب بيكلم ديوجنيتس بعقله و ده جزء في الفصل التاني. بيقوله الاتي :
تعالوا إذن، بعد أن تتحرروا من كل الأحكام المسبقة التي تسيطر على عقولكم، وتخلّوا عما اعتدتم عليه، باعتباره شيئًا يُضلّكم، وكونوا، كما لو كنتم قد بُعثتم من جديد، إذ أنكم، بحسب اعترافكم، ستستمعون إلى عقيدة جديدة؛ تعالوا وتأملوا، لا بأعينكم فقط، بل بعقولكم أيضًا، جوهر وهيئة من تعتبرونهم آلهة.
أليس أحدها حجرًا شبيهًا بالحجر الذي ندوس عليه؟ أليس الثاني نحاسًا، لا يختلف بأي حال من الأحوال عن الأواني المصنوعة لاستخدامنا العادي؟ أليس الثالث خشبًا، وقد فسد؟ أليس الرابع فضة، تحتاج إلى من يحرسها خشية سرقتها؟ أليس الخامس حديدًا، أفسده الصدأ؟ أليس السادس فخارًا، لا يزيد قيمةً بأي حال من الأحوال عن الفخار المصنوع لأبسط الأغراض؟
أليست كل هذه من مادة قابلة للتلف؟ أليست هذه الأشياء مصنوعة بالحديد والنار؟ ألم يصنع النحات أحدها، وصانع الأواني ثانيًا، وصائغ الفضة ثالثًا، والخزّاف رابعًا؟ ألم يكن كل واحد منها، قبل أن تُشكّله فنون هؤلاء الحرفيين على هيئة هذه الآلهة، عرضةً للتغيير بطريقته الخاصة؟ ألا تصبح تلك الأشياء التي هي الآن أوانٍ، والمصنوعة من نفس المواد، شبيهةً بها لو صادفت نفس الحرفيين؟ ألا يمكن أن تُصنع هذه التي تعبدونها الآن، من قِبل البشر، أوانٍ شبيهةً بغيرها؟ أليست جميعها صماء؟ أليست عمياء؟ أليست بلا حياة؟ أليست بلا إحساس؟ أليست عاجزة عن الحركة؟ أليست جميعها عرضةً للتلف؟ أليست جميعها قابلةً للفساد؟

الأسلوب هنا ساخر ومنطقي جدا. هو مش بيشتم، هو بيعري الفكرة وبيقوله إن عبادة المادة دي إهانة للعقل البشري
==================
ليه المسيحيين مش يهود ؟
ديوجنيتس كان بيسأل : طيب أنتم بتعبدوا إله واحد زي اليهود، ليه مش عايشين زيهم؟. الكاتب رد عليه رد قوي و قاله في الفصل التالت :
وأظن أنكم ترغبون بشدة في سماع شيء بخصوص هذه النقطة، وهو أن المسيحيين لا يمارسون نفس طقوس العبادة التي يمارسها اليهود. فاليهود، إذن، إن امتنعوا عن نوع العبادة الموصوفة آنفًا، ورأوا أنه من المناسب عبادة إله واحد ربًا على كل شيء، فهم على صواب؛ أما إن قدموا له العبادة بالطريقة التي وصفناها، فهم مخطئون خطأً فادحًا. فبينما يُظهر الوثنيون، بتقديمهم مثل هذه الأشياء لمن لا إدراك لهم ولا سمع، مثالًا على الجنون؛ فإنهم، من جهة أخرى، بتوهمهم تقديم هذه الأشياء لله كما لو كان محتاجًا إليها، قد يعتبرون ذلك ضربًا من الحماقة لا عبادة إلهية. فمن خلق السماوات والأرض وكل ما فيهما، ويهبنا كل ما نحتاج إليه، لا يطلب منا شيئًا مما يمنحه لمن يظن أنه يقدمه له. أما أولئك الذين يتوهمون أنهم يقدمون له الذبائح [المقبولة] عن طريق الدم ودخان الذبائح والمحرقات، وأنهم بهذه التكريمات يظهرون له الاحترام، فهؤلاء، بافتراضهم أنهم يستطيعون إعطاء أي شيء لمن لا يحتاج إلى شيء، لا يبدو لي أنهم يختلفون بأي شكل من الأشكال عن أولئك الذين يتعمدون منح نفس التكريم لأشياء خالية من الحس، وبالتالي فهي غير قادرة على التمتع بمثل هذه التكريمات.
==================
اللوحة الفنية (من هم المسيحيين ؟)
دي أشهر حتة في الرسالة، وبتتدرس في كليات اللاهوت والتاريخ لحد النهاردة. الكاتب بيوصف المسيحيين بعبقرية اسمها المفارقة. بيقول الكاتب للحاكم الاتي :
بيحكي عن عادات المسيحين و عن الاضطهاد و عن حياة المسيحين كلها و عن الالم الي بيعيشوه و انهم مواطنين بقوا مسيحين حتي كارهينهم ملقوش سبب لكرههم و اضطهادهم و بيقول في الفصل الخامس :
لا يتميز المسيحيون عن غيرهم من الناس لا ببلدهم، ولا بلغتهم، ولا بعاداتهم. فهم لا يسكنون مدنًا خاصة بهم، ولا يستخدمون أسلوبًا كلاميًا مميزًا، ولا يعيشون حياة تتسم بأي غرابة. لم يأتِ سلوكهم من نتاج تأملات أو مداولات رجال فضوليين، ولا يدّعون، كغيرهم، أنهم دعاة لأي مذاهب بشرية بحتة. بل إنهم، بسكنهم في المدن اليونانية والبربرية على حد سواء، وفقًا لما يقتضيه نصيب كل منها، واتباعهم عادات السكان الأصليين في الملبس والطعام وسائر جوانب حياتهم اليومية، يُظهرون لنا أسلوب حياتهم العجيب والملفت للنظر. إنهم يقيمون في بلادهم، ولكن كغرباء. وبصفتهم مواطنين، يشاركون الآخرين في كل شيء، ومع ذلك يتحملون كل شيء كما لو كانوا غرباء. كل أرض أجنبية هي وطنهم، وكل أرض ولدوا فيها هي أرض غرباء. يتزوجون كما يفعل الجميع، وينجبون أولادًا، لكنهم لا يهلكون ذريتهم. لهم مائدة مشتركة، لكن ليس لهم فراش مشترك. هم في الجسد، لكنهم لا يعيشون وفقًا للجسد. (كورنثوس الثانية ١٠: ٣) يقضون أيامهم على الأرض، لكنهم مواطنون في السماء. (فيلبي ٣: ٢٠) يطيعون الشرائع المكتوبة، وفي الوقت نفسه يتجاوزونها بحياتهم. يحبون جميع الناس، ويُضطهدون من الجميع. مجهولون ومدانون، يُقتلون، ثم يُبعثون. (كورنثوس الثانية ٦: ٩) فقراء، ومع ذلك يُغنون كثيرين؛ (كورنثوس الثانية ٦: ١٠) هم في حاجة إلى كل شيء، ومع ذلك يفيضون في كل شيء؛ يُهانون، ومع ذلك في هزالهم يُمجّدون. يُشتمون، ومع ذلك يُبرَّرون؛ يُشتمون، فيباركون؛ (كورنثوس الثانية ٤: ١٢) يُهانون، فيردّون الإهانة بالإكرام. يفعلون الخير، ومع ذلك يُعاقبون كفاعلي شر. وعندما يُعاقبون، يفرحون كأنهم بُعثوا من جديد؛ يهاجمهم اليهود كغرباء، ويضطهدهم اليونانيون؛ ومع ذلك، يعجز كارهوهم عن إيجاد أي سبب لكراهيتهم.

بعدين بيكمل و يقول جملة مفاجاءة و عظيمة في الفصل السادس :
باختصار، (كما أن الروح في الجسد، كذلك المسيحيون في العالم. فالروح منتشرة في جميع أعضاء الجسد، والمسيحيون منتشرون في جميع مدن العالم. تسكن الروح في الجسد، لكنها ليست منه؛ والمسيحيون يسكنون في العالم، لكنهم ليسوا منه.)
فالروح غير المرئية يحرسها الجسد المرئي، والمسيحيون معروفون بوجودهم في العالم، لكن تقواهم تبقى غير مرئية. الجسد يبغض الروح ويحاربها، (١ بطرس ٢: ١١) مع أنه لا يُصاب بأذى، لأنه ممنوع من التمتع بالملذات. العالم يكره المسيحيين أيضًا، مع أنهم لا يُلحق بهم أي أذى، لأنهم ينبذون الملذات. النفس تحب الجسد الذي يكرهها، وتحب أعضاءه أيضًا؛ وكذلك المسيحيون يحبون من يكرههم. النفس محبوسة في الجسد، ومع ذلك تحافظ على تماسك ذلك الجسد؛ والمسيحيون محبوسون في العالم كما في سجن، ومع ذلك يحافظون على تماسك العالم. النفس الخالدة تسكن في مسكن فانٍ؛ والمسيحيون يسكنون كغرباء في أجساد فانية، ينتظرون مسكنًا خالدًا في السماوات. النفس، إذا ما شُريت من الطعام والشراب، تتحسن؛ وبالمثل، المسيحيون، مع أنهم يتعرضون للعقاب يومًا بعد يوم، يزدادون عددًا. لقد خصّص الله لهم هذه المكانة الرفيعة، التي لا يجوز لهم التخلي عنها.

التشبيه العبقري (الروح والجسد) الكاتب قال جملة للتاريخ (ما هي الروح في الجسد، هكذا المسيحيون في العالم. زي ما الروح ماسكة الجسد وبتحييه وهي مش منه،) المسيحيين ماسكين العالم بصلواتهم وأخلاقهم وهم مش منه
==================
بعد ما شرح سلوك المسيحيين، دخل في عقيدتهم. ديوجنيتس كان بيسأل : مين هو إلهكم ؟ الكاتب قاله نصوص عظيمة جدا في الفصل السابع و التامن :
فكما قلت، لم يكن هذا مجرد اختراع أرضي تم تسليمه إليهم، ولا هو مجرد نظام رأي بشري يرون أنه من الصواب الحفاظ عليه بعناية، ولم يتم تكليفهم بتدبير من مجرد أسرار بشرية، بل أرسل الله نفسه، القدير، خالق كل شيء، وغير المرئي، من السماء، ووضع بين الناس، [الذي هو] الحق، والكلمة المقدسة التي لا تُدرك، وثبّته في قلوبهم. لم يرسل، كما قد يتصور المرء، إلى البشر أي خادم، أو ملاك، أو حاكم، أو أيًا ممن يسيطرون على الأمور الأرضية، أو أحد ممن أوكلت إليهم إدارة الأمور في السماوات، بل الخالق والمصور لكل شيء - الذي خلق السماوات - الذي حصر البحر في حدوده - الذي تلتزم به جميع النجوم بدقة - الذي تلقت منه الشمس مقدار مسارها اليومي - الذي يطيعه القمر، إذ أُمر بالإضاءة في الليل، والذي تطيعه النجوم أيضًا، فتتبع القمر في مساره؛ الذي رتب كل شيء ووضعه في حدوده، والذي يخضع له الجميع - السماوات وما فيها، والأرض وما فيها، والبحر وما فيه - النار والهواء والهاوية - ما في الأعالي، وما في الأعماق، وما بينهما. أرسل إليهم هذا الرسول. فهل كان، كما قد يتصور البعض، بغرض ممارسة الطغيان، أو بث الخوف والرعب؟ كلا، بل بدافع الرحمة والوداعة. فكما يرسل الملك ابنه، وهو ملكٌ أيضًا، كذلك أرسله الله؛ أرسله كإله؛ أرسله إلى البشر؛ أرسله كمخلص، ساعيًا لإقناعنا لا لإجبارنا؛ فالعنف لا مكان له في صفات الله. أرسله داعيًا لنا، لا منتقمًا؛ أرسله محبًا لنا، لا قاضيًا. فهو سيرسله ليحكم علينا، ومن ذا الذي يحتمل ظهوره؟ (ملاخي ٣: ٢)
(هنا في فراغ كبير في المخطوطات عن الجزء ده بين الفصلين)
ألا ترونهم يُعرضون للوحوش الضارية، ليُغروا بإنكار الرب، ومع ذلك لا يُهزمون؟ ألا ترون أنه كلما زاد عدد من يُعاقب منهم، ازداد عدد الباقين؟ لا يبدو أن هذا من صنع الإنسان، بل هو من قدرة الله، وهذه دلائل تجليه.
فمن من البشر أدرك قبل مجيئه حقيقة الله؟ أتصدقون بتعاليم أولئك الذين يُظن أنهم فلاسفة موثوق بهم؟ منهم من قال إن النار هي الله، زاعمين أن الله هو الذي سيأتون إليه فيما بعد، ومنهم من قال إن الماء هو الله، ومنهم من قال إن بعض العناصر هي الله. ولكن لو كان أحد هذه النظريات صحيحًا، لكان من الممكن القول إن كل المخلوقات الأخرى هي الله. إلا أن هذه التصريحات ليست إلا أقوالًا مُضلّة ومُخادعة، ولم يره أحد ولم يُعرّف به، بل هو الذي كشف عن نفسه. وقد كشف عن نفسه بالإيمان، الذي به وحده يُمكن رؤية الله. إن الله، ربّ كل شيء وخالقه، الذي خلق كل شيء ورتب له أماكنه، أثبت أنه ليس مجرد صديق للبشرية، بل هو أيضًا صبورٌ في معاملته لهم. نعم، لقد كان دائمًا على هذه الصفة، ولا يزال، وسيظل دائمًا، كريمًا ورحيمًا، لا يعرف الغضب، صادقًا، وهو الوحيد الصالح المطلق؛ متى 19: 17، وقد كوّن في ذهنه فكرة عظيمة لا تُوصف، أوحى بها إلى ابنه وحده. وطالما احتفظ بحكمته في الخفاء، بدا وكأنه يهملنا ولا يكترث لأمرنا. ولكن بعد أن كشف لنا، من خلال ابنه الحبيب، ما كان مُعدًا منذ البدء، أنعم علينا بكل النعم دفعة واحدة، لنشارك في فضله، ونرى ونعمل في خدمته. من منا كان ليتوقع هذه الأمور؟ كان مدركاً، إذن، لكل شيء في ذهنه، إلى جانب ابنه، وفقاً للعلاقة القائمة بينهما.
==================
بعدين ديوجنيتس سأل : لو الدين ده حلو كده، ليه ربنا اتأخر وبعت المسيح متأخر ؟. الرد كان فلسفي وعميق قاله الكاتب في الفصل التاسع :
طالما استمر الزمن السابق، سمح لنا الله بأن ننجرف وراء نزعاتنا الجامحة، وأن تغرينا رغبة المتعة والشهوات المختلفة. لم يكن ذلك لأنه كان مسرورًا بخطايانا، بل كان يتحملها فحسب؛ ولم يكن ذلك لأنه كان يوافق على زمن ارتكاب الإثم الذي كان سائدًا آنذاك، بل كان يسعى إلى تكوين عقل واعٍ بالبر، حتى إذا اقتنعنا في ذلك الوقت بعدم استحقاقنا للحياة بأعمالنا، فإنه سيمنحها لنا الآن بفضل الله؛ وبعد أن بيّن لنا عجزنا عن دخول ملكوت الله بأنفسنا، أصبحنا قادرين على ذلك بقوة الله. ولكن عندما بلغ شرنا ذروته، وتبين لنا بوضوح أن جزاءه وعقابه وموته كانا يتربصان بنا؛ ولما حان الوقت الذي سبق أن حدده الله لإظهار لطفه وقدرته، كيف أن محبة الله الواحدة، برحمتها الفائقة بالبشر، لم تنظر إلينا بكراهية، ولم تطردنا، ولم تذكر إثمَنا، بل أظهرت صبرًا عظيمًا، وتحملتنا، وحمل هو نفسه عبء آثامنا، وبذل ابنه الوحيد فديةً عنا، القدوس عن المذنبين، والبريء عن الأشرار، والبار عن الظالمين، والذي لا يفنى عن الفاسدين، والذي لا يموت عن الفانين. فأي شيء آخر قادر على ستر خطايانا سوى بره؟ وبأي شيء آخر يمكننا نحن الأشرار والفجار أن نتبرر، إلا بابن الله الوحيد؟ يا له من تبادل حلو! يا له من عمل لا يُدرك! يا لها من منافع تفوق كل توقع! أن يُخفى شرّ الكثيرين في واحد بارّ، وأن يُبرّر برّ واحد كثيرين من المذنبين! فبعد أن أقنعنا في الماضي بأن طبيعتنا عاجزة عن بلوغ الحياة، وبعد أن كشف لنا الآن عن المخلص القادر على إنقاذ حتى ما كان مستحيلاً إنقاذه، أراد من خلال هاتين الحقيقتين أن يقودنا إلى الثقة في لطفه، وأن نعتبره مُغذينا، وأبانا، ومعلمنا، ومرشدنا، وشافينا، وحكمتنا، ونورنا، وشرفنا، ومجدنا، وقوتنا، وحياتنا، حتى لا نقلق بشأن الملبس والمأكل.

هو قال ان الله كان سايب البشر يجربوا عجزهم. كان لازم الإنسان يوصل لمرحلة يدرك فيها إنه مستحيل يخلص نفسه بنفسه، وإن قدراته العقلية والجسدية فاشلة في الوصول للسماء.
لما اكتمل الزمان وظهر عجز البشرية الكامل، ظهرت نعمة الله عشان المجد يروح لله مش لمجهود الإنسان. التوقيت كان لتربية البشرية وإعدادها لاستقبال المخلص.
==================
في الفصول الأخيرة من (10-12) الكاتب بيتحول لواعظ و بيقول للحاكم الاتي :
إن رغبتم أنتم أيضًا في امتلاك هذا الإيمان، فستنالون أولًا وقبل كل شيء معرفة الآب. فالله أحب البشر، ومن أجلهم خلق العالم، وأخضع لهم كل ما فيه، ومنحهم العقل والفهم، ومنحهم وحدهم نعمة النظر إليه، وصوّرهم على صورته، وأرسل إليهم ابنه الوحيد، ووعدهم بملكوت في السماوات، وسيعطيه لمن أحبوه. وعندما تنالون هذه المعرفة، بأي فرح تظنون أنكم ستمتلئون؟ أو كيف ستحبون من أحبكم أولًا هكذا؟ فإن أحببتموه، فستكونون مقتدين برحمته. ولا تتعجبوا أن يقتدي الإنسان بالله، فبإمكانه ذلك إن أراد. فليس بالسعادة أن يتسلط على جيرانه، ولا أن يسعى إلى السيطرة على من هم أضعف منه، ولا أن يكون غنيًا فيعتدي على من هم أدنى منه. ولا يستطيع أحدٌ بهذه الأمور أن يكون مُقتديًا بالله. ولكن هذه الأمور لا تُشكّل جلاله أبدًا. بل على العكس، من حمل على عاتقه همّ جاره، ومن كان مُتفوقًا في أي شيء، ولكنه مُستعدٌّ لنفع المُحتاج، ومن كان يُوزّع ما أنعم الله عليه على المحتاجين، فقد أصبح إلهًا في نظرهم، فهو مُقتديٌّ بالله. ثم سترون، وأنتم على الأرض، أن الله في السماوات يُدبّر الأمور، ثم ستبدأون في التحدّث عن أسرار الله، ثم ستُحبّون وتُعجبون بالذين يُعاقَبون لأنهم لا يُنكرون الله. حينها ستدينون خداع العالم وضلاله حين تعرفون حقيقة الحياة في الجنة، حين تحتقرون ما يُعتبر هنا موتًا، حين تخافون الموت الحقيقي، المُعدّ لمن سيُحكم عليهم بالنار الأبدية، التي ستُعذّب من يُسلّمون إليها حتى النهاية. حينها ستُعجبون بمن يتحملون النار، التي هي لحظة عابرة، من أجل البر، وتعتبرونهم سعداء حين تعرفون حقيقة تلك النار.
لا أتحدث عن أمور غريبة عليّ، ولا أسعى إلى شيء يتعارض مع العقل السليم؛ بل إني، بعد أن كنت تلميذًا للرسل، صرت معلمًا للأمم. أنقل ما أُسلم إليّ إلى التلاميذ المستحقين للحق. فمن ذا الذي تلقى تعليمًا صحيحًا وولد من الكلمة المحبة، لا يسعى إلى تعلم الأمور التي أوضحها الكلمة لتلاميذه، الذين كشفها لهم بوضوح، مخاطبًا إياهم بجلاء، حتى وإن لم يفهمها غير المؤمنين، بل مخاطبًا التلاميذ الذين، إذ اعتبرهم أمناء، اكتسبوا معرفة أسرار الآب؟ ولهذا السبب أرسل الكلمة، ليظهر للعالم؛ وقد احتقره اليهود، لكن عندما بشر به الرسل، آمن به الأمم. هذا هو الذي كان منذ البدء، الذي ظهر كأنه جديد، ووُجد قديمًا، ومع ذلك فهو يولد من جديد في قلوب القديسين. هذا هو الذي، كونه أزليًا، يُدعى اليوم الابن؛ الذي به تُثرى الكنيسة، وتنتشر النعمة على نطاق واسع، وتزداد في القديسين، مانحةً الفهم، وكاشفةً الأسرار، ومُعلنةً الأزمنة، ومبتهجةً بالمؤمنين، ومعطيةً للباحثين، الذي به لا تُخترق حدود الإيمان، ولا تُتجاوز الحدود التي وضعها الآباء. حينها يُرنَّم خوف الشريعة، وتُعرف نعمة الأنبياء، ويُثبت إيمان الأناجيل، ويُحفظ تقليد الرسل، وتفرح نعمة الكنيسة؛ هذه النعمة، إن لم تحزنوا، ستعرفون ما يُعلِّمه الكلمة، على من يشاء، ومتى يشاء. فكل ما يُلهمنا إليه كلام الله، ننقله إليكم بجهدٍ ومحبةٍ لما أُوحِيَ إلينا.
فإذا قرأتم هذه الأمور وأصغيتم إليها جيدًا، ستعرفون ما يُنعم به الله على من يُحبونه حقًا، إذ يجعلكم، كما أنتم، جنةً من النعيم، تُثمرون في أنفسكم شجرةً تُنبت كل أنواع الثمار وتُزهر وتُزين بثمارٍ متنوعة. ففي هذا المكان غُرست شجرة المعرفة وشجرة الحياة؛ ولكن ليست شجرة المعرفة هي المُهلكة، بل المعصية هي المُهلكة. وليست تلك الكلمات المكتوبة عبثًا، كيف غرس الله منذ البدء شجرة الحياة في وسط الجنة، كاشفًا من خلال المعرفة طريق الحياة، ولما لم يُحسن الذين خُلقوا استخدامها، جُردوا من عورتهم بخداع الحية. فليس للحياة وجودٌ بدون معرفة، ولا للمعرفة أمانٌ بدون حياة. لذلك زُرعا معًا. وقد أدرك الرسول قوة هذا الاقتران، وانتقد المعرفة التي يُسمح لها بالتأثير على الحياة دون عقيدة صحيحة، فأعلن: «المعرفة تُنفخ، أما المحبة فتبني». فمن يظن أنه يعلم شيئًا دون معرفة حقيقية، ومُثبتة بالحياة، لا يعلم شيئًا، بل يخدعه الشيطان لعدم محبته للحياة. أما من يجمع بين المعرفة والخوف، ويسعى وراء الحياة، فإنه يزرع على أمل، منتظرًا الثمر. فليكن قلبك حكمتك، ​​ولتكن حياتك معرفة حقيقية مُستقبَلة في الداخل. بإثمارك هذه الشجرة وإظهار ثمرها، ستجمع دائمًا ما يشتهيه الله، ما لا يصل إليه الشيطان، وما لا يقترب منه الخداع؛ ولم تُفسد حواء حينها، بل وُثِقت كعذراء. ويظهر الخلاص، ويمتلئ الرسل فهماً، ويقترب عيد الفصح، وتجتمع الجوقات وتصطف في ترتيب لائق، ويفرح الكلمة بتعليم القديسين الذين يتمجد بهم الآب، وله المجد إلى الأبد. آمين.

بيشرح شجرة المعرفة وشجرة الحياة
بيقول إن المعرفة بدون حياة بتموت، لكن المعرفة الحقيقية هي اللي بتقود للحياة
بيدعو ديوجنيتس إنه يقبل الإيمان ده عشان يدوق فرح الكلمة ويعرف أسرار الله اللي بيعلنها للي بيحبوه.
================================
الفصل التالت : اهمية الرسالة ديه تاريخيا و قيمتها العظيمة
الرسالة دي مش مجرد ورقة قديمة، دي بتعتبر :
أقدم نموذج للدفاعيات الراقية : مفيش فيها هجوم شخصي، لغتها يونانية كلاسيكية فخمة جدا (زي لغة أفلاطون وديموستينيس في قوتها و حكمتها و تأثيرها).
شهادة على نقاء الكنيسة الأولى : بتوريك إن المسيحيين الأوائل مكانوش دراويش منعزلين، كانوا ناس فاعلين في المجتمع بس محافظين على مبادئهم و بتوريك المسيحي الحق ازاي يجابه كل من يسأله و ازاي يبشر اقتضاء بالمسيح و بالرسل الاطهار
الرد على الهرطقات : الرسالة دي بترد بشكل غير مباشر على الغنوسية (اللي كانت بتحتقر الجسد والمادة) بتأكيدها إن المسيحيين عايشين في الجسد والمادة مش شر في حد ذاتها، لكن الشر في استخدامها غلط.
الرسالة إلى ديوجنيتس دي بتعلمنا إن الدفاع عن الإيمان مش بالصوت العالي ولا بالاستعلاء، لكن بتقديم نموذج حياة مختلف (روح في جسد)، وبشرح المنطق الإلهي (الحب والتبادل). الكاتب و الفيلسوف المسيحي المجهول ده ساب لنا إرث عظيم كأنه بيقول مش مهم اسمي يتعرف، المهم الحق يوصل
بس و سلام المسيح مع الجميع
================================
مراجع المقالة :
اراء الباحثين :
-Penguin Classics, Maxwell Staniforth Early Christian Writings, 1986, p. 173-184.
-H. Musurillo: The Fathers of the Primitive Church, 1966, p. 147-149.
-Piere Fraco Batrice: Introduction to the Fathers of the Church, 1987, p. 73-76,
-Anne Fremanthe: A Treasury of Early Chirisianity, 1960, p. 46-50.
شهداء ليون :
-Eusebius of Caesarea.Church History (Book V) Chapter 1/5/7
استشهاد يوستينوس و تلاميذه :
-The martyrdom of the holy martyrs Justin, Chariton, Charites, Pæon and Liberianus, who suffered at Rome (or) The Martyrdom of Justin. Translated by Marcus Dods. From Ante-Nicene Fathers, Vol. 1. Edited by Alexander Roberts, James Donaldson, and A. Cleveland Coxe. (Buffalo, NY: Christian Literature Publishing Co., 1885.)
الرسالة نفسها :
The Epistle of Mathetes to Diognetus. Translated by Alexander Roberts and James Donaldson. From Ante-Nicene Fathers, Vol. 1. Edited by Alexander Roberts, James Donaldson, and A. Cleveland Coxe. (Buffalo, NY: Christian Literature Publishing Co., 1885.)

Siervo De Jehová
بواسطة : Siervo De Jehová
"لكي تجثو باسم يسوع كل رُكْبَةٍ" (في 2: 10)
Comments