هل المسيحية انتشرت بالسيف في مصر ؟
في اقتباس احد الاخوة من كتاب الانبا شنودة رئيس المتوحدين
الرد
القراءة المطروحة هنا لا تعاني من نقص في المعلومات بقدر ما تعاني من خلل منهجي واضح؛ إذ تقوم على القفز فوق السياق التاريخي، واختزال مسار معقّد امتد قرابة أربعة قرون في مرسوم إمبراطوري متأخر، وكأن التاريخ يُكتب بأثرٍ رجعي.
فالمسيحية لم تبدأ مع ثيؤدوسيوس، ولم تنتشر بقرار إداري، ولم تتكوّن عقيدتها في ظلال السلطة. بل على العكس تمامًا: تشكلت ونضجت وانتشرت في سياق اضطهاد طويل، أسهم فيه الشهداء بدمائهم، والمفكرون بنتاجهم اللاهوتي، والمدارس الكبرى – وعلى رأسها مدرسة الإسكندرية – بصياغة منظومة فكرية ولاهوتية متماسكة قبل أن تصبح المسيحية دينًا معترفًا به رسميًا داخل الدولة الرومانية.
وفي هذا الإطار، تشهد المصادر الأولية – وعلى رأسها أوراق البردي – بانتشار المسيحية في مصر على نطاق واسع منذ القرنين الثاني والثالث، بالتوازي مع ظهور مؤسسات مسيحية فاعلة ومتنامية التأثير¹. كما برزت قيادات الرهبنة المصرية، لا سيما من صعيد مصر، مثل الأنبا أنطونيوس أبي الرهبان، والأنبا بولا الطيبي، والأنبا باخوميوس أب الشركة، إلى جانب عدد كبير من الآباء والقيادات الكنسية التي لعبت أدوارًا محورية في تاريخ المسيحية المبكر وبعضهم من مصر العليا وهذا دليل واضح وضوح الشمس على إمتداد المسيحية حتى جنوب مصر في الصعيد.
وتكشف الشواهد عن كثافة مسيحية لافتة في بعض المناطق؛ فعلى سبيل المثال، تشير المصادر إلى أن ضاحية أرسينوي وحدها كانت تضم نحو عشرة آلاف راهب²، فضلًا عن باقي أقاليم مصر. كما تُظهر الأدلة الأثرية أن عددًا كبيرًا من المعابد – بعد فترات هجر ملحوظة منذ القرن الرابع – أصبح مسكونًا بشكل مكثف من المسيحيين القرويين³، وبحلول القرن الخامس كانت غالبية المعابد مجرد هياكل فارغة بعد أن فقدت وظيفتها الدينية⁴.
وفي المقابل، لا يجوز إغفال أن الوثنيين وقياداتهم في هذه المرحلة كانوا – في مواضع عدة – فاعلين في أعمال عنف واضطهاد ضد المسيحيين، وهو ما تؤكده بعض الروايات المعاصرة. ومن الشواهد الدالة على ذلك قصة الشاعر والباحث الوثني هورابوللون Horapollon من بانوبوليس (أخميم)، في القرن الرابع، الذي كتب شروحًا على سوفوكليس وألكايوس وهوميروس، ودرّس في الإسكندرية والقسطنطينية. وقد روَت المصادر أن تلميذه باراليوس Paralius أعلن رغبته في اعتناق المسيحية، فاستغل بعض التلاميذ الوثنيين غياب أستاذهم، واعتدوا عليه اعتداءً مبرحًا كاد يودي بحياته⁵.
وقد فسّر باحثون مثل Harold Bell هذه الحدة والغيرة الدينية في سياق أفول الوثنية التدريجي، إذ رأى أن المسيحية قدمت – في نظر معتنقيها – إجابات أعمق وأكثر اتساقًا للأسئلة الوجودية التي عجزت الوثنية المتأخرة عن معالجتها⁶. ومن ثم، فإن الوجود المسيحي في مصر، بمؤسساته وقياداته، كان واقعًا ملموسًا ومتناميًا منذ القرنين الثاني والثالث، تشهد عليه أوراق البردي، والمصادر الأدبية، والأدلة الأثرية، كما سبقت الإشارة.
وبشكل عام، فإن تحليل الإحصاءات والبيانات المستقاة من أوراق البردي، والمصادر الأدبية، والشواهد الأثرية، يوحي بأن المسيحيين أصبحوا يشكلون غالبية سكان مصر منذ القرن الرابع الميلادي⁷.
أما مراسيم الإمبراطور ثيؤدوسيوس، فبحسب أغلب دارسي تاريخ الإمبراطورية الرومانية المتأخرة، لا يمكن قراءتها بوصفها “نصوصًا تشريعية او قانونية بصبغة عقائدية”، بل خطاب سلطة سياسيًا ذا طابع دعائي (propagandistic) ، هدفه ضبط واقع ديني مضطرب أكثر مما هو إنشاء واقع جديد من العدم. وقد نبّه Peter Brown إلى أن القوانين الإمبراطورية كثيرًا ما تعكس ما تأمله السلطة أكثر مما تصف ما يحدث فعليًا، فضلًا عن أن تطبيقها كان متفاوتًا ومحدودًا بحسب الأقاليم.
ومن المفارقة المنهجية أن من يكثر الحديث عن “فهم طبيعة النصوص الدينية في الكتاب المقدس ومصادر النصوص وأنواعها” يغفل عن أبسط قواعد التعامل مع النصوص التاريخية: السياق، والتسلسل الزمني، والتمييز بين النص الوصفي والنص الإجرائي. كما أن الاكتفاء باقتباس مبتور دون إحالة دقيقة للصفحة أو الإطار العام لا يُعد بحثًا علميًا، بل انتقاءً يخدم نتيجة مسبقة.
وتزداد الإشكالية وضوحًا حين يتجاهل الطرح ما يقرّ به المصدر نفسه الذي يستند إليه. فالكلام عن “اختفاء الديانات المصرية القديمة بفعل انتشار المسيحية” لا يصمد أمام ما يورده الكتاب بوضوح في الصفحة 75، حيث جاء نصًا:
«على خلاف ما يظن البعض، لم تنتهِ الديانات المصرية القديمة بانتشار المسيحية في مصر واعتناق السواد الأعظم من الشعب المصري لها، بل ظلت هذه الديانات ومعبوداتها وجودًا في المجتمع المصري، وظلّ نخبها ويتضاءل رويدًا رويدًا حتى انتهى تمامًا في القرن السادس الميلادي، ويدل على ذلك بقاء معبد الإلهة إيزيس في جزيرة فيلة.»
وعليه، فإن القفز من نص قانوني متأخر إلى استنتاجات جذرية حول نشأة المسيحية أو انتشارها، مع تجاهل أربعة قرون من التاريخ السابق، لا يُعد قراءة علمية، بل اختزالًا انتقائيًا يفتقر إلى المنهج—لا سيما حين يناقض المصدر نفسه في صفحاته الداخلية.
فالتاريخ لا يُستقرأ من خواتيمه، والتحولات الحضارية الكبرى لا تصنعها مراسيم بين ليلة وضحاها؛ لذا، على من يتصدر لراية التنوير، عليه أولاً أن يُضيء عتمة منهجه، ويحرر بصيرته من قيود الانحياز قبل أن يحاكم الماضي ويُسقِط عليه آراءه وأحكامه البهلوانية».
--------------------------------------------------------------
(1) David Frankfurter,
Christianization, “Identity,” and the Problem of Internal Commitment in Egypt III–VI CE,
in: Religious Identifications in Late Antique Papyri: 3rd–12th Century Egypt,
edited by Mattias Brand & Eline Scheerlinck, 2022.
(2) ألان. بومان،
مصر ما بعد الفراعنة، ص 24.
(3) Roger S. Bagnall,
Egypt from Alexander to the Copts, p. 43.
(4)
“Identity, and the Problem of Internal Commitment in Egypt III–VI CE”,
in: Religious Identifications in Late Antique Papyri: 3rd–12th Century Egypt,
edited by Mattias Brand & Eline Scheerlinck, 2022, p. 36؛
Labib Habachi, The Destruction of Temples in Egypt,
Medieval and Middle Eastern Studies, p. 195.
(5) Suidas, s.v. Horapollon;
Zacharias Scholasticus, Life of Severus of Antioch,
Patrologia Orientalis II, pp. 22–23.
(6) Harold I. Bell, Cults and Creeds, p. 105؛
quoted in: David Frankfurter, Christianizing Egypt: Syncretism and Local Worlds in Late Antiquity, p. 9.
(7) Roger S. Bagnall،
قراءة أوراق البردي وكتابة التاريخ القديم، ص 163.
مراجع أخرى:
Peter Brown, The Rise of Western Christendom: Triumph and Diversity, A.D. 200–1000, Wiley-Blackwell.
Peter Brown, Power and Persuasion in Late Antiquity: Toward a Christian Empire, University of Wisconsin Press.
Ramsay MacMullen, Christianizing the Roman Empire (A.D. 100–400), Yale University Press.
Robin Lane Fox, Pagans and Christians, Penguin Books.
Averil Cameron, The Later Roman Empire, AD 284–430, Harvard University Press.
J. H. W. G. Liebeschuetz, Continuity and Change in Roman Religion, Oxford University Press.
Codex Theodosianus, ed. Clyde Pharr, Princeton University Press.
Rodney Stark. The Triumph of Christianity: How the Jesus Movement Became the World's Largest Religion .
Rodney Stark, The Rise of Christianity: A Sociologist Reconsiders History
Philopater Magdy
-----------
رد اخر
حد ناشر نص الكتاب و هو كتاب حياة الانبا شنودة رئيس المتوحدين كدليل قاطع على ان المسيحية انتشرت بالعنف ، و ان ده كان بقرار امبراطورى.
انا مقدر دايما ان عندنا مجموعة مستثقفة بتنسب نفسها للثقافة و تدعيها و هما مضروبين بداء الاكاديميا ، و داء الاكاديميا غير العمل الأكاديمي البحثى المحترم ، اعراض داء الاكاديميا هو ان اى حاجة مكتوبة هى بالضرورة صح و سليمة ولو مكتوب بلغة اجنبية اسجد لها فورا بدون تفكير.
بص يا معلم فيه صورة رسم فرعونى عليه كتوبة "اه كتوبة" الكتوبة دى لكاهن اسمه "اسمت اخوم" بيقدم القرابين فى معبد فيلة سنة ٣٩٦ ميلادية يعنى بعد قرار ثيؤدسيوس و الراجل شغال و بيقدم قرايينه و زى الفل.
معبد ايزيس فى جزيرة فيلة كانت بتقام فيه الشعائر لحد سنة ٥٣٤ ميلادية يافندم و اللى قفله قرار جستنيان.
اى مرحلة تغيير دينى وارد يكون فيها متعصبين و يحصل فيها عنف هنا او هناك و ممكن يكون فيه قرارات مش سليمة لكاهن او بطريرك لكن تصوير ده على انه منهج الاقباط فى نشر المسيحية فده كلام مش سليم و مش دقيق.
و يبقى داء الاكاديميا بلا علاج و اسواء اعراضه الجانبية هو طبقة المستثقفين.
Ramy Elkopty
تجميع من الصفحة القيمة مكتبة الكتب المسيحية



اكتب رأيك في هذه المقالة