ما هي فلسفة العدمية
فلسفة العدمية==============================
تخيل معايا إنك فجأة بتبص حواليك وتلاقي كل حاجة ملهاش معنى. حياتك، شغلك، علاقاتك، حتى وجودك نفسه و كأنك عايش في فراغ كبير، وكل حاجة كنت فاكر إنها ثابتة ومهمة طلعت وهم. الإحساس ده هو مدخل لفهم العدمية.
العدمية مش مجرد كلمة تقيلة، دي فكرة فلسفية ونفسية وأدبية دخلت في عقول ناس كتير عبر التاريخ، لدرجة إنها بقت تيار فكري بيهز معنى الوجود والغاية من الحياة.
في المقالة دي، هنتكلم عن العدمية بشكل تاريخي وفلسفي ونفسي وأدبي، وهنشوف مشاكلها وردود الفعل عليها، وهنتكلم عن ناس شافوا إن فيها خطر وناس تانية شافوا إنها طريق للتحرر.
==============================
ايه هي العدمية ؟
العدمية ببساطة هي فكرة إن الحياة ملهاش معنى حقيقي أو قيمة مطلقة. يعني مفيش حقائق مطلقة، مفيش غايات عليا، مفيش صح وغلط بمعناهم النهائي.
في ناس بتشوف العدمية كاليأس التام، وفي ناس تانية بتشوفها كتحرر من القيود اللي المجتمع أو الدين أو التقاليد حطها.
الكلمة نفسها جاية من اللاتيني nihil يعني لا شيء وده بيعبر عن الجوهر : الفراغ والمعنى المفقود.
==============================
العدمية مش فكرة جديدة، جذورها ظهرت في اليونان القديمة. الفيلسوف "جورجياس" في القرن الخامس قبل الميلاد و الكلام نقله المورخ سيكستوس إمبيريكوس قال نصا :
لا شيء موجود؛ وإن كان موجودًا، فلا يمكن معرفته؛ وإن أمكن معرفته، فلا يمكن إيصاله للآخرين
Sextus Empiricus, Adversus Mathematicos (Against the Mathematicians), Book VII, 65-87.
في النص ده، جورجياس بيقدم فكرته العدمية المشهورة، اللي بتشكك في وجود واقع موضوعي فعلًا، وكمان في قدرة العقل البشري إنه يدركه، وكمان في إمكانية إننا نتبادل معرفة حقيقية. بيبدأ بإنكار وجود أي حاجة أصلاً، وبيستخدم حجج منطقية ضد الفلاسفة اللي قبله زي بارمينيدس اللي كان بيأكد إن فيه وجود مطلق. بعد كده بينقل الكلام ويقول حتى لو فيه وجود، الإنسان مش هيقدر يدركه عشان الحواس والعقل قصادهم حدود. وآخر حاجة بيقول إن اللغة عاجزة إنها تنقل المعرفة، لإنها مجرد رموز مش بتمثل الواقع بدقة.
=====================
حتى لو كان هناك شيء، فلن يكون مفهومًا للبشر؛ لأن ما هو موجود لا يمكن للطبيعة البشرية أن تدركه.
Mansfeld, J., & Runia, D. T. (2009). Aëtiana: The Method and Intellectual Context of a Doxographer, Volume II. Brill Academic Publishers, Leiden. (Chapter on Gorgias, pp. 238-245).
هنا، جورجياس مركز على القصور المعرفي عند البشر. شايف إن الحواس والعقل محدودين ومش ممكن يوصلوا للحقيقة المطلقة لو كانت موجودة أصلاً. الجزء ده من فكرته بيبين إنه شكاك جدًا، وده بيقرب أفكاره من العدمية المعرفية، اللي بتنكر إننا نقدر نوصل لأي معرفة يقينية.
=====================
اللغة لا تُظهر الأشياء الموجودة، بل الأشياء التي تُقال؛ فالأشياء التي تُقال ليست هي الأشياء الموجودة، بل مجرد علامات لها
Sextus Empiricus, Adversus Mathematicos (Against the Mathematicians), Book VII, 83-85.
هنا جورجياس بيبرز إن اللغة محدودة كأداة للتعبير عن الواقع. شايف إن الكلمات مجرد رموز أو علامات مش بتمثل الواقع الحقيقي، لكن بتشير له بشكل ناقص. الموقف ده بيعزز فكرته العدمية إن التواصل عن الحقيقة مستحيل، وده بيخلي أي محاولة لفهم الواقع أو نقله عبث.
من ده نفهم كويس فكرة جورجياس عن العدمية :
جورجياس كسفسطائي ماكنش هدفه يبني نظام فلسفي كامل، قد ما كان عايز يفكك الأنظمة الفلسفية الموجودة، خصوصًا اللي قدمها بارمينيدس وأتباعه. أطروحاته التلاتة بتعكس نوع من العدمية المعرفية والوجودية:
لا شيء موجود : جورجياس بينكر وجود واقع موضوعي مستقل عن إدراك الإنسان، وبيستخدم حجج منطقية عشان يثبت إن فكرة الوجود نفسها فيها تناقض.
عدم إمكانية المعرفة : حتى لو افترضنا إن فيه حاجة موجودة، قصور الحواس والعقل يخلي المعرفة الحقيقية مستحيلة.
عدم إمكانية التواصل : اللغة كوسيلة لنقل المعرفة فاشلة، لإنها مش بتمثل الواقع، لكنها بتعمل مجرد ظلال أو رموز.
الأفكار دي بتخلي جورجياس رائد في التفكير العدمي، لإنه بيشكك في أساسيات الواقع والمعرفة والتواصل، وده بيؤدي لرؤية عبثية بتنكر إمكانية الوصول لأي حقيقة نهائية.
أمثلة جورجياس :
جورجياس ماقدّمش أمثلة مباشرة زي اللي بنفهمها النهاردة، لكنه استخدم أسلوب بلاغي عشان يوضّح أفكاره. مثلاً، في خطابه في مدح هيلين (Encomium of Helen)، بيبين إزاي اللغة ممكن تقنع الناس بأي حاجة حتى لو مش حقيقية، وده بيدعم فكرته إن اللغة مش بتعكس الواقع لكنها بتشكّله. وبيقول في السياق ده إن المثال ده بيورينا إزاي جورجياس شاف اللغة كأداة للتلاعب بالإدراك، وده بيعزز فكرته العدمية إن الحقيقة مش ممكن ندركها أو ننقلها و ده كلامه :
اللغة قوة عظيمة، فهي بأصغر جسد تحقق أعظم الأفعال
Dillon, J., & Gergel, T. (2003). The Greek Sophists. Penguin Classics, London. (pp. 76-84).
=====================
بعدها، الفلسفة اليونانية الهلنستية زي الرواقية والشكية حاولوا يردوا على العبث ده بطريقتهم :
الرواقيين، زي زينون القبرصي (334-262 قبل الميلاد) وكريسبس (280-207 قبل الميلاد)، ردوا على أفكار جورجياس بالتأكيد على إن فيه نظام عقلي كوني (اللوغوس) بيحكم الواقع، وإن فيه إمكانية للمعرفة عن طريق الانطباعات الحسية الموثوقة اللي بيسموها phantasia kataleptike. الرواقيين رفضوا العدمية المعرفية بتاعت جورجياس، واعتبروا إن العقل البشري يقدر يدرك الحقيقة لو اتستخدم بشكل صح.
رد كريسبس على جورجياس :
كريسبس، اللي بيتعتبر واحد من أهم الرواقيين، هاجم السفسطائيين عموما، وشاف إن شكوكيتهم بتؤدي للفراغ وبتعطل العمل الأخلاقي. ووفقا لسيكستوس إمبيريكوس، كريسبس رد على أطروحة جورجياس وقال إن الانطباعات الحسية لما تكون واضحة ومتناسقة، بتكون أساس للمعرفة الحقيقية و قال نصا :
الانطباع المدرك (الحسي) هو حقيقي، ولا يمكن التشكيك فيه
Sextus Empiricus, Adversus Mathematicos (Against the Mathematicians), Book VII, 152-157.
كريسبس شايف إن الحواس، لما بتنتج انطباعات واضحة ومتناسقة، بتقدر تمكّن الإنسان إنه يوصل للحقيقة، وده بيناقض فكرة جورجياس اللي بتقول إن المعرفة مستحيلة. الرواقيين أكدوا إن العيش على حسب الطبيعة والعقل محتاج قبول وجود واقع موضوعي ممكن إدراكه.
=====================
رد سينيكا (4 قبل الميلاد -65 ميلادي) :
سينيكا، الفيلسوف الرواقي الروماني، تناول الشكاكين بشكل غير مباشر في رسايله الأخلاقية، وأكد على أهمية العقل في توجيه الحياة الأخلاقية. وفي واحدة من رسايله، بيشير لضرورة الثقة في العقل والطبيعة علشان نتجنب العبثية :
الطبيعة تدعونا إلى الفضيلة، والعقل يقودنا
Seneca, Epistulae Morales ad Lucilium (Moral Letters to Lucilius), Letter 66.
سينيكا بيرفض العدمية من خلال تأكيده إن الطبيعة والعقل بيوفروا أساس للحياة الفاضلة، وده بيعارض فكرة جورجياس اللي بتقول إن مافيش حاجة ممكن نعرفها أو إن الحياة بلا معني.
=====================
ردود الشكاكين :
الشكاكين، زي بيرو
(Pyrrho)
وسيكستوس إمبيريكوس، كانوا أقرب لجورجياس في شكوكيتهم، لكن اختلفوا في الهدف والطريقة. جورجياس كان هدفه يثبت العدمية من خلال إنكار الوجود والمعرفة، لكن الشكاكين ركزوا على تعليق الحكم (epoché) علشان يحققوا الطمأنينة النفسية (ataraxia).
رد بيرو (حوالي 360-270 قبل الميلاد) :
بيرو، مؤسس الشكوكية، ما ردش مباشرة على جورجياس، لكن أفكاره زي ما نقلها تيمون بتبين اختلافه في التعامل مع العدمية. بيرو شاف إن تعليق الحكم على وجود الحاجات أو عدمها بيؤدي للسكينة، مش لليأس العدمي :
لا شيء أكثر من شيء آخر؛ كل شيء متساوٍ وغير متميز
Diogenes Laërtius, Lives of Eminent Philosophers, Book IX, 61-62.
بيرو بيتفق مع جورجياس في الشك في المعرفة اليقينية، لكنه بياخد نهج عملي هدفه يحقق السلام النفسي بدل ما يقع في العبثية. بدل ما ينكر الوجود، بيرو بيقترح إننا ما ناخدش موقف نهائي ناحية الواقع.
=====================
رد سيكستوس إمبيريكوس نفسه (حوالي 160-210 ميلادي) :
سيكستوس إمبيريكوس، في كتابه Outlines of Pyrrhonism، بينقل أفكار جورجياس وبيستخدمها كجزء من الحجج الشكوكية، لكنه بيحول التركيز من العدمية لتعليق الحكم :
كل شيء غير محدد وغير قابل للإدراك، لذا يجب تعليق الحكم
Outlines of Pyrrhonism, Book I, 12-15.
سيكستوس بيستخدم أفكار جورجياس علشان يعزز الشكوكية، لكنه بيرفض يوصل للاستنتاج العدمي. بدل ما يقول مافيش حاجة موجودة، سيكستوس بيقترح إن الإنسان يمتنع عن إصدار أحكام نهائية، وده بيوصل لحالة من الطمأنينة بدل العدم.
=====================
فا جورجياس قدم رؤية عدمية مبكرة من خلال أطروحاته التلاتة اللي بتنكر الوجود والمعرفة والتواصل. الأفكار دي أثارت ردود فعل مختلفة :
الرواقيين (زي كريسبس وسينيكا) رفضوا العدمية وأكدوا على وجود نظام كوني عقلي وقدرة الإنسان إنه يدرك الحقيقة عن طريق العقل والحواس.
الشكاكين (زي بيرو وسيكستوس إمبيريكوس) اتبنوا شكوكية معتدلة، واستخدموا أفكار جورجياس علشان يدعموا فكرة تعليق الحكم، لكنهم تجنبوا العبثية من خلال السعي للطمأنينة النفسية.
================================
بعد العرض التاريخي المهم ده عشان نفهم تاريخ العدمية دلوقتي هنشرح العدمية في العصر الحديث :
العدمية الحديثة في أوروبا
العدمية كتيار واضح بدأت تظهر في القرن الـ 19 مع التغيرات الكبيرة في أوروبا: الثورة الصناعية، انهيار القيم التقليدية، صعود العلم والعقلانية و عصر التنوير في اغلب القارة .
العدمية في روسيا :
في روسيا القرن الـ 19، ظهرت حركة شبابية اسمها العدميون الروس
(Nihilists)
، كانوا بيتمردوا على كل حاجة : الدين، السلطة، التقاليد، وحتى الفن. الروائي الروسي الكبير تورغينيف كتب رواية اسمها الآباء والأبناء فيها شخصية "بازاروف" اللي بيمثل العدمية الروسية.
================================
دلوقتي نيجي لاهم شخص في مقالة اليوم وهو يعتبر الاب الروحي في شرح فلسفة العدمية و هو فريدريك نيتشه :
الفيلسوف الألماني، بيتعتبر من اهم الفلاسفة اللي تكلموا عن مفهوم العدمية
(Nihilism)
بشكل عميق ومؤثر. العدمية عند نيتشه مش مجرد إنكار للوجود أو للمعنى، لكنها حالة فلسفية وثقافية بتنشأ من انهيار القيم التقليدية، خصوصًا اللي مرتبطة بالدين والأخلاق المسيحية.
في كتبه زي هكذا تكلم زرادشت (Also sprach Zarathustra)
إرادة القوة (Der Wille zur Macht)
وما وراء الخير والشر (Jenseits von Gut und Böse)
نيتشه بيصف العدمية كنتيجة لـ "موت الإله
(Gott ist tot)
يعني انهيار الإيمان بالقيم المطلقة، وده بيخلي الإنسان في فراغ وجودي.
لكن نيتشه بيميز بين العدمية السلبية (اللي بتؤدي لليأس والاستسلام) والعدمية الإيجابية (اللي بتفتح الطريق لخلق قيم جديدة).
دلوقتي هستعرض افكاره من كتبه مع شرح ليها :
"الإله مات! الإله يظل ميتًا! ونحن من قتلناه! كيف نعزي أنفسنا، نحن القتلة من بين كل القتلة؟ أقدس وأقوى ما امتلكته العالم حتى الآن، قد نزف حتى الموت تحت سكاكيننا—من سيُزيل هذا الدم عنا؟
Die fröhliche Wissenschaft (The Gay Science), Book III, Section 125
مفهوم "موت الإله"، هو أساس فكرة العدمية عند نيتشه. "موت الإله" معناه انهيار الإيمان بالقيم المسيحية والمطلقة اللي كانت بتدي معنى للحياة. الانهيار ده بيؤدي للعدمية السلبية، اللي فيها الإنسان بيلاقي نفسه في فراغ وجودي من غير أي مرجعية أخلاقية أو ميتافيزيقية.
نيتشه شايف ده كأزمة ثقافية كبيرة ، لكنه بيحذر في نفس الوقت إنها ممكن تكون فرصة لخلق قيم جديدة.
==============
ما أرويه هو قصة القرنين القادمين. أصف ما سيأتي، ما لا يمكن أن يأتي بطريقة أخرى: ظهور العدمية هذا المستقبل يتحدث بالفعل من خلال مئات العلامات، هذا المصير يُعلن عن نفسه في كل مكان
Der Wille zur Macht (The Will to Power), Book I, Section 2
هنا، نيتشه بيتنبأ بظهور العدمية كظاهرة حتمية في العصر الحديث. شايف إن انهيار القيم التقليدية هيؤدي لأزمة وجودية، فيها الإنسان هيفقد الإيمان بأي معنى أو هدف نهائي. لكنه بيلمح إن الأزمة دي ممكن تكون ضرورية علشان نتخطى العدمية السلبية ونوصل لخلق قيم جديدة تعتمد على إرادة القوة.
==============
ما هي العدمية؟ أن القيم العليا تفقد قيمتها. ينقصها الهدف؛ ينقصها الجواب على لماذا ؟ العدمية ليست مجرد تأمل، بل حركة تنشأ من اهتزاز القيم السابقة. الإنسان لديه القدرة على خلق قيم جديدة، لكنه يقف أمام هاوية اللامعنى.
Der Wille zur Macht (The Will to Power), Book I, Section 23-
نيتشه بيعرف العدمية إنها فقدان الهدف والمعنى، وده نتيجة لتفكك القيم العليا زي القيم المسيحية أو المثالية الأفلاطونية. شايف إن العدمية بتظهر لما القيم دي تبقى مش قابلة للتصديق، وده بيسيب الإنسان في حالة فراغ وجودي. التعريف ده بيبرز العدمية السلبية، لكنه كمان بيمهّد لفكرته عن العدمية الإيجابية، اللي فيها الإنسان يقدر يخلق قيم جديدة.
==============
نيتشه شايف إن العدمية نتيجة حتمية لتطور الفكر الغربي، خصوصا بعد التنوير وتراجع الدين. ودي أهم النقاط في أفكاره عن العدمية :
موت الإله : العدمية بتنشأ من فقدان الإيمان بالله والقيم الميتافيزيقية التقليدية. لما الإنسان يفقد الإيمان بالحقيقة المطلقة، بيواجه فراغ وجودي.
العدمية السلبية : دي حالة اليأس واللا معنى اللي بتحصل بعد انهيار القيم. نيتشه بيوصفها إنها مرض ثقافي بيصيب الحضارة الغربية، والناس بتحس إن الحياة مابقاش ليها هدف.
العدمية الإيجابية : نيتشه بيقترح إن العدمية ممكن تبقى فرصة تحرر الإنسان من القيم القديمة ويخلق قيم جديدة تعتمد على إرادة القوة (Will to Power). ودي دعوته لفكرة الإنسان المتفوق (Übermensch) اللي بيتجاوز العدمية.
إرادة القوة : التغلب على العدمية بيكون من خلال تأكيد الحياة والإبداع الذاتي. نيتشه شايف إن الإنسان لازم يخلق معناه بنفسه بدل ما يعتمد على قيم خارجية.
أمثلة نيتشه بتبين ده :
في هكذا تكلم زرادشت، نيتشه بيستخدم شخصية زرادشت علشان يعلن موت الإله ويدعو لخلق قيم جديدة.
مثلا، قصة "الرجل المجنون" في العلم المرح بتبين واحد بيعلن موت الإله في السوق، والناس بتسخر منه، وده بيوري إن المجتمع مش مستعد يواجه العدمية.
وفي ما وراء الخير والشر، نيتشه بينتقد الأخلاق التقليدية اللي بيسميها "أخلاق العبيد"، ويدعو لأخلاق جديدة تعتمد على تأكيد الحياة والقوة.
==============
بعد ما عرفنا فكر نيتشه و شرجه للعدمية نجيب ااراء و كلام الناس الي كانوا في نفس فترته او بعده في نقده :
نبدأ بالفيلسوف الوجودي الملحد جان سارتر الي تأثر بنيتشه لكنه كان ضده في فكرة العدمية رفض فكرة اليأس و قاكد ان الانسان حر في اختياراته قال نصا :
الإنسان محكوم عليه أن يكون حرًا. محكوم، لأنه لم يخلق نفسه بنفسه، ومع ذلك حر، لأنه بمجرد أن يُلقى في العالم، يكون مسؤولًا عن كل ما يفعله
Sartre, Jean-Paul. (1956). Being and Nothingness. Translated by Hazel E. Barnes. Philosophical Library, New York. (p. 439).
سارتر بيوافق نيتشه إن الإنسان بيواجه فراغ وجودي بعد انهيار القيم التقليدية، لكنه بيرفض العدمية السلبية. بدل كده، سارتر شايف إن حرية الإنسان المطلقة بتخليه يقدر يخلق المعنى من خلال أفعاله، وده بيخلي الوجودية عند سارتر رد إيجابي على العدمية.
==============
الفيلسوف العبثي الملحد ألبير كامو و التمرد :
الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو، اللي اتأثر بنيتشه برضه، قدم رد فريد على العدمية. كامو اتفق إن الكون صامت وإن الحياة في ذاتها مافيهاش معنى جاهز، وده سماه "العبث" (The Absurd) : الصدام بين رغبة الإنسان إنه يلاقي معنى، وبين عالم ما بيقدمش أي معنى.
لكن، على عكس العدمي اللي بيستسلم لليأس، كامو دعا للتمرد. في كتابه أسطورة سيزيف، شايف إن لازم نتخيل سيزيف سعيد وهو بيدفع صخرته للأبد. ليه ؟ لأن سعادته بتيجي من تمرده على عبثية مصيره وإدراكه الكامل ليه.
الحل عند كامو مش في إيجاد معنى خارجي، لكن في خلق القيمة من خلال التمرد والعاطفة والحرية في مواجهة العبث و هو قال نصا :
التمرد هو ما يعطي للحياة قيمتها.
Camus, Albert. (1955). The Myth of Sisyphus and Other Essays. Translated by Justin O'Brien. Vintage Books, New York.
وبكده، كامو بيقدم مخرج تالت: لا اليأس العدمي، ولا الحرية المطلقة بتاعة سارتر، لكن إنك تعيش الحياة بشغف وتتمرد على فراغها، وبكده تخلق معناها بنفسك.
==============
الدكتور فيكتور فرانكل بيقول :
عندما لا يستطيع الشخص العثور على شعور عميق بالمعنى، يلهي نفسه بالمتعة
Frankl, Viktor E. (1946). Man's Search for Meaning. Beacon Press, Boston. (p. 115).
فرانكل بيقول إن الإنسان لما بيفقد المعنى العميق في حياته، بيحس بفراغ وجودي، وده بيخليه يلجأ للمتع السريعة أو السطحية علشان يملأ الفراغ ده. الفراغ الوجودي بالنسبة له هو أصل الاكتئاب الوجودي، وهو شايف إن الحل إن الإنسان يلاقي هدف أو معنى يعيش عشانه، زي ما بيشرح في العلاج بالمعنى (Logotherapy).
وهنا فرانكل بيربط الفراغ الوجودي بالمجتمع الحديث، وبيقول إنه مش مجرد مشكلة فردية، لكن ظاهرة عامة بسبب ضياع القيم التقليدية والإيمان اللي كانوا بيدوا الناس معنى في الماضي.
==============
الاديب فيودور دوستويفسكي بيقول :
إذا لم يكن هناك إله، فكل شيء مسموح
Dostoevsky, Fyodor. (1912). The Possessed. Translated by Constance Garnett. Macmillan, New York. (Part II, Chapter 7).
دوستويفسكي في كتاب الشياطين بيحذّر من العدمية، وبيقول إنه لو الإنسان فقد الإيمان بالله، هيفقد القيم الأخلاقية، وده هيخلّي كل حاجة مباحة، حتى العنف والفوضى. هو شايف إن العدمية خطر كبير ممكن يدمّر المجتمع، وإن الاكتئاب الوجودي ممكن يتحول لحاجة أسوأ لو اتساب من غير حدود و ديه من كوارث العدمية.
==============
صامويل بيكيت بيقول :
لا شيء يحدث، لا أحد يأتي، لا أحد يذهب، إنه فظيع!
Beckett, Samuel. (1952). Waiting for Godot. Grove Press, New York. (Act 1, p. 43).
في مسرحية انتظار غودو، بيكيت بيصوّر العدم من خلال شخصيتين مستنيين "غودو" اللي مش هييجي أبدا. الانتظار ده رمز للحياة نفسها، اللي ممكن تبقى بلا معنى أو هدف. والجملة "لا شيء يحدث" بتعبر عن الفراغ الوجودي والعدمية، والإحساس الفظيع ده هو الاكتئاب الوجودي بعينه.
============================
أنواع العدمية كتير مش نوع واحد :
العدمية الميتافيزيقية : مفيش معنى للوجود نفسه.
العدمية الأخلاقية : مفيش صح وغلط مطلق.
العدمية السياسية : مفيش شرعية لأي سلطة.
العدمية المعرفية : مفيش حقيقة مطلقة، كل حاجة نسبية.
============================
مشاكل العدمية كتير كمان مش واحدة بس ولا قليلة :
العدمية رغم إنها بتدي إحساس بالتحرر، لكنها خطيرة لو وصلنا بيها للآخر :
اليأس : ممكن توصل للانتحار الفكري أو الحرفي.
الاكتئاب الوجودي.
اللا مسؤولية : لو مفيش صح وغلط، يبقى ليه نلتزم بأي حاجة ؟
الفوضى الاجتماعية : لو كل القيم انهارت، المجتمع ممكن ينهار.
============================
هل فيه حل للعدمية ؟
العدمية مش نهاية الطريق، فيه حلول أو مسارات:
الإيمان أو الروحانية : ناس كتير رجعت للمعنى الديني أو الروحي.
الفن والإبداع : الفن ممكن يكون وسيلة لمواجهة الفراغ.
خدمة الآخرين : التركيز على الغير ممكن يديك إحساس بالغاية.
============================
العدمية مش مجرد فكرة فلسفية جافة، ولا مجرد نزعة يأس وجودي، لكنها مرآة بتكشف أعمق مخاوف الإنسان وأسئلته لما يحس نفسه فارغ
في التاريخ، العدمية كانت زي مفترق طرق : ناس شافوا فيها هاوية وضاعوا في الفراغ، وناس تانية استغلوا الفراغ ده كصفحة بيضا يعيدوا كتابة وجودهم عليها. نيتشه شافها خطوة مؤقتة لازم نتجاوزها لصناعة إنسان جديد يقدر يخلق قيمه بنفسه و دوستويفسكي حذرنا من خطورتها لما تتحول لفوضى بلا ضمير.
في النهاية، العدمية مش قدر محتوم، لكنها لحظة مواجهة. مواجهة مع نفسنا، ومع أسئلة مفيش حد هيجاوبها بدلنا. ممكن نختار نستسلم ونعيش بلا غاية، وممكن نختار نبني غايتنا بإيدينا. المعنى مش دايمًا حاجة بنكتشفها، أحيانًا هو حاجة بنخلقها.
يمكن الحياة في نظر العدمية بلا ضمانات ولا معنى جاهز، لكن ده مش معناه إنها بلا قيمة. قيمتها في الرحلة نفسها، في التجربة، في التمرد، وفي قدرتنا نختار ونقرر حتى وسط الفوضى.
الفراغ اللي بتسيبه العدمية للي مقتنع بيها او بيفكر بيها مش لازم يكون ظلام، ممكن يكون فضاء مفتوح للحرية. وهنا السؤال اللي بيبقى معلق لكل واحد فينا :
هل هتسيب العدمية تاكلك ؟ ولا هتستغلها كخطوة تعيد بيها اكتشاف نفسك والعالم ؟

اكتب رأيك في هذه المقالة