حقيقة مقتل هيباتيا بين التزييف و التوثيق

إن حادثة مقتل هيباتيا في الإسكندرية سنة 415م تُعد من أكثر الوقائع التاريخية تعرضًا لإعادة الصياغة والتوظيف الأيديولوجي في الكتابات الحديثة، حتى غدت في بعض السرديات رمزًا مبسطًا لصراعٍ بين “العلم والدين”، أو بين “الوثنية والمسيحية”. غير أن العودة الدقيقة إلى المصادر المعاصرة، وتحليل السياق السياسي والاجتماعي الذي وقعت فيه الحادثة، يكشفان عن صورة أكثر تعقيدًا، بل ومغايرة جذريًا لهذه التمثلات الشائعة. فمقتل هيباتيا لم يكن نتيجة نشاطها العلمي، ولا تعبيرًا عن صراع ديني صرف، بل كان نتاج تفاعل مركب بين السياسة والعنف الحضري في مدينة كانت تعيش حالة من الاضطراب المزمن.

المصدر الأساسي الذي تقوم عليه إعادة بناء هذه الحادثة هو المؤرخ سكراتيس سكولاتيكوس Socrates Scholasticus، الذي يورد في كتابه التاريخ الكنسي (VII.15) رواية واضحة تشير إلى أن الدافع المباشر لقتل هيباتيا كان اعتقاد بعض المتعصبين أنها تمارس تأثيرًا على الوالي الروماني Oreste .¹ اوريستيس وتكتسب هذه الشهادة أهمية خاصة لكونها معاصرة نسبيًا للحدث، فضلًا عن كون صاحبها لم يكن منحازًا انحيازًا مطلقًا لأي من أطراف الصراع، الأمر الذي يعزز من قيمتها كمصدر تاريخي رئيسي.

إن هذا النص يقوّض بشكل مباشر الادعاء الشائع بأن هيباتيا قُتلت بسبب تدريسها للفلسفة أو الرياضيات أو الفلك. فالمصدر لا يذكر أي صلة بين نشاطها العلمي وبين الحادثة، بل يربطها بوضوح بسياق سياسي. ويزداد هذا الاستنتاج قوة إذا ما وضعناه في إطار الحياة الثقافية في الإسكندرية، التي ظلت حتى ذلك الوقت مركزًا نشطًا للفلسفة والعلوم اليونانية، ولم يكن هذا النشاط محل تجريم أو اضطهاد منهجي. بل إن التراث الفلسفي اليوناني وجد طريقه إلى داخل الفكر المسيحي نفسه، كما يظهر في أعمال شخصيات مثل اوريجانوس وكليميس السكندري وبنتينوس وغيرهم، مما يجعل من غير المنطقي تفسير الحادثة بوصفها هجومًا على “العلم” في حد ذاته.

ولا يمكن فهم هذه الواقعة إلا في ضوء طبيعة الإسكندرية كمدينة كوزموبوليتانية شديدة التعقيد، حيث تداخلت الهويات العرقية والثقافية والدينية. فقد كانت المدينة تضم يونانيين ومصريين ويهودًا، وكانت التوترات بين هذه الجماعات قابلة للاشتعال في أي لحظة. ويصف كتاب Egypt After the Pharaohs 332 BC–AD 642 هذه الحالة بأنها بيئة يسهل فيها تعبئة العنف الجماعي لأي سبب، سواء كان حقيقيًا أم متخيلًا.² وفي هذا السياق، لا يبدو مقتل هيباتيا حادثة استثنائية بقدر ما هو حلقة ضمن سلسلة من الاضطرابات التي شهدتها المدينة.

ومن المهم التأكيد على أن الصراع الذي سبق الحادثة لم يكن صراعًا دينيًا بالمعنى التقليدي. بل كان النزاع في جوهره صراعًا على النفوذ داخل المدينة، تفاقم بفعل أحداث سابقة، من بينها حادثة الراهب أمونيوس الذي اعتدى على الوالي، وما تبع ذلك من رد فعل عنيف. وفي ظل هذا المناخ المشحون، أصبحت الشخصيات المؤثرة، مثل هيباتيا، عرضة لأن تُحمَّل أدوارًا سياسية تتجاوز موقعها الفعلي.

وتشير المصادر إلى أن عملية القتل نُفذت على يد جماعة من الغوغاء المرتبطين بالبارابلاني، بقيادة شماس يُدعى بطرس، حيث تحركوا بدافع الشك في دورها السياسي، وليس بسبب انتمائها الديني أو نشاطها العلمي.¹ ويعكس هذا الطابع الغوغائي للحادثة طبيعة العنف في الإسكندرية، الذي كثيرًا ما كان ينفجر نتيجة تحريض شعبي غير منظم، لا نتيجة قرارات مؤسسية واضحة.

أما فيما يتعلق بمسؤولية كيرلس السكندري، فإن المصادر المعاصرة لا تقدم أي دليل مباشر على تورطه في هذه الجريمة. فالمؤرخ سٌكراتيس Socrates Scholasticus، رغم اختلافه معه، لم يوجه إليه اتهامًا صريحًا. كما أن غياب هذا الاتهام في سياق الصراعات الكنسية اللاحقة، وفي جلسات المجامع خاصة مع خصومه مثل نسطور، يضعف بشدة فرضية تورطه. وتؤكد الدراسات الحديثة هذا الاتجاه، إذ يشير كتاب The Theology of St Cyril of Alexandria: A Critical Appreciation إلى عدم وجود دليل يثبت مسؤوليته عن الحادثة.³

وقد ساهمت الكتابات الأدبية الحديثة في تشويه صورة الحدث، وعلى رأسها رواية Hypatia (1853) لتشارلز كيسينجلي، التي أعادت صياغة القصة في إطار درامي منحاز، جرى لاحقًا التعامل معه وكأنه تاريخ. وقد انتقد عدد من الباحثين هذا الاتجاه، معتبرين أنه يعكس قراءة أيديولوجية أكثر مما يعكس تحليلًا تاريخيًا دقيقًا.

وفي هذا السياق، يبرز ادعاء آخر لا يقل إشكالية، وهو القول بأن هيباتيا كانت “مصرية” بالمعنى العرقي الحديث، أو أنها كانت تدين بما يُسمى “ديانة كمت”. غير أن هذا الطرح يفتقر إلى أي سند من المصادر القديمة، ويعكس في جوهره إسقاطًا معاصرًا على واقع تاريخي مختلف تمامًا. فالمصادر لا تشير إلى انتماء ديني مصري تقليدي لهيباتيا، بل تُظهرها بوضوح كشخصية مندمجة في الإطار الثقافي الهيليني الذي كان مهيمنًا على الحياة الفكرية في الإسكندرية. كما أن انتماءها إلى المدرسة الأفلاطونية الجديدة، وتعليمها باللغة اليونانية، وعلاقتها بالنخبة الفكرية والإدارية، كلها تؤكد هذا الانتماء.

أما مفهوم “ديانة كمت” ذاته، فهو مصطلح حديث لا وجود له في المصادر القديمة، ويُعد استخدامه في هذا السياق مثالًا واضحًا على الأنكرونيزم (إسقاط مفاهيم لاحقة على عصور سابقة). فحتى الديانة المصرية القديمة، في صورتها التاريخية، كانت قد شهدت تحولات عميقة منذ العصر البطلمي، واندماجت في أنماط دينية هيلينية مثل عبادة سيرابيس، ولم تعد تمثل منظومة مستقلة بالمعنى الذي يُفترض في هذا الادعاء. ومن ثم، فإن نسبة هيباتيا إلى “ديانة كمت” لا تعكس واقعًا تاريخيًا، بل محاولة حديثة لإعادة توظيف الشخصية ضمن سرديات هوية معاصرة.

ومن الناحية الاجتماعية، فإن وصفها بأنها “مصرية خالصة” يتجاهل الطبيعة الكوزموبوليتانية للإسكندرية، حيث لم تكن الهوية تُحدد بالمعنى القومي الحديث، بل بالانتماء الثقافي واللغوي. وهيباتيا، بوصفها ابنة Theon of Alexandria، الذي عمل في تقليد علمي يوناني، تمثل نموذجًا للنخبة الهيلينية في مصر، لا امتدادًا مباشرًا للتقاليد الدينية المصرية القديمة بل هذا يجعلها أن تعتبر المصريين مجموعة من البرا-برة لعدم معرفتهم اليونانية لغة العلم، فبأي منطق يدعي البعض أنه مصرية أو تدين بديانة مصر القديمة أو أحدا يدعي أنها جدته !!!.😃

ومن الجدير بالذكر أيضًا أن العنف في الإسكندرية لم يكن موجهًا في اتجاه واحد، بل كان متبادلًا بين الجماعات المختلفة. فقد تذكر المصادر حوادث اعتداء من وثنيين على مسيحيين، كما في قصة الفيلسوف حوابوللو Horapollon، حيث قام تلاميذه بضرب أحد الطلاب بعد إعلانه التحول إلى المسيحية، وهي رواية وردت في كتاب Zacharias Scholasticus.⁴ وهذا يؤكد أن المدينة كانت مسرحًا لصراعات متعددة، لا يمكن اختزالها في سردية أحادية.

كما أن استمرار النشاط الفلسفي في الإسكندرية بعد مقتل هيباتيا، كما يشير رأفت عبد الحميد، يدل على أن الحادثة لم تكن موجهة ضد الفلسفة ذاتها، ولم تؤد إلى إنهاء الحياة الفكرية في المدينة.⁵ وهذا بدوره يُسقط الادعاء القائل بأنها كانت “نهاية العلم” في الإسكندرية.

وفي ضوء ما سبق، يتضح أن مقتل هيباتيا كان نتيجة تفاعل معقد بين عوامل سياسية واجتماعية، في مدينة كانت تعيش حالة من التوتر الدائم، لا نتيجة صراع مباشر بين العلم والدين، ولا تعبيرًا عن اضطهاد ديني أحادي الاتجاه. إنها، في نهاية المطاف، ضحية سياق تاريخي مضطرب، لا رمزًا أسطوريًا لصراع أيديولوجي حديث.
https://www.difa3iat.com/75919.html/%d9%82%d8%aa%d9%84-%d9%87%d9%8a%d8%a8%d8%a7%d8%aa%d9%8a%d8%a7-%d9%88%d9%83%d9%8a%d8%b1%d9%84%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%a8%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a%d9%84%d9%88%d8%a8%d8%a7%d8%aa%d9%8a%d8%b1-%d9%85
1-
Socrates Scholasticus, Ecclesiastical History, Book VII, Chapter 15.-
2-
Egypt After the Pharaohs 332 BC–AD 642: From Alexander to the Arab Conquest.
3-
Thomas G. Weinandy and Daniel A. Keating (eds.), The Theology of St Cyril of Alexandria: A Critical Appreciation, London: T&T Clark, 2003, p. 117.
4-
Zacharias Scholasticus, Life of Severus of Antioch؛ وكذلك Suidas, s.v. Horapollon.
5-
رأفت عبد الحميد، الفكر المصري في العصر المسيحي، ص 64.
منقول من
Philopater Magdy

Siervo De Jehová
بواسطة : Siervo De Jehová
"لكي تجثو باسم يسوع كل رُكْبَةٍ" (في 2: 10)
Comments