الخطاب 51 | الرسالة 51 للقديس امبروسيوس اسقف ميلان (مترجم)

إن ذكرى صداقتنا القديمة عزيزة عليّ، وأستحضر بامتنان ما أظهرته من إحسان إلى آخرين استجابةً لتوسلاتي المتكررة. ومن هنا يمكن أن يُفهم أني لم أتجنب لقاءك عند وصولك بدافع الجحود، مع أني كنت دائمًا أرغب بشدة في ذلك. وسأوضح الآن بإيجاز سبب تصرّفي كما فعلت.
لقد رأيت أن حقي الطبيعي في أن أُسمَع في مجلسك قد سُحب مني وحدي، وبذلك حُرمت أيضًا من حق الكلام. لأنك كنت كثيرًا ما تنزعج حين يصل إلى علمي بعض الأمور التي تقررت في مجلسك الخاص. لذلك أصبحت محرومًا من الامتياز المشترك، لأن الرب يسوع يقول: «ليس شيء مخفيًا لا يُعلَن» (لوقا 8 :17).
فانصعتُ بإجلال لإرادتك الإمبراطورية، وحرصت ألا يكون لديك سبب للانزعاج، فجعلتُ ألا يُنقل إليّ شيء من المراسيم الإمبراطورية. وحتى إذا حضرتُ، فإما ألا أسمع — خوفًا من الآخرين — فأُتَّهم بالتواطؤ، أو أسمع بطريقة تبقى فيها أذناي مفتوحتين لكن يُمنع لساني من الكلام، فلا أستطيع أن أقول ما سمعت، لئلا أضرّ بمن وُجِّهت إليهم تهمة الخيانة وأعرّضهم للخطر.
فماذا كان عليّ أن أفعل؟
ألا أسمع؟ لكن لا أستطيع أن أسد أذنيّ بشمع الأساطير القديمة (اشارة لقصة اوديسيوس).
أأقول ما سمعت؟ لكن كان يجب أن أحذر في كلامي مما كنت أخشاه في أوامرك، أي أن يُرتكب عمل دموي.
أأصمت؟ لكن حينئذ يُقيَّد ضميري ويُسلب صوتي، وهذا أشد البؤس.
وأين يكون القول: إن لم يحذّر الكاهن المخطئ، يموت المخطئ في خطيته، ويُحاسب الكاهن لأنه لم ينذره (حزقيال 3: 18).
اسمع أيها الإمبراطور الجليل. لا أستطيع أن أنكر غيرتك على الإيمان، وأعترف أنك تخاف الله. لكن فيك اندفاع طبيعي؛ إن حاول أحد تهدئته تتحول سريعًا إلى الرحمة، وإن أثاره أحد اشتعل أكثر حتى يكاد لا يُضبط. ليت أحدًا على الأقل لا يؤججه إن لم يهدئه. وأنا أسلّم هذا الأمر إليك، لأنك تستطيع أن تضبط نفسك وتغلب اندفاعك بمحبة التقوى.
لهذا فضلت أن أنبهك إلى هذا الاندفاع سرًا، بدل أن أثيره علنًا بأي تصرف مني. فآثرت أن أبدو مقصرًا قليلًا في الواجب لا في التواضع، وأن يظن الآخرون أني مقصر في سلطتي الكهنوتية بدل أن تجدني أنت ناقصًا في الاحترام والمحبة.
واعتذرت بمرض جسدي كان في الحقيقة شديدًا ولا يخف إلا بعناية كبيرة. ومع ذلك كنت أفضل أن أموت على ألا أنتظر يومين أو ثلاثة حتى وصولك. لكن لم يكن ذلك ممكنًا.
لقد حدث في مدينة تسالونيكي أمر لا نظير له في الذاكرة، ولم أستطع منعه. وكنت قد قلت مرارًا إنه سيكون فظيعًا جدًا، حين توسلت مرارًا ضده. وحتى أنت أظهرت خطورته عندما ألغيت القرار — ولكن بعد فوات الأوان. لم أستطع أن أهوّن من فظاعته بعد وقوعه.
وعندما انتشر الخبر، كان مجمع كنسي قد انعقد بسبب وصول أساقفة من بلاد الغال. ولم يوجد واحد لم يحزن، ولا واحد اعتبر الأمر هينًا. ولم يكن كونك في شركة مع أمبروسيوس عذرًا لما حدث. بل كان اللوم سيزداد عليّ لو لم يقل أحد إن مصالحتك مع إلهنا أمر ضروري.
هل تخجل أيها الإمبراطور أن تفعل ما فعله النبي الملك داود، جد المسيح حسب الجسد؟
عندما أخبره النبي بقصة الغني الذي أخذ نعجة الفقير وذبحها، أدرك أنه هو المقصود وقال: أخطأت إلى الرب.
فتحمّل إذًا بصبر إن قيل لك: لقد فعلت ما قيل لداود. فإن أطعت وقلت: أخطأت إلى الرب، ورددت كلمات داود: تعالوا نسجد ونركع ونبكِ أمام الرب الذي خلقنا، فسيقال لك أيضًا: لأنك تبت، غفر الرب خطيتك ولن تموت.
وأيضًا عندما أمر داود بإحصاء الشعب، انكسر قلبه وقال: أخطأت جدًا. فأرسل الله إليه النبي ناثان ليختار عقوبة: ثلاث سنين جوع، أو ثلاثة أشهر هروب من الأعداء، أو ثلاثة أيام وباء.
فقال داود: لأسقط في يد الرب لأن مراحمه كثيرة، ولا أسقط في يد إنسان.
وكان خطؤه أنه أراد معرفة عدد الشعب، وهو أمر كان يجب أن يتركه لله وحده.
وعندما ضرب الموت الشعب، ورأى داود الملاك يضربهم، قال: أنا أخطأت، وأنا الراعي أسأت، أما هؤلاء فماذا فعلوا؟ لتكن يدك عليّ وعلى بيت أبي.
فأمر الرب الملاك أن يكفّ، وأمر داود أن يقدم ذبيحة. وكانت الذبائح تُقدَّم آنذاك عن الخطايا، أما الآن فذبيحتنا هي التوبة. وبات داود مقبولًا أكثر لدى الله بتواضعه. فالخطأ ليس عجيبًا أن يقع فيه الإنسان، لكن الملامة أن لا يعترف بخطئه ويتواضع أمام الله.
أيوب الصديق قال: لم أخف خطيتي بل أعلنتها أمام الجميع.
ويوناثان قال للملك شاول: لا تخطئ بقتل داود البريء.
وداود نفسه عندما قُتل أبنير البريء قال: أنا ومملكتي بريئان من دمه وصام حزنًا.
كتبت هذا لا لأحرجك، بل لكي تدفعك أمثلة هؤلاء الملوك إلى إزالة هذه الخطية من مملكتك. فالخطية لا تزول إلا بتواضع النفس أمام الله. أنت إنسان وقد حدث لك هذا، فاغلبه. لا يزيل الخطية إلا الدموع والتوبة. لا ملاك ولا رئيس ملائكة يستطيع ذلك. والرب نفسه لا يغفر إلا للتائبين.
أنا ألحّ وأتوسل وأحذّر، لأنني متألم. أنت الذي كنت مثالًا في التقوى والرحمة، ولم تكن تسمح بتعريض شخص واحد للخطر، فكيف لا تحزن على هلاك الكثيرين؟
لقد انتصرت في الحروب، وأنت مستحق للمدح في أمور كثيرة، لكن التقوى كانت تاج أعمالك. إبليس حسدك على هذا. فاهزمه الآن ولا تضف خطية جديدة إلى خطيتك.
أنا مدين لإحسانك ولا أنكره، وهو يفوق إحسان كثير من الأباطرة. لكن ليس لي سبب لأعاندك بل لأخاف. لا أجرؤ أن أقدم الذبيحة إن كنت حاضرًا. إن كان لا يجوز بعد قتل بريء واحد، فهل يجوز بعد قتل كثيرين؟ لا أظن.
أكتب هذا بيدي لتقرأه أنت وحدك. لقد حُذّرت لا من إنسان بل من الله نفسه. ففي الليلة التي كنت أستعد فيها للسفر رأيتك في حلم داخل الكنيسة ولم يُسمح لي بتقديم الذبيحة.
الله يحذّر بطرق كثيرة: بعلامات سماوية، وبكلام الأنبياء، وحتى برؤى الخطاة، لكي نفهم ونطلب منه إزالة الاضطرابات وحفظ السلام لكم أيها الأباطرة، وليبقى إيمان الكنيسة وسلامها.
أنت تريد أن تكون مقبولًا لدى الله. لكل شيء زمان (الجامعة 3: 1).
ستقدم ذبيحتك عندما يؤذن لك وتكون مقبولة.
والصلاة نفسها ذبيحة تنال الغفران عندما تكون الذبيحة الخارجية سبب إساءة. فالله يفضل طاعة وصاياه على الذبائح. «أريد رحمة لا ذبيحة» (متى 9 :13).
البار هو من يتهم نفسه، لا من يبررها.
كنت أتمنى لو وثقت بنفسي أكثر من اعتمادي على طبعك، لأنك تسامح سريعًا وتتراجع عن حكمك سريعًا. لكن أشكر الرب الذي يؤدب عبيده كي لا يهلكوا. هذا اشترك فيه الأنبياء، وستشترك فيه أنت مع القديسين.
كيف لا أقدّر أبا أكثر من عينيّ؟ وأبناؤك أيضًا و هم عربونك المقدس يستحقون الرحمة. أنا أتبعك بمحبة وصلوات. إن كنت تصدقني فاتبع نصيحتي، وإن لم تصدقني فاعذرني لأني أضع الله قبلك.
ليمنحك الرب، أيها الإمبراطور الجليل، مع أولادك القديسين، سلامًا دائمًا وسعادة وازدهارًا.

ترجمة بتصرف مني (Siervo De Jehovah)
مع وضع بعض الشروحات بين قوسين لنص الخطاب الكامل للقديس امبروسيوس أسقف ميلان الي الإمبراطور التائب و البار ثيؤدوسيوس الاول (الخطاب الواحد و الخمسون -51) يوبخه بحكمة و شدة فيه علي مذبحة تسالونيكي الي شرحت قصتها بشكل كامل في المقالة ديه :
https://siervodejehova1.blogspot.com/2025/09/blog-post_23.html

المرجع الأكاديمي للخطاب :
Ambrose, Bishop of Milan, Letter 51, Translated by H. de Romestin, E. de Romestin and H.T.F. Duckworth. From Nicene and Post-Nicene Fathers, Second Series, Vol. 10. Edited by Philip Schaff and Henry Wace. (Buffalo, NY: Christian Literature Publishing Co., 1896.)

Siervo De Jehová
بواسطة : Siervo De Jehová
"لكي تجثو باسم يسوع كل رُكْبَةٍ" (في 2: 10)
Comments