في تاريخ مصر تتلألأ شخصيات عظيمة تركت أثرًا عميقًا لا في صفحات الكتب فحسب، بل في ضمير الأمة ووجدانها. ومن بين هؤلاء العظام يبرز الأنبا شنوده رئيس المتوحدين، أحد أبرز رموز الرهبنة القبطية في صعيد مصر، لا بفضل قداسته وحكمته الرهبانية فقط، بل بما جسّده من قيادة إنسانية فريدة جمعت بين الزهد الروحي، والغيرة الوطنية، والرعاية الاجتماعية.
لقد تجاوزت جهوده حدود الدير الأبيض في أخميم، لتبلغ عمق المجتمع المصري في زمانه، حيث وقف مدافعًا عن الفقراء والمظلومين، محتضنًا الجياع والمرضى، ومطالبًا بحقوق شعبه في وجه الظلم والاستغلال. إن سيرة الأنبا شنوده ليست مجرد سيرة ناسك في محرابه، بل هي شهادة حية على أن العمل من أجل العدل والكرامة هو امتداد أصيل للحياة الروحية الصادقة.
"فكان الأنبا شنوده لا يألُ جهداً في سبيل العمل على خير مواطنيه ورعاياه والذود عنهم، فقد أخذ على نفسه أن يردّ مظالمهم، فكان يرفع شكايتهم بنفسه مطالباً باسترداد حقوقهم أمام حاكم الإقليم أو الحاكم العام إن أمكن. فإذا تعذر ذلك بسبب محاباتهم لكبار الملاك الأغنياء، أو لأنهم قد يكونون هم أنفسهم المدّعى عليهم، فإلى القسطنطينية حيث يسعى للوصول للحق والعدالة لدى الإمبراطور نفسه. وهكذا نبه "شنوده" مواطنيه بأحوالهم وحقوقهم، وأيقظ فيهم الشعور أنه من حقهم الشكوى من الظلم والمطالبة بإقرار العدل، ولو كان المتسببون هم أنفسهم الحكام العظام.
كان الأنبا شنوده مضرب الأمثال في إنكار الذات والشهامة وقد أبلى في مواقع عديدة ما يشهد بجهوده البالغة ومواقف الرجولة والبطولة الحقة ما لا يتوفر إلا في جبابرة من أندر الزعماء ، ويؤيد هذا الحدث مدى عظم قدرته وشجاعته وخدماته للجماعات ، فقد أغارت قبائل البجاة البرابرة على تسعة بلاد مصرية وأسرت عدة آلاف من أهاليها وسطت بطبيعة الحال على ما يملكون ، فلما وصل الخبر إلى علم الأنبا شنوده لم يتوان في الذهاب إلى مقابلة رؤسائهم وهنا نترك القول لما حدث لكاتب سيرته :
قال لهم أو هبوني هذا القوم الذين أسرتوهم فأخذوا الكسب والغنائم ووهبوهم له ومضوا شاكرين له فعدا بهم إلى البر الغربي جاء بهم إلى الدير بفرح عظيم ، وكان عدتهم ألف رجل خلاف النساء والصبيان وكان يسأل الإخوة يخدمونهم وسبعة من الأطباء كانوا يعالجوا أسقامهم وجراحين يداوون جراحاتهم من الذين لحقهم النشاب.
ولقد أصبحت هذه المثل الإنسانية التي وضع الأنبا شنوده مبادئها من أنبل تقاليد الدير الأبيض ويحدثنا الأنبا ويصا تلميذه في إحدى خطبه عن ضحايا الأوبئة والمجاعات التي حدثت في السنة السادسة لوفاة الأنبا شنوده وكيف أنهم لا يجدون ما يقتاتون به سوى عشب الحقل . ولقد بادر رهبان الدير الأبيض بإغاثة عدة آلاف منهم بمدهم بالطعام وبالعلاج والتمريض وكل هذه الخدمات الجليلة التي حققها رهبان الدير الأبيض سواء بالمحافظة على العقيدة والذود عنها ونشر تعاليمها الصحيحة ، أو إغاثة الملهوفين وإعانة المرضى المحرومين في عصر سادت فيه الحروب والفوضى والمجاعات والأوبئة ، وجعلت من الدير الأبيض معهدا دينيا واجتماعيا عظيم الشأن ، وأصبحت الأعمال الباهرة الرائعة النبيلة التي قام بها في تلك العصور المظلمة لهى من أرفع المثل العليا السامية التي قدمتها الأديرة المصرية القديمة إلى الإنسانية جمعاء على مر العصور.
كما أنه لم يقتصر في إستخدام مواهبه وجهوده على إستئصال شافة العبادات الشريرة من البلاد، بل أنه لم يغفل في الوقت نفسه مكافحة ما كان لها من آثار خطيرة في أفكار الناس وتقاليدهم الدينية ، والإجتماعية والتمادى في التمسح في القبور والأجداث وغير ذلك من الخزعبلات المتعددة ومن تأليفه في هذا الشأن بعض من مقتطفاته التي ألقاها على قومه لينهاهم عن تلك العبادات السقيمة منذ أكثر من خمسة عشر قرنا من الزمان وفيها من عمق المعاني وما ترمى إليه ما يغني عن التعليق وهي :
.... جميل جدا أن يذهب الإنسان إلى هيكل الشهيد ويصلي ويقرأ وينشد المزامير ويطهر نفسه ويتناول من الأسرار المقدسة في مخافة المسيح أما من يذهب ليتكلم ويأكل ويشرب ويلهو أو بالحرى يرتكب الجرائم نتيجة للإفراط في الشراب والبغي والفساد والإثم فهذا هو الكافر بعينه وبينما البعض في الداخل يرتلون المزامير ويقرأون ويتناولون إذا بآخرين في الخارج يملأون المكان بصخب الآلات الموسيقية « بيتي بيت الصلاة يدعى وأنتم جعلتموه مغارة لصوص » يا للغباء ؟ إذا كنتم تذهبون المواطن الشهداء لتأكلوا وتشربوا وتبيعوا وتشتروا وتفعلوا ما يروق لكم . إذا فأية فائدة لبيوتكم التي في مدنكم وقراكم ويا لعقولكم المغلقة ؟..." (1)
وهكذا تمضي سيرة الأنبا شنوده، لا كسطور تُقرأ في كتب التاريخ، بل كنبراسٍ يهدي الخطى في دروب الظلماء، وسراجٍ وُضع على المنارة ليضيء لكل من يسير في درب المسؤوليّة والمحبّة الحقّة. إنه ذلك النموذج النادر الذي اجتمعت فيه النسكُ والحكمةُ، القيادةُ والرحمةُ، الغيرةُ على العقيدة والرأفةُ بالإنسان، فكان أبًا لا لرهبانه فقط، بل لشعبٍ بأكمله، جاعلين منه ملجأً وقت الخوف، وصوتًا في وجه الظلم، وبلسمًا في زمن الجراح.
لقد تجاوز أثره حدود الزمان والمكان، فصار مرجعًا للمصلحين، ومثالًا للرعاة الحقيقيين الذين لا يكتفون بالوعظ، بل يحملون عصاهم ليقودوا، وقلوبهم ليشعروا، وأيديهم ليغيثوا. وما أجدر دُعاتنا، وقادة اليوم، أن يقفوا طويلًا أمام هذا الشاهد الحيّ، ليتأملوا كيف تكون القيادة التزامًا، لا ترفًا، وكيف تكون الرهبنة عملًا، لا عزلة، وكيف تكون الكنيسة وطنًا في قلب الوطن، لا جدارًا معزولًا عنه.
في زمنٍ تتكاثر فيه الحاجة إلى رجال ضمير، وقلوب طاهرة، وصدور تتسع لآلام الناس، يظل الأنبا شنوده شاهدًا خالدًا على أن الإنسانية الحقة لا تنفصل عن القداسة، وأن أعظم أشكال العبادة هي خدمة الإنسان من حيث هو إنسان، على صورة الله ومثاله.
فليكن لنا في حياته نورٌ نهتدي به، وفي مواقفه درسٌ نتعلّمه، وفي وصاياه دعوة دائمة إلى أن نبني وطنًا بالحق، ونعمر أرضنا بالعدل، ونخدم إخوتنا بالمحبّة.
(1) رءوف حبيب، تاريخ الرهبنة والديرية في مصر وأثرهما الانسانية على العالم، ص182: 192
منقول من صفحة الأخ Light of the world- φῶς τοῦ κόσμου

اكتب رأيك في هذه المقالة